لماذا حراكنا الاردني مختلف ؟

جهاد المومني

لم يكن الحراك الاحتجاجي الاردني في يوم من الايام محنة الدولة منذ بدايته مطلع الربيع العربي ،ولذلك لم تعمل الدولة بغير ادواتها ( الناعمة ) المعروفة لإخماده في اي مرحلة حتى عندما خرج عن سياق المطالبة بالاصلاح الشامل ومحاربة الفساد وتغيير النهج وتكريس قيم العدالة والنزاهة في ادارة شؤون الدولة ،وجميعها مطالب يتفق عليها الاردنيون ولا يمكن لجهة ان تدعي الفضل في رفع شعاراتها او قيادة الشارع من اجل تحقيقها ،لا اليسار ولا اليمين ولا الوسط ولا شخصيات تصف نفسها بالمستقلة وتعتقد ان لها حضورها ومكانتها السياسية المؤثرة بين الناس .

الحراك كان مقبولا في شكله ومضمونه بالرغم من بعض المنغصات التي اعترت مسيرته السلمية التي تميزت بالحكمة والحرص والوطنية، فالبعض حاول ركوب موجة الاحتجاج لصناعة شهرته الشخصية على حساب الاردنيين ومن رصيد حراكهم الذي باركه جلالة الملك في بادرة لم تعرفها اي دولة عربية وربما العالم بأسره ،فليس عاديا ان يؤيد زعيم دولة حراكا يطالبه بالاصلاح والتغيير ويرفع شعارات بعضها تجاوز حدود ما تسمح به الدول الناشئة كما هي الاردن، فكيف اذا حدث ذلك في منطقة اسقطت فيها الحراكات الشعبية ثلاثة انظمة (تونس ومصر وليبيا ) واشعلت النار في ثوب نظام آخر ( سوريا ) ..!

لم يكن سهلا على اي نظام سياسي ان يجازف بالقدر الكبير من التسامح الذي تعامل به الاردن مع المحتجين ، طفرة كانت ام حسن تدبير ام مجرد تكتيك ،كل هذه الاوصاف غير مهمة ،المهم ان الاردن – دون غيره من بلدان الربيع العربي – دخل نفق الحراك وخرج منه بأحسن النتائج ،فقد تحققت الكثير من الاصلاحات ليس اهمها التعديلات الدستورية ولا انشاء الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية ،وانما ما طرأ من تغيير على شخصية الاردني وطريقة تفكيره ونظرته تجاه دولته ونظامه السياسي، فهو اليوم لم يعد اسيرا لاعتقادات قديمة وتقاليد مواطنة مترددة وخائفة بأن عليه ان يقبل بالامر الواقع ، لقد صقل الحراك وطريقة تعامل الدولة الاردنية معه شخصية اردنية جديدة متوازنة في حكمها على الدولة والنظام غير انتهازية في التصرف حتى عندما تسنح الفرص للاحتجاج ورفع الشعارات والهتاف،ولم يعد الهجوم على النظام والحكومات والقرارات والدولة ومؤسساتها فرصة يتحينها من شاء وفق اهوائه ،لقد اصبح للاحتجاج سقفا مقبولا لا تقرره الجهات الامنية وقوانين الحكومات وامزجة المسؤولين ،وانما يقررها الاردني نفسه منطلقا من ضرورة واهمية الاحتجاج ،لكنه ايضا يضيف إلى هذا المعطى الاساسي حرصة على بلده وعلى كل منجز تحقق ،ثم ثبت بما لا مجال للشك فيه ان الاردني احرص ما يكون على نظامه السياسي وعلى العرش الهاشمي في حكم الاردن ليس من قبيل الولاء الاعمى ،ولا لان الاردني يقارن نظامه بغيره من الانظمة فيجد نفسه محظوظا ،وانما لان الاردني يعيش فعلا لا قولا في اطارعلاقة فريدة بين حاكم ومواطن ويدرك بالبراهين والشواهد ان ليس في بلده ملك يستعرض مد يده كي يقبلها الناس ،ولا سلطان همه الجلوس على عرشه الوثير فيأتيه الشعراء والوعاظ يلقون بين يديه القصائد والمدائح ويبشرونه بالجنة .

في الاردن ملك بوظيفة مرهقة واسعة المهام والواجبات ،فهو السفير في الخارج والمراقب في الداخل ، موظف ميداني لا يكتفي بالتوجيهات واصدار الاوامر بالتاشير بيديه وبين اصابعه السيجار او السبحة ،جندي لا يكتفي ولا يقبل بتعليق الرتب والنياشين كي يتلمسها كبار الضباط ويتبركون منها ،بل يركض مع العسكر ويشاركهم التمرين الصباحي ووجبة الافطار المتواضعة في الخامسة والنصف فجرا،ويحلق بالطائرة مع المظليين ويشاركهم تمارينهم الخطرة ولا يتردد في الهبوط بالمظلة .

ما اردت قوله ان ملك الاردن ليس عالة على الشعب ولا صنما يعبده الناس مجبرين، في بلدنا ملك ميداني ولولا تقاليد الملكية والدستور وبروتوكولات الحكم لكان لقب رئيس الوزراء اقرب الى وصف الملك عبدالله ابن الحسين بالنظر الى ما يؤدي من مهام على الصعيدين الداخلي والخارجي في تناغم فريد يؤتي ثماره دائما ويعود بالنفع على الاردنيين وبلدهم ،ولعل هذا هو سر الخلطة الاردنية التي تجعل من الاردني معاتبا وغاضبا بل ومحتجا اذا شعر بالتقصير والظلم ،فالحكم تاريخيا مدرسته في التسامح ،والملك معلمه في رفض التقصير، وعندما يغضب الاردني ويبلغ الاحتجاج عندة ذروته تجده يستشهد باقوال او افعال الملك كي يبرر غضبه واحتجاجه .

حدث في حراك الربيع الاردني بعض التجاوزات ،لكن لم تعلق المشانق ولم تدوي صرخات المعذبين في اقبية السجون ،حدثت بعض الاعتقالات انتهت بالتحقيق واغلاق الملف على عتب متبادل بين الضابط المحقق والمطلوب، فخرج الأخير حرا ونادما ،وفي (حراك الاسعار) الذي نحن بصدده تحدث نفس المشاهد التي سبق ورأيناها في سنوات الربيع الاردني في شارع الملك طلال وساحة المسجد الحسيني وساحة النخيل ،ولكن فجاة وعلى غير المعتاد يظهر اختلاف في الحراك الحالي المناهض للقرارات الاقتصادية الجديدة ،فمن ناحية ينكمش الحراك ليصبح مناطقيا أكثر منه وطنيا شاملا على عكس ما كان عليه الحال في الحراك المطالب بالاصلاح او ما يعرف بحراك الربيع الاردني ،ومن ناحية ثانية ظهرت في هذا الحراك مستويات عالية من التطفل الفردي والتدخل في الحراك لتحقيق مكاسب شخصية، وتمثل هذا التطفل ليس فقط عن طريق محاولات البعض زج انفسهم في الصفوف الاولى والامساك بالميكروفونات لكيل الشتائم باسم المحتجين ،ولكن من خلال ادارة الزعامات التقليدية المعروفة الظهر للدولة والتنصل من قراراتها بل والطعن في سياساتها واتهامها بالفشل والجلوس خلف المكاتب بانتظار سقوطها، حتى ان بعض كبار المسؤولين المتقاعدين برروا للدول العربية الغنية عدم مساعدتها للاردن ..!

الاردنيون غير متفقين على ضرورة الحراك في هذا الوقت بالذات، وهم ايضا لا يتفقون على مبرراته واسبابه خاصة وان ازمة الاردن الاقتصادية تشكلت اساسا بعامل خارجي ومحاولات واضحة لاركاع الاردن واجباره على قرارات سياسية تتعلق بما تعرف بصفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية ،ولذلك لم يحظى هذا الحراك بشعبية عند الغالبية العظمى من الاردنيين ،من هنا اسباب العصبية التي اصابت وظهرت على خطابات بعض قيادات هذا الحراك بل وحتى على بعض من ركبوا موجته ،ومن هنا ايضا رفع سقف الهتاف والشعارات واقحام الملك في الامر وتحميله مسؤولية قرارات تخص الحكومة ،تطاول البعض ولم يترددوا في استغلال الحراك شعبويا لغايات شخصية تخصهم وفرصة للانتقام اما بسبب اقالة من منصب او بسبب تهميش او لغايات التلميع والتذكير او لاي سبب شخصي آخر ،ولعل الاغلبية من الحراكيين ادركوا ذلك فتغير الموقف من الزعماء الدخلاء وتعرض بعضهم للطرد من ساحات الاحتجاج وبعضهم الآخر جرى اسكاته عندما تعرض لجلالة الملك او تجاوز حدود ما هو متفق عليه ،ومع تزايد عدد الذين تجاوزوا السقوف المسموحة في الاحتجاجات لم تتحرك الدولة بهراوتها لاسكات الناس ومنعهم من الاعتصام والاحتجاج ولم تضرب بيد من حديد كما طالبها البعض ،بل اقدمت على اعتقال بعض الاشخاص مما اعتبروا شعبيا وبرلمانيا واعلاميا مسيئين تسببوا جراء تهورهم في اخماد جذوة الحراك وتراجعه قبل ان يحقق نتائجه ويجبر الحكومات على التراجع عن قراراتها الاقتصادية، وحدث ان اعدادا كبيرة من الحراكيين الذين تحمسوا للهتاف منددين بقرارات الحكومة عزفوا عن الخروج في الاحتجاجات بعد ان تغيرت الاهداف وصارت ساحات الاحتجاج منصة لاستغلال الظروف بالتطاول على جلالة الملك لاهداف لا علاقة لها بارتفاع الاسعار ومعاناة الناس الاقتصادية ،وتشهد ابرز مدن الحراك ومنها الكرك والسلط ومادبا تراجعا ملحوظا في اعداد المحتجين يوما بعد يوم ،كما شهدت حراكات محدودة هنا وهناك خلافات داخلية بين المحتجين انفسهم على جوهر اهداف الحراك وشعاراته بل وحتى قادته بعدما تعرض الحراك لخديعة البعض وانتهازيتهم ،فهذا الحراك الذي انطلق احتجاجا على تعاظم معاناة الاردنيين لا يمكن ان يكون منصة شخصية لاحد وهو يعكس ذات القيم التي برزت في حراك الربيع الاردني ،فعندما خشي الحراكيون الجدد تدخلات وتطفل الفوضويين غيروا وجهتهم تحت نفس العنوان العريض وهو ان استقرار الاردن يأتي اولا ويتقدم على اية اولويات أخرى حتى لو كانت معاناة الناس وضائقتهم المالية ،ويتقدم على مطالب الاصلاح مهما كانت .

 

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ولهذا يا سيد جهاد لا نزال نراوح مكاننا . بارك الله فيك . اين كنت طوال هذا الوقت فحرمتنا من اطلالاتك؟ .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here