لماذا لا زلنا نعتبر روسيا حليفا رغم اختلافنا مع بعض سياساتها وتكتيكاتها في سوريا؟!

محمد النوباني 

ان السياسة تصبح في بعض الاحيان عبارة عن طلاسم بحاجة الى مجهودات خارقة لفهمها واستيعابها وسبر اغوارها لأن ظاهرها قد لا يعكس باطنها وباطنها قد لا يعكس ظاهرها فتظهر للعيان على غير حقيقتها مشوشة وملتبسة

ولكي اوضح ما اريد ايصاله الى القارى فان روسيا مثلا دعمت بشكل واضح مؤخرا مواقف نتنياهو ازاء سوريا الامر الذي كان يتطلب من اسرائيل مراعاة مصالح روسيا كنوع من رد الجميل ولكنها وكما ذكرت صحيفة “تيليبوليس”الالمانية اختبرت مؤخرا صاروخا اسرع من الصوت من فئة ارض جو يسمى “رامبيغ”لتدمبر منظومات الدفاع الجوي الروسية في سوريا من طراز اس-٣٠٠الامر الذي سيلحق في حال حصوله اضرارا فادحة بسمعة السلاح الروسي وبالتالي بمبيعاتها من الاسلحة ومصالحها الاستراتيجية

وقي ذات السياق فانه في الوقت الذي ظهرت فيه بعض المؤشرات على ان روسيا قد تكون معنية بابعاد القوات الايرانية وقوات حزب الله عن الاراضي السورية فانها تحتفظ بعلاقات جيدة مع ايران وتعارض العقوبات الامريكية عليها ، وبعد يوم واحد من قرار ادارة ترامب تخصيص مبلغ عشرة ملبون دولار لكل من يدلي بمعلومات عن اشخاص يمولون حزب الله فقد اعلن في موسكو عن ان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف سوف يستقبل في مويكو اليوم الثلاثاء النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله علي فياض الذي يقوم بزيارة الى موسكو تلبية لدعوة من وزارة الدفاع الروسية للمشاركة في مؤتمر حول الامن.الامر الذي يتناقض ايضا جمع المساعي الامريكية الاسرائيلية الهادفة الى محاصرة الحزب وتجفيف مصادر دخله من غير ايران

واذا ما انتقلنا الى صلب الموضوع الذي ننوي معالجته في هذه المقالة فان روسيا لم ترتكب تاريخيا جريمة واحدة ضد الشعوب العربية لا في العهد القيصري ولا في العهد الشيوعي وصولا الى عهد بوتين كما فعلت بريطانيا وفرنسا وامريكا التي ارتكبت افظع الجرائم وسفكت دماء ملايين العرب والمسلمين من اجل مصالحها الاستعمارية في النهب والسيطرة مما جعل من صورتها في الوعي الجمعي العربي ناصعة البياض ومشرقة.بعكس دول الاستعمار القديم والجديد

وقد ربطت روسيا التي كانت عماد وراس حربة الاتحاد السوفياتي السابق بالدول العربية المعادية للامبريالية علاقات صداقة وتعاون قوية وتحديدا ايام فترة حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مما جعل الشعوب العربية تنظر الى الروس نظرة احترام وتقدير على اعتبارهم حلفاء للعرب في معاركهم ضد الامبريالية والصهيونية ومن اجل التحرر والتقدم الاقتصادي والاجتماعي

ومن هذا المنطلق فان بعض العرب لم يستوعبوا بان تقوم روسيا الحالية التي هي بالنسبة لهم وريثة للاتحاد السوفياتي السابق، بالتنسيق مع اسرائيل لمنع التصادم الجوي في الاجواء السورية اوتقوم بتسليم رفات جندي السلطان يعقوب لنتنياهو قبل انتخابات الكنيست الاسرائيلي الاخيرة مما ساعده في اجتيازه للاستحقاق الانتخابي بنجاح، كما لم يستوعبواعدم السماح للجيش العربي السوري باستخدام صواريخ منظومة ال اس-٣٠٠ ضد المقاتلات الاسرائيلية التي تنتهك حرمة الاجواء السورية ومؤخرا عدم ادانة الروس الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الحربية الاسرائيلية على اهداف سورية وايرانية في سوريا.لان ذلك يتناقض مع صورة نمطية ايجابية حفرت في الوجدان العربي عن الروس 

ان انتقاد بعض مواقف روسيا ازاء الازمة في سوريا وما قيل عن التزام قدمه بوتين لنتنياهو بضمان مصالح اسرائيل في اية تسوية سياسية محتملة للازمة السورية يقلقنا ويتطلب توضيحات من الحليف الروسي لاسبابه ودوافعه وهل هو تكتيك يصب في خدمة الهدف الاستراتيجي الروسي والسوري المشترك في اسكمال الحرب ضد الارهاب؟ام انه يعكس تحولا في الموقف الروسي لا يصب في خدمة ذلك الهدف؟

وغني عن القول بان هذا الموقف الا يلتقي ولا يتقاطع ابدا مع المساعي المشبوهة التي تبذلها بعض الدول والاطراف العربية للاساءة للروس من باب بعض الاخطاء التي يرتكبونها خدمة لامريكا واسرائيل بقدر ما يتناقض معه بالمطلق لان الهدف منه هو خدمة المصالح العليا للامة العربية 

فبعض العرب يعادون روسيا لانهم عملاء لامريكا واسرائيل، اي من منطلق الكراهية التاريخية لدولة عظمى ساندت بقوة عندما كانت مكونا اساسيا من مكونات الاتحاد السوفياتي السابق حركة التحرر الوطني والاجتماعي العربية من منطلقات مبدئية، ولعبت دورا حاسما في افشال واسقاط المشروع الصهيو- امريكي -الغربي- الرجعي العربي الذي كان يستهدف اسقاط الدولة السورية من منطلق منظومة المصالح بعد ان عادت دولة عظمى على يد رئيسها الحالي القومي الروسي فلاديمير بوتين.بينما البعض الاخر يذهب الى انتقاد تلك التكتيكات ليس لانه يضمر اي عداء لروسيا وانما لانه يطمح بان تكون روسيا داعمة ومساندة للقضايا العربية كما كانت ايام الاتحاد السوفياتي السابق بل واكثر

ولكي ندخل في صلب الموضوع الذي نحن بصدده فان الشرق الاوسط بالنسبة لنا نحن العرب هو كل شيئ اما بالنسبة لروسيا ورغم اهميته الكبيرة في الصراع الدولي من اجل اعادة صياغة شكل العالم فانه ليس كل بالنسبة للروس رغم اهميته الكبيرة ولذلك فان روسيا قد تقدم على اتخاذ مواقف وممارسة تكتيكات قد تبدو لنا غير مفهومة او حتى معادية لمصالحنا

وهذه التباينات هي امور طبيعية حتى بين حلفاء ولكن ما يجعل منها غير طبيعية هو عجزنا نحن العرب عن استثمار مواطن قوتنا للتاثير على الموقف الروسي بصورة تجبر روسيا على الاصغاء لمطالبنا واخذ مصالحنا بعين الاعتبار كما تاخذ مصالحها

ان قراءة الواقع كما هو يشير الى ان روسيا هي دولة حليفة لمحور المقاومة والممانعة في المنطقة طالما ان هدف الجانبين هو استكمال تحرير الاراضي السورية من العصابات الارهابية المسلحة وطرد كل القوات الاجنبية المتواجدة على تلك الاراضي من دون موافقة الحكومة.السورية

وما يشكل القاعدة المادية الصلبة لذلك التحالف ان روسيا تخوض صراعا على المستوى الكوني مع الولايات المتحدة الامريكية لاعادة صياغة شكل العالم ، وفي هذا الصراع تعتبر اسرائيل جزء اساسيا من التحالف الامريكي المناوئ للمصالح الروسية مما يرجح ان العلاقة الروسية الاسرائيلية ورغم تاثرها من الجانب الروسي بوجود لوبي صهيوني قوي في موسكو وبمسعى روسي لاستثمارها كمدخل لتحسين الاجواء مع واشنطن الا ان بعدها تكتيكي وليس استراتيجي كما العلاقات بين روسيا من جهة وسوريا وايران من جهةاخرى

ويحضرني في هذا السياق ان التحالفات السياسية والعسكرية بين دول او قوى سياسية لا تعني بالضرورة التطابق المطلق في كل شيئ وازاء كل شيئ. فالاتحاد السوفياتي الذي كان يخوض صراعا ضاريا ضد الامبريالات البريطانية والفرنسية والامريكية اضطر لاقامة تحالف معها في مواجهة المانيا النازية والعسكرية اليابانية وايطاليا الفاشية في الحرب العالمية الثانية رغم العداوة الشديدة التي كانت تجمعهم 

.بمعنى اخر فان التحالف عندما يكون على اساس مصالح وليس على اساس مبادئ فانه يمر في حقل من التباينات والتعارضات وحتى الصراعات بين اطرافه المكونة الى ان

يتحقق الانتصار النهائي ليقطف كل طرف من اطرافه المكونة الثمار.

 

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الاستاذ محمد ،
    هناك مصالح روسية نفهمها جيدا ونستطيع استيعابها وهناك بعض الممارسات لا يمكن الموافقة عليها أو تبريرها…
    *تسليم الجندي القتيل لا يدخل ضمن المصالح الروسية التي يمكننا تفهمها …هذا العمل كان ضربة لنا ويجب أن يعرف الروس ذلك …نعم ليس هكذا يتصرف الحلفاء!…
    *تكتيكات بوتين مع إردوغان تدعو للقلق …هو يريد أن يبعد إردوغان عن الأمريكان ويبيع الصواريخ والغاز …هذا أمر مشروع وحق له ولكن إردوغان يريد ثمنا ايضا …تجميد الوضع في إدلب بطلب واضح من إردوغان…أليس هذا على حساب الدولة السورية وقواتها التي كانت تيسير نحو تحرير المدينة بدون عوائق…الا يحق لنا ان نهمس اننا لسنا مرتاحون؟!
    *رائحة الوساطة الإسرائيلية بين امريكيا وروسيا بأن الجولان مقابل القرم أصبحت تزكم الأنوف …الروس صامتون ؟!… الا يحق لنا أن نضع ايدينا على قلوبنا؟!
    *القصف الإسرائيلي لقواعد إيران وحزب الله في سوريا وبتنسيق مع روسيا أصبح واقعا مألوفا…نعم روسيا ترفض حصار ايران لان مصلحتها أن يبقى نظام ايراني على حدودها الجنوبية معادي لأمريكا وليس شاه جديد …أما في سوريا فايران مطلوب منها ان تغادر وهنا يتشارك الأمريكان والروس والإسرائيليين والأتراك والعرب الرسميين في هذا المطلب …وهنا ايضا يصبح الاتفاق الروسي الإسرائيلي معلنا…هنا المباركة الروسية لقصف القواعد الإيرانية امر غير مشكوك فيه …فهل هذا لمصلحتنا كوطنيين عرب ؟!
    *على الصعيد الفلسطيني لا ننكر المواقف الروسية المتضامنة مع قضيتنا ولكن حقيقة لا ينكرها أحد ان التضامن الروسي ليس التضامن السوفييتي وفلسطين اليوم في موسكو ليست فلسطين الأمس…حتى دعوات قيادة حماس قبل فترة لزيارة موسكو كانت نكاية بنتنياهو الذي أسقط طائرة الخبراء الروس …أما اجتماعات الفصائل الفلسطينية في موسكو فكانت فكرة غير موفقة لان الفصائل اتفقت الا تتفق وكل مرتاح لسلطته … روسيا الحديثة موقفها من فلسطين لا يختلف كثيرا عن موقف السويد مثلا …(انا لا أتحدث عن موقف بعض الشخصيات الروسية القومية وحتى الحزب الشيوعي الروسي الذين لا يخفون تناقضهم مع الصهيونية، بل أتحدث عن روسيا بوتين)…
    *أزمة البنزين في سوريا بالرغم من انها حصار أمريكي بغيض الا انك تشعر وكأنها فرك إذن للنظام السوري من قبل موسكو ، وإلا كيف نفسر الموقف الصامت جدا؟! …
    *اخيرا اقول هذه الملاحظات ابدا ليست من موقع العدو لموسكو ،لا بل العكس تماما ، من موقع الحريص على وجود علاقات واضحة معنا كوطنيين عرب، كنا امس وحتى الآن متهمين باننا agent of influences, агенты влияние لموسكو …نعم موسكو حليفتنا ولكن هي ليست اعز علينا من القدس ودمشق وانتهى العصر الذي كان البعض يحمل المظلات في بلاد العرب حين كانت تمطر في موسكو …

  2. السياسة هي فن الممكن …ولكن لن نمنح الثعلب بوتين صك غفران لقد باع برخيص وقبض الثمن من الصهيوني نتنياهو ؟؟؟ لقد خسر بوتن المثقف العربي إجمالاً وخسرت روسيا تعاطف الشارع العربي ..؟؟ بوتين عين على الجولان والأخرى على جمهورية القرم ولاعب مهم في حلبة فنزويلا …؟؟ الزمن تغير ولن تعود عقارب الساعة للوراء ربما التاريخ يتجدد ولكنة لن يعيد نفسة .. قبور شهداء الثورة الفلسطينية هي رمز مقدس كما فلسطين لها قداستها …؟؟؟ روسيا قبضت الثمن من إزدواجية المعايير والعلاقة الشادة بين دولة كيان العدو الصهيوني وراس الحكم في الدولة السورية هناك تصفية حسابات بين أقطاب الصراع في معركة سوريا .. ؟؟ فليس دائماً سيدي حساب الحقل يأتي مطابقاً لحساب البيدر أعتقد ان الوجود الروسي اصبح يشكل مصدر إزعاج وعبىءعلى المقاومةا لبنانية والفلسطينية ؟وهل سمير القنطار ومرض الدكتوررمضان عبداللة شلح كانا يوماً جزأً من صفقة بين نتنياهو وبوتين هناك علامات إستفهام كثيرة وملفات كثيرة سوف تتكشف تباعاً ؟؟؟ فمعركة سوريا كانت قدرة بكل المقاييس ؟؟ أقطاب الصراع في معركة سوريا كالواوي الدي بلع منجل ……؟؟؟ لقد وقفنا في خندق روسيا في معركة سوريا وعشنا للحظات بعضاً من رومانسية الستينات والسبعينات ؟؟؟ بوتين الآن لايهمة أحد ؟؟ همة الوحيد ترميم ما تبقى من روسيا القيصرية …فلازال بوتين دالك الضابط في المخابرات الروسية الكي جي بي الدي كان مجرد دكر إسمة يسبب الرعب للكثيرون في أجهزة الأستخبارات العالمية وعلى راسها جهاز الموساد .. فلا زال شبح معركة كابول جاثم على صدرة ..فلن أتخيل يوماً أن يكون بوتين في معسكر المقاومة …؟؟ فهو صياد ماهر . فورقة فنزويلا ورقة رابحة بيدة … ؟؟ فصديق اليوم عدو الغد وعدو الأمس صديق اليوم … الخاسر الوحيد في هده المعادلة هو المواطن العربي والجغرافية العربية ….. ؟؟

  3. دعم الرئيس بوتين للنتن هو خطوة تكتيكية مؤقتة وانتهت.
    أعتقد أن الرئيس بوتين يكره النتن كرهاً شديداً . بالعامية السورية : كره العمى.
    . كان ذلك واضحاً من طريقة السلام والنظرة، عند مصافحته، التي كانت تشير بوضوح إلى أنها غير ودّية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here