لماذا سقطت انظمة في تونس ومصر وصمدت اخرى في سورية والبحرين؟

 

 wafa-sandy-new.jpg88

وفاء صندي

إن سقوط تونس وما تلاها من سقوط مصر وليبيا واليمن يكشف واقعا مُلغزا يصعب تفسيره، وهو لماذا وقعت هذه الجمهوريات في الوقت الذي تفادت فيه جمهوريات اخرى نفس المصير (الجزائر مثلا)، ولماذا خروج السودان من اللعبة مبكرا تحت بند تقسيمها للشمال والجنوب، كما خرجت العراق أيضا لما فيها من تشتت وصراع، فيما لا يزال هناك من يقاوم مثل سوريا ومملكة البحرين ممن لم تقدر عليهم الحيل الأمريكية!، وهناك من راوغ السقوط بتعديلات استباقية او فورية مثل مملكة المغرب والاردن. مما يجعلنا نقف مرة اخرى امام نظرية التدخل الأمريكي في الربيع العربي الذي اختار بلاد محددة للسقوط، وأخرى لم يصلها الدور أو صمدت أمام تداعي سقوط قطع الدومينو!

على الرغم من الاستنتاج السابق وهو لسان المحلل المعترض على اللعبة الأمريكية، وهنا نحاول أن نبحث في هذه المعادلة الصعبة ما بين سقوط، وصمود، وخروج مبكر من سباق الربيع العربي. وإذا كان الهدف من هذا هو تقسيم البلاد العربية جغرافيا كما بدأت اللعبة في السودان، فماذا يستفيد التقسيم من تونس مثلا؟ وعلى الرغم أن كل المؤشرات تفيد بأن التقسيم ورقة رابحة في مصر وليبيا واليمن، فأن تونس كانت الطعم السهل لبداية التداعي والسقوط وتبقى سوريا اللقمة الصعبة في حلق الجميع. وسيأتي الدور ربما على الممالك وباقي الجمهوريات الأخرى.

لاشك أن الجماهير العربية التي حركتها وسائل الإعلام الجديد وخاصة في أوساط الشباب العربي الذي قام بدور تحريضي على الفعل الثوري المختمر في عقول الشعوب العربية الأكثر مهانة واحساسا بالظلم والفقر والتهميش، والتي تعاني من الفرق الكبير بين طبقات هذه المجتمعات حيث الأغلبية الكاسحة تحت خط الفقر. تلقفت هذه الجماهير التحريض على التغيير بالثورة، حيث خرجت عن طور الحاكم المستبد المنفصل عن شعبه، وقد كان الحراك الثوري الذي بدأ في تونس بلحظة تاريخية فارقة ضد الاضطهاد الانساني والاحساس بالقهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتجسد بين الشاب البوعزيزي وضابطة الشرطة التي صفعته. انطلق الحراك الثوري الغاضب والذي تم تأجيجه من خلال الفضاء الاليكتروني على مدار سنوات قليلة؛ لينفجر في هذه اللحظة الحاسمة التي تتعمق جذورها في أعماق عقود طويلة من البطش والاهمال والاستبداد بعيدا عن أية مؤامرة وبعيدا عن اللعبة الدولية ومزاعم التقسيم، الامر الذي طال الجدال فيه. ان هبّة الشعوب العربية والتي خرجت مدنها الكبرى اعتراضا على واقعها الاجتماعي السيء مطالبين بتحقيق العدالة والحرية لم تكن مسيسة في خروجها، مع الاعتراف بوجود انتهازية وشبهة استغلال هذه الحشود فيما بعد.

 وجدت هذه الجماهير المساحة الإلكترونية مسرحا لخلق إعلام مواز يتحدى مؤسسات الإعلام العربي الرسمي التي لا تنقل الصورة كما هي بواقعها الحقيقي، خاصة لما يدار في الخفاء من صفقات وعمالات واستبداد بوليسي قمعي لصالح السطلة، وكان دور هذا المسرح الإليكتروني بث كل ما هو مسكوت عنه في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لكشف وتعرية النظام وتشجيع الجماهير على ثقافة نبذ الخوف في بث ونقل ما يقع تحت يديها من صور ومقاطع فيديو تناهض الأنظمة مع ترديد الشعارات الاجتماعية، ثم تلتها شعارات سياسية كان من شأنها أن اقلقت هذه الأنظمة العربية. المدقق لهذه الجماهير الإليكترونية في بداية تعاملها مع هذا الفضاء الافتراضي كان عبارة عن (تنفيس نفسي) أو البحث عن الذات الضائعة بالواقع المعاش تحت اسم وصورة مستعارة وخلق كيان قد يصل إلى حد التطرف والهوس بالانا. ومع مرور الوقت الذي صادف انشاء صفحات غاضبة على استحياء تنتقد الوضع السياسي، فتح الباب واسعا للجميع بان يرتدي ثوب الثورة ويقوم بفعل التحريض للثورة أو التحريض ضدها، ولذلك اصبح أمامنا واقع افتراضي لا يعكس واقع الشارع بحراكه الحقيقي فقط، بل يعكس ثقافة جديدة وهي الاقصاء فيما يعرف بـ”بلوك” تلك الخاصية التي تسمح بحجب من لا يتفق معك او يعارضك فكرتك الثورية. وهذا يعكس بشكل أخر تطور فكرة الحشد مع تسييس المساحة الاليكترونية التي بالأساس تحمل اسم “مواقع التواصل الاجتماعي”، وليس مواقع “الحراك الثوري”، وإن كان المسمى الثاني الأقرب لأهداف هذه المواقع وفتحها وتطويرها في الشارع العربي.

المراقب لهذا الفضاء الالكتروني الذي تم الترويج له بأنه ضلع من أضلع التدخل الامريكي في المنطقة العربية وفقا للآراء المختلفة للخبراء المؤمنين بفكرة المؤامرة التي دبرتها امريكا لتغيير منطقة الشرق الاوسط، واعادة تقسيمه ببث الفتنة بين طوائف شعوب المنطقة أي ما يعرف بـ”التأكل الداخلي” بمعنى رمي البذور وتركها تنبت بتلقاء الطبيعة والمناخ للمكان. وهذا ما فعلته أمريكا لحد ما في المنطقة، ضغطت منذ اوائل الالفية الجديدة بإجراء اصلاحات ديمقراطية، وبالفعل استجابت بعض الانظمة العربية لضغط إجراء انفراجة ديمقراطية حتى لو بدت ظاهرية. وقد كان وضع الانفتاح الديمقراطي جليا في المنطقة العربية تحديدا في كل من مصر وتونس واليمن حيث ظهر على الساحة الاعلامية، خاصة في مصر وعامة في كل منطقة الشرق الاوسط، نوع من اتساع رقعة النقد ونقد الحاكم -الرئيس- بشكل مباشر، مما فتح الباب حتى، لو كان قليلا، للتجرؤ على شخصية النظام المتمثلة في شخص رئيسه.

وراج الحديث عن ملف التوريث في كل من مصر وليبيا واليمن والحديث عن تجاوزات عائلة زين العابدين في تونس، وبدأ النقد يصل إلى الذات الملكية في الممالك العربية حتى لو كان على استحياء ومنخفضا بخلاف الجمهوريات، واتسعت رقعة النقد الرئاسي من قبل الاعلاميين عبر الصحف والفضائيات الخاصة أو الناشطين عبر المدونات الاليكترونية التي تم استغلالها بشكل ما من رؤساء وملوك المنطقة العربية كدليل على ديمقراطيتهم وسماحة صدروهم للنقد حتى لو وصل إلى ذواتهم كما فعل الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك حين اصدر العفو بخصوص حكم الحبس الصادر في حق الصحفي ابراهيم عيسى في قضية مرض الرئيس الشهيرة لعام 2008م. ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وصل النقد الى أشده حيث اسرع في وتيرة الحراك الثوري بشكل فعال.

 كاتبة مغربية

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. كان من المفترض قبل كل هذة الدول اﻻطاحة بنظام اوسلو بمقاطعة رام اللة ﻻنة من اكثر النماذج قمعا للشعب وهم ﻻ زالو مشروع دولة لن تقوم وظيفتهم فقط حماية المتل ومستوطنية وقمع الشعب اذا حاول طلب اﻻستقﻻل تحت مسمي التنسيق اﻻمني فهذا هو النظام الوحيد علي مستوي العالم الذي جعل اقامة المحتل مريحة وبتكلفة ﻻ تذكر ، سؤال للكاتبة المحترمة كيف نست او تناست هذا النظام ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  2. هل أجابت الكاتبة على السؤال الذى طرحته في عنوان مقالها؟

  3. ومنه الغبي الذي لايقتنع ان هذا الربيع المصطنع ليس مستوردا من امريكا بل مؤامرة والا ماذا نسمي المتصدرين للساحة غير فئة الاخوان المسلمين لولا لطف اللة وانقذ مصر من كماشة امريكا لاصبحة ضحية كماليبيا اليوم وبقية دول الربيع المتهالك انها مؤمرة فعلا بلا جدال ابتدت من الحلقة الاضعف تونس انها مؤمرة كبرى جنب اللة بقية الدول الاخرى شرها وفعلت امريكا فعلتها وتركتهم يواجهون مصيرهم هم وقطر التي استخدمتها وورطتها وجعلتها تلقى مصيرها ان هذا الربيع العوبة كبرى شتت البشر لسنين عديدة حتى يستقر الوضع في اوطانهم ناهيك عن الديمقراطية المزعومة والعيش الرغيد الذي باعتة امريكا لهولاء

  4. لايمكن ان نقتنع بمرئيات وفاء حيال مملكة البحرين جميع المتابعين يدركون بأن الفوضى والضوضاء في البحرين كانت بتعليمات بل اوامر ايرانيه واضحه وصارخه ولاتحتاج الى تفسيرات او ايضاحات فالأدوات ايرانيه والمنفذين يتعاطون بولاؤهم للملالي واصحاب العمائم السوداء في طهران وقم كذلك فعلت ايران وحزب الله في مساندة ومساعدة الطاغيه بشار بالمال والمدد والآدوات والرجال حتى انهم فقدوا الكثير بصمت وصبر وكذلك نجد اصابع ايران تخربش وتفعل ماتشاء في العراق واليمن السبب الرئيسي وراء فشل الثورات في العراق وسوريا هي ايران تقاتل بجنودها لحماية الطغاه وتقديم العون لهم لايوجد دوله عربيه تتعاطى مع ايران سوى الدويلات التي ترتمي باحظان ايران لبنان والعراق والسودان تابعه وتتبع خطى ايران

  5. واجهت شعوب بلدان العالم العربي ، و ما زالت تواجه ، الإستبداد و ما يصاحبه من فساد ( الرشوة و المحسوبية و الزبونية ) و تدخل في أحكام القضاء و غياب لمشاريع التنمية الإقتصادية و الإجتماعية . و كان بديهيا حدوث رد فعل عنيف ضد هذا الوضع في يوم من الأيام تطبيقا للقاعدة العلمية : الضغط يولد الإنفجار .
    أما ما لم يكن معروفا فهو : متى سيحدث الإنفجار ؟ و ما هو الشكل الذي سيتخذه ؟ و ماهي النتاج المباشرة التي ستترتب عنه ؟
    إن ما حدث انتفاضات شعبية مشروعة وعفوية ، و ليست ثورات شعبية . إن التغيير الجذري تحققه الثورة . و من مقومات الثورة و جود تنظيم ثوري قوي يحمل برنامجا سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا واضحا ، و هذا ما كانت تفتقده احتجاجات الشارع العربي مما سمح لبعض الأطراف الداخلية و الخارجية من الركوب على الأحداث و تسخيرها لخدمة مصالحها .

  6. لم أعلق على هذا المقال و إذا كان أحد القراء الأعزاء أعجبه الاسم سوف أدعه له.

  7. وجب التدقيق ، سيدتي …
    النظام لم يصمد في سوريا . من صمد في سوريا هي قوات عصابة فيلق القدس .تحت إمرة اللواء قاسم سليماني .ثم مرتزقة جنوب لبنان . وأخيرا مجرمي أبي الفضل العباس .فلولا هاؤلاء ، لكان بشار قد رحل ، نحو محكمة الجزاء الدولية .
    ومن سهل صمود المرتزقة الموالين لبشار، هم أصدقاء الشعب السوري . تلك الأنظمة التي وضعت مصلحتها الخاصة، أمام مصلحة الثورة السورية.

  8. دلالات استخدامك لمصطلح ( سقوط ) ليست منصفة ابتداءا ، وإن كنت لا أختلف معك على النتائج النهائية فهي سقوط للبلدان نفسها قبل أن تسقط النظم الحاكمة ..
    وبرأيي فإن ( الإحساس بالظلم أشدّ مرارة من الظلم نفسه ) وقد تحققت هذه القاعدة في الدول التي ( سقطت أو في طور مقاومة السقوط ) أما بقية البلدان فيبدو أن هذا الإحساس لم يصل إلى ذروته بعد [ وهذا يدلّ على أن أنظمة الحكم الدائم مثل الملكيات والإمارات أكثر مراعاة لشعوبها من نظم الحكم التي تشعر بأنها ستغادر في يوم قريب ، مما يجعل هذه الأخيرة أكثر اهتماما بجني المنافع بسرعة حتى لو كان على حساب لقمة عيش البسطاء ].
    :
    وتحياتي لك أختنا وفاء فأنا أتابع مقالاتك وأعجب بالرصانة والاعتدال الظاهر فيها ، وهو ما يفيد في ” الفهم ” بخلاف الشعارات وقرقعة الكلمات التي تشبه مناشير الأحزاب الشمولية في الخمسينات والستينات . 🙂

  9. اسطوانة مشروخة ترددها الكاتبة ان الربيع العربي من صنع المخابرات الغربية و الا مريكية .. نرجع بك السيدة الكاتبة الى اوائل الربيع العربي و ارهاصاته وكانت الشعلة التي بدات من تونس على يد المرحوم البوعزيزي … حيت اقوى المخابرات الدولية لم تتنبئ بسقوط الطاغية بن علي رغم مملكته البوليسية و خلع مبارك رغم اجهزته الامنية التي لا تعد ولا تحصى و القدافي رغم ملشياته …. نعم يمكن ان نقول ان هناك دول ركبت على الربيع العربي واستغلت شبابه في اتجاهات خسيسة ولكن الربيع العربي كان ثورة ضد الحكرة التي عاشها الانسان العربي و ثار عليها من اجل الكرامة والحرية وضد الفساد … نعم الشباب الثوار لم تكن لهم قيادة و رؤية موحدة لذلك استغلت من ذو النيات السيئة … وفي الاتجاه الاخر استغلت الثورة المضادة تشتت الثوار وعدم وضوح اهدافهم وبذلك استغلت دول اخرى كسوريا وعسكرة الثورة ودول اخرى كدول الخليج دعموا الثورة المضادة في ليبيا والانقلاب في مصر

  10. سقوط تونس وما تلاها من سقوط مصر وليبيا واليمن …. من قال ان تونس سقطت … تونس لم و لن تسقط

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here