لماذا تبخرت “المجالس الفلسطينية الأولى” و”الجمعيات الإسلامية المسيحية” في عام 1928  عشرة أعوام فقط بعد نشأتها؟

د. نهى خلف

تحدثنا كثيرا خلال عام 2018 عن ‘النكبة’ وتوابعها  الخطيرة بعد سبعين عاما من الاحتلال  الصهيوني العسكري الرسمي لفلسطين و تهجير  و تشريد اهلها، كما كتب الكثير في عام 2017 حول مرور مئة عام  على‘وعد بلفور’ المشؤوم و توابعه. و نتحدث كثيرا عما يحدث في فلسطين اليوم من انقسام فلسطيني و فوضى سياسية و التي تستمر منذ أكثر من حوالي عقدين من الزمن و نتحدث ونبكي  عن الصراعات المستعصية في العالم العربي و الضياع والفوضى المتنقلة   من العراق إلى سوريا إلى ليبيا و اليمن….

و لكن قليلا ما نعود لدراسة  الحقب الزمنية السابقة للتاريخ  السياسي  الفلسطيني الممتد منذ مئة عام، أي الحقبة التاريخية الممتدة منذ عام 1918، وهو العام الذي شهد نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية على شكلها الحديث  و عام 2018   أي العام الحالي، و الذي لا تزال الحركة الوطنية الفلسطينية تشهد فيه    كثير من الصعوبات,

وبما  اننا نحن الآن في نهاية عام 2018 والذي يمثل  نهاية لحقبة تاريخية يمكن اعتبارها حقبة ‘مئة عام من ألحراك السياسي الفلسطيني ’ ، حقبة  حافلة بالنكبات و النكسات الفلسطينية و العربية،  والتيلا تكاد تنتهي حتى  لتبدأ الدخول قي حقبة أخرى  من التحدي في مواجهة مشروعا امريكيا صهيونيا  جديدا،  قد  تم تعريفه ‘بصفقة القرن’  أي القرن الواحد و العشرين، و هومشروع ليس مبنيا  فقط على التحالف القوي و العضوي و القديم بين الولايات المتحدة و الحركة الصهيونية ، بل تحالفا أصبح يضم طرفا ثالثا و هو طرف عربي  كان سابقا  خارج حلبة الصراع  العربي الصهيوني، رافضا التعامل مع الكيان الصهيوني على الأقل في العلن (و في هذا الصدد يمكن مراجعة تاريخ الجمعيات العامة في الامم المتحدة، عندما كانت كل الوفود العربية الممثلة لدولها تنسحب من الجلسات المخصصة للدولة الصهيونية في الأمم المتحدة، ومقارنة المشهد بما يحدث  اليوم  من ‘هرولة’ بدأ باتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، و تسارعا بعد اتفاقيات أوسلوعام 1993 وصولا إلى ذروته مع ما نسميه اليوم ‘صفقة القرن’)

كما جائت هذه الصفقة بعد مئة عام  بالضبط من صفقة القرن العشرين الماضي المتمثلة في‘ وعد بلفور’ والذي كان يمثل صفقة ‘ثنا ئية’ الاطراف أي بين الطرف البريطاني الاستعماري من جهة  والطرف  الصهيوني الاستيطاني من جهة أخري، بينما ان الصفقة الحالية ثلاثية الاطراف حيث توسعت لتشمل  بالإضافة إلى  الطرفان المتحدان  أصلا  مع الطرف العربي الخليجي الثالث، والذي من حسن حظ الحليفان السابقان هو الطرف الأغنى في العالم العربي و القادر على تمويل المغامرات الإجرامية الثلاثية  و الذي دخل في اللعبة بعد تلويح منظم و طويل الأمد  ‘بالخطر الايراني’ من قبل الولايات المتحدة وكيانها الصهيوني.

ومن الهام الاعتراف بأن صفقة القرن الحالية لم تأتي من الفراغ بل أتت تتويجا لسلسلة من الصفقات، ومنها صفقة كامب ديفيد وصفقة أوسلو وغيرها..( و بشكل بديهي فان  مصطلح ‘صفقة ’ هو نوع من العقد والاتفاق بين طرفين على الاقل من اجل الربح: اقتصاديا بين بائع و مشتري و سياسيا بين راشي و مرتشى …)

و من اجل مقتضيات التحليل العلمي و النقدي للتاريخ الفلسطيني نرى من الضرورة تقسيم المئة عام الماضية إلى حقب تاريخية، وذلك من أجل المقارنة بين انجازات ومثالب كل حقبة مع الأخرى. ونرى أن المرحلة الأولى وهي مرحلة ما قبل النكبة هي مرحلة تأسيسية للنظام السياسي الفلسطيني ووالتي امتدت عبر ثلاثين عاما من عام  1918 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الحكم العثماني حتى عام 1948 ، الذي شهد تأسيس الدولة الصهيونية الاستيطانية، وما هو اخطر من ذلك، حصولها على اعتراف دولي بعد انتهاء مرحلة الانتداب البريطاني ، تعتبرحقبة تاريخية في غاية الأهمية و التعقيد.

 أما الحقبة الثانية فقد امتدت  بين عام  1948 و عام1964 عند ما انطلقت الثورة الفلسطينية الحديثة.وهي مرحلة ضياع و شتات وتهجير و لجوء و قد دامت ستة عشر عاما فقط، حتى بدأت الحقبة  الثالثة في عام 1964 وانتهت في عام 1993 عند إبرام اتفاقيات أوسلو و تأسيس السلطة الفلسطينية، و قد امتدت هذه الحقبة أيضا لفترة ثلاثون عاما وهي أيضا مرحلة شديدة التعقيد و الصعوبة، و لكن من أهم انجازاتها صياغة هوية فلسطينية مقاومة ، أما الحقبة الرابعة فهي التي بدأت في عام  1993و التي تستمرحتى يومنا هذا  و هي فترة ممتدة منذ خمسة و عشرون عاما، أي ربع قرن.

و سنركز في هذا البحث على أول عشرة أعوام من الحقبة الأولى (1918 إلى 1948) بإيجاز لأننا نرى من الضرورة إعادة فتح بعض الملفات التاريخية الغامضة و المطموسة في التاريخ الفلسطيني، و محاكمتها  محاكمة تاريخية نزيهة إلى حد ما، و خاصة فيما يخص الاساليب التي استخدمت حتى عام 1948 في مواجهة الحركة  الصهيونية و الانتداب البريطاني  و و مز اجل تحديد اسباب الفشل في انقاذ الكينونة الفلسطينية ، لأن ما حدث في عام 1948 يجب اعتباره فشلا سياسيا و اجتماعيا وهزيمة  عسكرية على الصعيدين العربي و الفلسطيني، و ذلك رغم معرفتنا بالأساليب الشيطانية التي استخدمها البريطانيين و الصهاينة لتهجير الفلسطينيين و ممارسة التطهير العرقي ضدهم، و توقيع الحركة الوطنية الفلسطينية اينذاك التي في الفخوخ المنصوبة لهم مع البحث ان كانت هناك عوامل داخلية ساهمت في الوقوع في الفخ ، و ذلك ليس من اجل  الإدانة  التي ستكون غير مفيدة بعد سبعين عاما و لكن من اجل استخلاص العبر و البحث في ما و رثته الحركة الوطنية الفلسطينية  الحالية من رواسب سلبية أو من اسأاليب مفيدة من أجل مستقبل أفضل و تحقيق الانتصار و خاصة  العدالة، بالنسبة  للفئات المظلومة من الشعب الفلسطيني القابعة في مخيمات اللجوء والتي واجهت  مآسي و كوارث لا تحصى منذ سبعين عام.

و بسبب ضيق المساحة المقبولة لمقال من هذا النوع يكفي القول ان المرحلة التي بدأت بتوحيد الصفوف الفلسطينية في عام 1918 انتهت بخلافات و تشرذم للحركة الوطنية الفلسطينية و صراعات دامية في عام 1948 ، أسوأ من التي نواجهها اليوم، و خاصة بسبب الصراعات  بين العائلات الفلسطينية البرجوازية و الاقطاعية  المقدسية الكبرى  التي كانت تتنافس على  السلطة و التي استخدمت أساليب الاغتيال السياسي و الجسدي فيما بينها ، و  الخلافات اللاحقة أيضا بين العائلات الكبرى في نابلس و جهات أخرى من فلسطين، بينما كانت الأيادي البريطانية و الصهيونية الخفية تثير الفتن ما بينهم، كما تثير الفتن الطائفية و الطبقية و الحهوية بين الشعب الفلسطيني و خاصة بين أهل الريف و أهل المدن.

ز كما تم التوضيح في مقال سابق فإن المجلس الفلسطيني الأول الذي شكل من قبل ‘الجمعيات الإسلامية و المسيحية’ في عام 1918 انعقد لسبع دورات فقط و اختفى من الوجود في عام 1928 تاركا المجال السياسي لطرف واحد يتحكم في مصيره فيما بعد

وحسب بعض التقديرات فإن كان عدد الذين كان يمكن اعتبارهم من عناصر القيادة الأولى من وجهاء و مثقفين ومن بين أصحاب المهن و الأعمال حوالي خمسة و سبعون شخصية في العقد الأاول من نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية،فقد انخفض عدد  هؤلاء إلى خمسة و ثلاثون ثم إلى خمسة عشر ليصبح عدد هم حوالي أربعة فقط في عام 1948 ، حيث أدت الخلافات الداخلية بالإضافة طبعا للألاعيب البريطانية و الصهيونية، إلى تفريغ فلسطين من  طلائعها.

فمنذ عام 1921 ،  بدأ المكتب العربي للمنظمة الصهيونية بخلق تنظيما جديدا يجمع كل معارضي ‘الجمعيات الاسلامية و المسيحية’ و المجالس الفلسطينية المنبثقة من هذه اللجان، و لجنتها التنفيذية و وفودها التي كانت ترسل إلى لندن للدفاع عن المطالب  الفلسطينية.  فعندما ذهبت أول لجنة فلسطينية إلى لندن في شهر تموز عام   1921 بدأت المنظمة الصهيونية بالتلاعب مع بعض أعوانها في ترديد إشاعات  تشيؤ إلى أن هذه اللجان لا تمثل كل  أهالئ فلسطين،  و ارتأت ان عملية تشكيل جمعية أخرى تساهم في التشهيرقد تؤثر في الموقف البريطاني و لذلك شكات جمعية اخرى تحت مسمى ‘الجمعية الوطنية الإاسلامية’ لكي تعلم بريطانيا بأن هناك جمعية أخرى في فلسطين،  و قد قام المكتب العربي للمنظمة الصهيونية بتوزيع الأموال و الرشاوي لأعضاء هذه الجمعية كما قام المكتب بتمويل الصحف التى كانت تعارض اللجنة التنفيذية المنبثقة عن  المجلس الفلسطيني و قد استمر هذا التمويل لعدة سنوات،  وقد استغلت  الحركة الصهيونية شعور بعض المسلمين ضد الفئة المسيحية حيث اعتبروا ان عدد المسيحيين الذين يحتلون وظائف في حكومة الانتداب يفوق نسبة عددهم الإجمالي،هذا بينما كانت اللجنة التنفيذية التابعة للجان الإسلامية المسيحية تبذل أقصى جهدها من اجل تمتين وجدة الصف بين المسلمين و المسيحيين أمام البريطانيين، و قد جمع الصهاينة أعضاء  جمعيتهم المخترعة  من شمال فلسطين أي من المناطق التي  لم تكنن مرتبطة بأهل القدس والذين اتهمت قيادتهم بممارسة الهيمنة على كل فلسطين، و قد عبرت الجمعية الوطنية الاسلامية  عن دعمها  في عدة مناسبات للهجرة اليهودية مشيرة ان المدن التي لا يتواجد فيها يهود أكثر تخلفا من المدن التي يتواجد فيها يهود، ولكن لم تدوم هذه الجمعية كثيرا: أولا بسبب الأزمة المالية التي مرت بها المنظمة الصهيونية و التي لم تتمكن من صرف ما يكفيمن النقود لاستمرار الجمعية ،و ثانيا بسبب الحملة إلى قامت بها اللجنة التنفيذية  ضد هذه الجمعية و مطالبة البريطانيين بوضع حد لها و الأمر بإغلاقها.

و أمام فشل هذه الجمعية، قام المكتب العربي للمنظمة الصهيونية مرة أخرى، في عام 1924 بتشكيل تجمعسياسي  آخر تحت تسمية ‘حزب المزارعين’، يجمع بين المعارضين من أهالي الناصرة و جنين و نابلس و الخليل مستغلا هذه المرة نقمة بعض المزارعين و الفلاحين ضد اهل المدن، و قد قام مكتب المنظمة الصهيونية بتغطية كل مصاريف هذا الحزب.

و هكذا بدأت الحركة الصهيونية منذ بداية تأسيس حركة سياسية فلسطينية منظمة بوضع العراقيل أمام هذه المبادرة بشتى الاساليب و من أهمها شق الصفوف الداخلية من النسيج الاجتماعي الطبيغي و الأصيل للشعب الفلسطيني.

و هكذا انتهت بعد عشرة أعوام المحاولة الأولى من عقد مجالس فلسطينية مستقلة و المنبثقة عن ‘الجمعيات الإسلامية  المسيحية’ و التي احتفت من الوجود و تبخرت فيما بعد، فاتحة المجال لحقبة أخرى من العمل السياسي الفلسطيني تتطلب تحليلا معمقا عبر وضع تساؤلات و فرضيات مصيرية  لمستقبل الشعب الفلسطيني .

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. السياسيين همهم الواحد صراع على السلطة و المال وهم حلفاء الصهاينة كما في بلدننا العربية الأخرى وعلى الشعوب أن تصحوا مبكرا والبدء بالتغيير والنشاط الجدي والفاعل.

  2. كل الشكر والتقدير للسيدة د. نهى تدرس على هذا الحس الوطني الراقي في القاء الضوء على حقبه تاريخية هامة من تاريخ العمل الوطني الفلسطيني وكيفية احباط اي عمل من شأنه ان يكون فعالا في تحقيق الهدف القومي الفلسطيني.
    انني اقترح ان تدون هذه المقالات و المذكرات اما فى ندوات او كتيبات تكون متوفرة على الانترنت لان هذا الجانب من تاريخ العمل الوطني الفلسطيني يجهله الكثير من الفلسطينين قبل العرب وشكرا

  3. الى د. نهى خلف
    بعد التحيه والتقدير
    انني قرات و رأيت صور عن ما تقولين
    ارجو كتابت و عمل مستقبل جديد

  4. تشكري دكتورة نهى على ما تقدمينه من تفاصيل هامة لتاريخ فلسطين الحديث والي يساعد على التقييم للمرحلة الحالية والمستقبلية, لكنني أرجو أن توثقين ما تكتبين اي تظهرين المصادر والمراجع التي اعتمدتي عليها
    والف شكر وتحية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here