لماذا رفض الحِراك السوداني مُبادرة المجلس العسكري ورئيسه للعودة إلى الحِوار؟ وهل هذا الحِوار بات مُمكنًا بعد المجزرة الدمويّة لقوّات التدخّل السريع؟ ومن هي الجِهات التي حرّضت على العُنف؟ ولماذا لم تتم الاستفادة من النّموذج الجزائري؟

بعد ارتكاب قوّاته مجزرةً راح ضحيّتها أكثر من ستّين قتيلًا ومِئات الجرحى من شباب الحِراك المُعتصمين بطرقٍ سلميّةٍ أمام قصر قيادة جيشه، أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني الفريق ركن عبد الفتاح البرهان، انفتاحه على مُفاوضاتٍ “لا قيد فيها” حول مُستقبل البِلاد.

هذا العرض من الفريق البرهان يعكِس استهتارًا بالحِراك، وقيادته، واعترافًا غير مُباشر بفشل استخدام سياسة القبضة الحديديّة لترويع المُحتجّين، وإملاء شُروط المجلس العسكري الانتقالي عليهم.

قبل الحديث عن العودة إلى مائدة الحِوار يجب تقديم جميع الذين تورّطوا بهذه الأوامر، أو حتّى الصّمت على جريمتهم هذه داخل القوّات المُسلّحة إلى العدالة لنيل العِقاب الذي يستحقّونه.

نشعُر بالألم في هذه الصحيفة “رأي اليوم” ونحن نُتابع بعض التّفاصيل الصّادمة عن أعداد القتلى والجرحى من المدنيين العُزّل من جرّاء الرّصاص الحيّ الذي أطلقته قوّات التدخّل السّريع على المُحتجّين، حتى أنّ المُستشفيات السودانيّة، وعلى تواضع إمكانيّاتها، لم تستطع أن تستوعب هذه الأعداد التي فاقت كُل قُدراتها.

قادة الاحتجاج كان معهم كُل الحق في رفض هذه المُبادرة من المسؤول الأكبر عن هذه المجزرة، أيّ الفريق البرهان، فكيف يُمكن الثّقة في هذا المجلس العسكري بعدها، خاصّةً أنّها جرى ارتكابها في ظِل تواصل الحِوار، ممّا يعكِس النّوايا الحقيقيّة لهذا المجلس في الاستمرار في الحُكم، وتسيير شُؤون البِلاد بالطّريقة نفسها لنظام الرئيس عمر البشير.

منذ أن خلع الفريق البرهان بزّته العسكريّة، واحتل مقعد السودان في قمم مكّة الثّلاث بملابسه المدنيّة، كان واضحًا أنّ هُناك توجّهًا بالبقاء في السّلطة، وأنّ كُل الحوارات مع قادة الحوار كانت بهدف كسب الوقت لا أكثر ولا أقل.

نحن مع أمن السودان واستقراره والحِفاظ على وحدتيه الترابيّة والديمغرافيّة، ولكن هذا الحِرص لا يعني تكرار تجربة حكم ثورة الإنقاذ الكارثيّة التي قادت البِلاد إلى الفساد والانهيار الاقتصادي والحُكم القمعي، والتّضحية بالجنوب السوداني عبر بوّابة الانفصال من أجلِ هدفٍ واحدٍ وهو استمرار هذا النّظام الكاتم على أنفاس هذا الشعب السوداني الطيّب المِعطاء والمُبدع.

مطالب الحراك بتسليم الحُكم إلى مجلس سيادي مدني، وحكومة مدنيّة، وعودة العسكر إلى الثّكنات مطالب مشروعة، ويجب الاستمرار بالتمسّك بها، وإلا فإنّ البديل هو الفوضى الدمويّة، وهو بديلٌ مرفوضٌ لما يُمكن أن يترتّب عليه من نتائج أبرزها تفكيك السودان.

كُنّا نتمنّى أن يحتذي المجلس العسكري السوداني بالتجربة الجزائريّة، ويكون دوره أقرب إلى الحِياد والتّجاوب كُلِّيًّا مع مطالب الشعب في الدولة المدنيّة، واستئصال الفساد، واعتقال الفاسدين وتقديمهم إلى القضاء، ولكن يبدو أنّ هُناك جِهات في دول الجِوار العربيّ والخليجيّ حرّضت هذا المجلس على البَطش بالمُحتجّين وارتكاب هذه المجزرة.. واللُه أعلم.

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

21 تعليقات

  1. العسكريون الخائبون الذين لم يحققوا نصرا في معارك الشرف والذين يعيشون كسالى تنابلة في بعض البلاد العربية ، نالوا تشجيعا من انقلاب السيسي ، واستيقظوا من غفوتهم وتطلعوا إلى السلطة والحكم ، بعد أن استسهلوا متطلباته ، وهي دهس المعارضين السلميين بالدبابات ، ونيل الدعم والتأييد من أنظمة متخلفة تنتمي فكريا إلى زمن العصور الوسطى ، وهذا المشهد ينطبق على عسكريي الجزائر وليبيا والسودان ، غير أنه تبين أن النجاح الذي تحقق للانقلاب في مصر ليس بالضرورة أن يلقى نجاحا في هذه البلدان ، لذلك هم الآن في ورطة وقد سدت الشعوب الأفق أمامهم ، وليس لهم من سبيل سوى التسليم بإرادة الشعوب .

  2. السودان حاليا محتل من قبل الجنجويد بمساعدة الامارات و السعوديه و مصر، و بتواطئ و عمالة من قادة الجيش السوداني. الحراك الشعبي سوف يستمر بنفس البنود: حرية سلام و عدالة و مدنية خيار الشعب و الأولوية الان لتحرير السودان من قبضة هؤلاء المتآمرين، عدا ذلك فهو هراء. فاليعش السودان حرا أبينا

  3. الشاعر والمناضل اليمني محمد الزبيري قال عن عسكر النظام في اليمن بيتاً من الشعر يبدو أنه ينطبق على كل عساكر أنظمة الحكم العربية :
    والعسكري بليد للأذى فطن كأن إبليس للطغيان رباه

    فاحذروا عساكر الطغيان يا شعب السودان نصركم الله.

  4. الاخ عبد الباري واستادنا الجليل انت تعلم اكثر منا ان العسكر نيته غارقة فنحن لا نتق في هذه المئوسسة خصيصا ان كان على راسها اناس يتماطلون لمواكبة مطالب الشارع فلا يغرنكم بالله الغرور فهم جزئ من الدول العميقة ليس في ذلك من شك: لافي اليمن ولا في الجزائر فهم وجه لعملة واحدة .ونتمنا ان نكون نحن الخاطئون…….

  5. ما يحدث كنا نخشاه ولازلنا نحذر الاهل بالسودان من الانزلاق في عوة ألا عودة وتقسم السودان و كما يجري في بلدان عدة الان ومنهم ليبيا

  6. حسبي الله ونعم الوكيل كل هذه الدماء وليس في القلوب رحمه المجلس العسكري يريد استمكان وفرض سيطرة النظام السابق بوجوه جديدة أخري ويريد أن يثبت للعالم أن الجيش سيحكم بإرادة الشعب بعد التهليل له وسحق قوات الدعم السريع واخراجها من المظهر السياسي وفي نفس الوقت اخراج رموز النظام السابق بعدم محاكمتهم …لكن لا أظن أن قوة الثورة السودانية بعد الوعي المكتسب سوف ترضي بهذا المشهد الهذيل لابد من اسقاط اي حكم عسكري داخل السودان بسلمية وعصيان مدني بعد كل هذا اللهم احفظ اخوتي واخواتي وجميع السودانيه والله من وراء القصد

  7. من حق الحراك أن يرفض التفاوض مع العسكر ؟ لأن هذا التفاوض كسب للوقت من قبل العسكر، ويدخل في إطاره اجراء الانتخابات بعد ٩ أشهر ، طالما هو يقول ان لا أطماع لهم في السلطة ، فلماذا التأخير ؟ ولماذا التفاوض ؟ وعلى أي شيء يتفاوضون ؟ إن ذلك لمما يثير الشكوك ، ويعطي انطباعا بأن عبدالفتاح السوداني عينه على الكرسي ، وهذه التسعة أشهر التي يريدها كفيلة بترتيب اموره داخليا وخارجيا ، ثم يفاجئنا كما فاجأنا عبدالفتاح المصري بأنه سيترشح ، رغم انه في اول امره أعلن زهده كزهد المتصوفة في الكرسي. ثم استحلاه فثبت قوائمه في اركانه بالخرسانة المسلحة حتى الممات .

  8. الى الاخ محمد عايض النقيب
    بعد التحيه والتقدير
    انت قلت ما هو عندي
    مع احترامي لك

  9. هذا الحراك الشعبي يمثل كل الشعب السودانى، عدا جماعات الهوس الدينى التى تسلطت على البلاد و العباد لمدة 30 سنة . تلك الجماعات ترضع من صدر الامارات و السعوديه و التى اذاقت الشعب السودانى الأمرين. اللجنة الأمنية هى جماعة متواطئة و عميلة للإمارات و السعوديه و تستعمل الجنجويد لقتل و سحل المواطنين و إلاذلال، لقد ارتكب الجنجويد فى الخرطوم جرائم يند لها الجبين و كل مواطن حر. كل شئ فعلوه من قتل بالزخيرة الحية و الأسلحة البيضاء، اغتصاب و جلد، و منع اخذ الجرحى لتلقى العلاج. منع الأطباء من ممارسة عملهم. تصفية الجرحى. حرق الاحياء حتى الموت. التخلص من الجثث برميها فى نهر النيل. تدنيس حرمات المساكن و دور العبادة. تعاطى الخمور و حبوب الهلوسة. الاساءات البذيئة و أشياء كثيرة أخرى. هؤلاء يجب أن يقدموا للعدالة و أن يكونوا خلف القضبان، لا أن يقرروا مستقبل السودان.

  10. الحقيقه ان المليشيات والجيوش العسكريه النظاميه في الدول العربيه ما هي الا ادوات لفرض الاستبداد والتخلف والفقر والقهر والهزائم على شعوبها .. خذ مثلا .. الجيش المصري وهزائم ال 67 وال 73 .. خذ مثلا اخر .. الجيش السوري نفس الهزائم زائد هزيمتة في لبنان وهزيمته السريعه جدا في الربيع العربي على يد كتائب ثوار المجتمع المدني (من عمال وفلاحين ومدرسين ومهندسين واطباء …الخ) لولا تدخل المال السياسي والطيران الروسي والسلطان والملالي واﻻمراء والملوك .. خذ ايضا مثلا .. الجيش العراقي هزيمته وخسارته المشتركه مع جيش الملالي في الثمانينات ومن ثم هزيمته في الكويت وبعدها هزيمته بلمح البصر في بغداد .. خذ الجيش الليبي هزيمته في تشاد ومن ثم هزيمته ايضا السريعه جدا بالربيع العربي في بني غازي وطرابلس على يد كتائب ثوار من المجتمع المدني بدعم من طيران فرنسا .. خذ الجيش السوداني وهزائمه … جيوش ومليشيات مرتزقه لا تستطيع لوحدها بدون الطيران مواجهة حتى ثوار من المجتمع المدني .. جيوش ومليشيات لا دور لهم الا ارهاق اقتصاد البلدان العربيه وشراء الخرده واكل وشرب واوسمه ونياشين وشارات وجاهه وكل هذا لحماية ملوك و زعماء الاستبداد من غضب المجتمع المدني ..

  11. الى نور الدين عافي
    رفض الاتتخابات في الوقت الحالي من غير فترة انتقالية سببه ان آخر انتخابات في 2010 في ظل حكم البشير العسكري جرى تزويرها لمصلحة البشير. المجلس العسكري أثبت بارتكابه للمجزرة وتلكؤه في تسليم السلطة للمدنيين وعدم محاسبته للفاسدين ومن أجرمو في حق الشعب السوداني من قوى الأمن( بل على العكس كان يوجه لهم التحية في خطاباته) أنه امتداد لنظام البشير. عليه لاتوجد أي ضمانات لنزاهة الانتخابات حيث يتحكم المجلس حاليا في الدولة (يمكنه اصدار بطاقات هوية ويستخدمها كما يشاء في الانتخابات)هذا عدا تحكمه في أجهزة الاعلام (تلفزيون السودان كان يبث أغاني وقت ارتكاب المجزرة!!) اضافة لذلك هناك مناطق في السودان تعاني من الحروب ومن الصعب اقامة تصويت للانتخابات فيها حاليا وتحتاج لفترة من الوقت
    فوق كل ذلك ما زالت الدولة العميقة من النظام السابق موجودة وتتحكم في مفاصل الدولة وعلى رأسها الاقتصاد وتستطيع شراء من تريد من سياسيين يضمنون بقاءها. يجب تفكيك الدولة العميقة خلال فترة انتقالية لضمان نزاهة العملية السياسية

  12. واذا صح فعلا ان المجلس العسكري منع ايا من المصابين من الحصول على الرعاية الطبية فهذا نوع جديد من الفجور والطغيان يتجاوز ما فعله الفجرة والطغاة عبر التاريخ

  13. لن يكون هناك مستقبل لحكم العسكر و لن يقع استنساخ التجربة المصرية مهما كان الثمن مرتفعا …. المستقبل لارادة و حكم الشعوب مهما سفك المجرمون من دماء و لو كان عسكر السودان يملكون ذرة عقل لسلموا السلطة للمدنيين بعد خلع البشير

  14. العسكر السوداني من عبودالى نميري والبشير الى الى برهان وحميتولا يفهمون التاريخ ويريدون ايقلف ساعة الزمن والعودة للبطش وسيذهبون الى مزبلة التاريخ وتبقى ارادة الشعب السوداني ستتنتصر ولو كره زبانية البشير

  15. السعودية لن تترك السودان، فاما ان تبقى مسيطرة عليه كما كانت في عهد البشير واما ان تسيل دماء السودانيين انهارا عبر اثارة الفتن وربما حروب اهليه حتى لو اضطرت في الاخير الى التدخل المباشر واعلان “عاصفة حزم” اخرى على السودان، وسيصبح البرهان حينها النسخة الافريقية من عبد ربه منصور هادي

  16. بسم الله
    لا تتقو ياأهل السودان الشرفاء في هؤلاء الوحوش الآدمية
    لن يتركو الحكم ولو بالدمار
    حسبنا الله على الطغاة أينما كانو ا هذه أحوال الجيوش البليدة ودماغهم المدمرة
    رأيت البارحة ذالك الرجل المسن وهم ينهالون عليه بالضرب فسُدٌَت الأفق أمامي
    يجب عليكم ملئ الشارع يوميا ولا تتقوا أبدا الآبديين وإلا ذبحوكم وأهليكم
    الله ينتقم من الطغاة الجهلة

  17. إذا كان الحراك له قاعدة شعبية فلماذا يرفض إجراء يدعو لها العسكر من المفارقة؟
    أرجو أن تكون تحليلاتك كما تمنياتك في مصلحة السودان لأن الحراك يحاول إقصاء الآخرين ليس لأنهم من مساندي النظام السابق وإنما لثقلهم الانتخابي كذلك والله أعلم.

  18. العسكر ملة واحدة لا يفهمون في السياسة الا القوة واستعمال السلاح لكن ضد شعوبهمالمضلومة وليس ضد أعداء الوطن مكان العسكر الدفاع عن الوطن لا أقل ولا أكثر .

  19. المجلس العسكري السوداني في قمة الوضاعة والانحطاط، الشعب السوداني مل من نسخ مكررة للبشير وما حدث انقلاب على البشير ولكن ليس حبا في صالح الشعب وانما طمعا في السلطة ، انه سيسي ثان برعاية سعودية اماراتية والشعب السوداني يجب ثم يجب ثم يجب ان يكون له الكلمة الفصل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here