لماذا انتشر الفساد المالي والاخلاقي: الأردن: تعددت الأسباب… والأمن واحد

دكتورة ميساء المصري

يتصارع في المشهد الأردني أحداث مشبوهة , لوقوعها في ساعات متقاربة و بطرق متشابهة , وبفيديوهات مقصودة للتداول الشعبي . لتصبح كل من قوى الأمن والشعب هدفا لكل الإتهامات والهجمات التي لا تفرق بين مذنب وبريء، وهو بطبيعة الحال شأن أمني حقوقي ليس بعيدا عن تصارع مشهد سياسي من نوع أخر في الأردن، يسير بتعثر نحو بناء هيكلية سياسية معينة , تتجسم على الأرض بخطوات جزئية , وتحاول إفراغ الوطن من مضامينه الحقيقية.

 تواتر الأحداث وضع وزارة الداخلية الأردنية أمام وضع أمني معين كنا نعلمه وكان عليها أن تواجه هذا الأمر . فكان المؤتمرالصحفي حرصا على إيجاد السبل لإيقاف التسريبات الأمنية التي جاءت من عمق الأجهزة الأمنية , حيث رفض التسرب أكثر من التطرق على مستوى الشفافية ، أوعلى مستوى إحترام القانون ، أو على مستوى المساءلة وإغلاق المسببات ، وكذلك على مستوى المشاركة في وضع تصور أمني جديد, دون أن نفهم المغزى الأصيل لما يحدث وسيحدث في قادم الأيام , فهل هذه التسريبات مصدرها أشخاص لهم أغراض معينة ، هدفهم بث البلبلة والشك في البلد , أم أجندات مدسوسة أم بالونات إختبار أو تكتيكات ممنهجة لأسباب ونتائج مدروسة . ؟؟

    لا تخفى على عاقل عوامل قوة الدولة الأردنية الظاهرة التي تفتقر إليها كثير من دول المنطقة حيث كنا نستند على شعار (الأمن والأمان )، ولم يكن يوما النظام السياسي خصما لشعبه ، لكن في ظل ظروف بالغة التعقيد حاليا ، تخلخلت ضوابط الأمن التي تقام على حقائق الأمر الواقع ، وأصبحت الجبهة الداخلية تشهد إحداث الفوضى ، وأصبح الأردن يعاني بشكل عميق من أزمات في نسيجه الإجتماعي ، ونحن لا نصنع صورة قاتمة للوضع , لكننا نشخص الواقع بكل شفافية.

     إن الأمن لا يتحقق إلا من خلال تحقيق الإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي. والحفاظ على الأمن ليس بالسهولة , وهو يرتكز أساسيا على قدرة الدولة بفرضه وإحترام المواطن للقانون سواء طوعا أم بالقوة , وكل ما كانت الدولة مستقرة سياسيا واجتماعيا وإقتصاديا كل ما سهل تحقيق الأمن والعكس صحيح.

     في الأيام الفائتة عشنا ما يشبه الصدمة الأمنية من بشاعة الأحداث , ولنسمها موجة أزمة أمنية نتيجة للتغييرات التدريجية في الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية والتي نتمنى ان لا تزداد إنفلاتا . ومهما كانت الأسباب لهذه الأزمة الأمنية كما يفسرها الشعب من أجل تجريد الشعب من السلاح حيث تريد الدولة ان ترتفع الأصوات بضرورة مصادرة الأسلحة ، وذلك بدءا من النوادي الليلية.

    وفي الواقع الفعلي لا يتحقق الأمن فعليا إلا في وجود حكومة يثق بها المواطن وتكون هذه الحكومة هي المحتكرة الوحيدة للقوة على الأرض . وعكس ذلك يسود نظام من الفوضى المخفية أو المعلنة ثم الانفلات الأمني وهو حالة من التسيب ينتج عنها إنتشار الجرائم، وهي غالبا تصاحب حدوث الإضطرابات في الدولة.

      المتابع للمجتمع الاردني يشهد ظواهر قديمة تتجدد بصورة مخيفة مفرزة نوعا من الرخاوة الأمنية ، فأصبحنا نشاهد ونستمع إلى قضايا هي ليست بالغريبة عنا وإنما نتائجها مفزعة وقائعها صادمة ومصطلحاتها غريبة حتى ان البعض يعتقد أنها من نسج الخيال لكن في الواقع هي حقيقة ثابتة جاءت نتيجة أحداث ميدانية وملفات قضائية… معدل الجريمة والعنف حوالي 23 ألف جريمة سنويا وهي جرائم محتملة لكنها ببشاعة غير محتملة , حين يقتل الأبن أمه ويقتلع عينيها ورأسها او يقتل الحفيد جدته الثمانينية ويتم خطف طفلة وقتلها من قبل حدث دون أي سبب .

و بعيدا عن الأبواب الخلفية لعمان ولياليها . هنالك أبواب أخرى مغلقة توازي خطورة الأبواب الخلفية ببشاعتها , يجب ان تعي الحكومة والشعب مدى تمددها في النسيج المجتمعي مما يؤدي الى ما نشاهده من نتائج .الزواج العرفي ,المخدرات ,الشقق المفروشة ,العنف الجسدي والعنف اللفظي وغيرها,  وهي مسببات دخيلة عرفها المجتمع الأردني في الثلاث سنوات الأخيرة بصورة متزايدة شكلت منعرجا خطيرا على مستوى الأخلاق والقيم.

    لم يسبق في تاريخ الأردن هذا الإغراقٍ بالمخدرات والنسب بإرتفاع مستمر وزادت النسبة في عام 2019 الى أكثر من 50% من المتعاطين. الجوكر موضة الشباب وهروب من الواقع, و لا يمر أسبوع واحد دون ان تقبض السلطات المعنية على كميات من المواد المخدرة المهربة. وبعد ان كان الأردن ممرا للمخدرات أصبح مقرا لها ولشبابها , حتى أصبحت المخدرات تباع وتشترى بكل سهولة في الجامعات والمدارس وعلى إشارات المرور.

وفي الواجهة الأخرى نجد 23 ملهى ليليا في الضواحي السكنية و أوكار دعارة أبطالها جنسيات مختلفة , وشقق مفروشة معدة للدعارة في احياء عدة  تحت غطاء ستديوهات مفروشة لطلبة الجامعات ويتم إيجارها باليوم أو بالساعة ولا يخفى على الجميع محال تبيع الخمر والمنشطات الجنسية ، وغيرها من المتاهات المجتمعية .

    نسبة الزواج العرفي في الأردن خلال 3 أعوام وصلت الى “2138 ” زواجا ،

كما أشارت الإحصائيات من خلال موقع Alexa  العالمي الى أن متصفحي الإنترنت في الأردن يدخلون المواقع الإباحية بنسبة 80% وفي المرتبة ال 23 تاركين خلفهم مئات المواقع الثقافية و التعليمية و غيرها ….حيث يفوق عدد مستخدمي الانترنت في الأردن ال 9.1 مليون اشتراك شهريا ما بين هواتف وإشتراكات أرضية.

كما لا يمكنك ان تمر من شوارع وزقاق البلاد . دون ان يتحفك أحدهم ببعض الكلمات النابية والمنافية للأخلاق هي ليست موجهة لك وإنما حظك هو الذي جنى عليك وانت تمر من جانب أحد الأشخاص إما يتحدث في الهاتف أو لصديق لتكون شاهدا على مايسمى العنف اللفظي المجتمعي الذي نمى وبصفة ملفتة في المدارس والمعاهد والجامعات وتفيد بعض الدراسات ان 71 %  من الشباب يتعرضون لأحد أشكال العنف اللفظي و57 % يتعرضون لأحد أشكال العنف الجسدي ، وذلك ناتج عن تنشئة إجتماعية خاطئة تعتمد الصراخ والصوت العالي وعدم الحوار الإيجابي والقهر الإجتماعي والإقتصادي. سواء كان في البيت او المدرسة .

    و في تعبير فاقع عن الإحباط في الأردن ،فقد وصلت حالات الإنتحارالتام الى 142 حالة خلال عام أي بمعدل حالة إنتحار كل 3 أيام .

    عالم الإجتماع ( دوركايم ) أطلق على هذه الظواهر إسم التفسخ الأخلاقي أي عندما يفشل المجتمع في السيطرة على سلوك وعلاقات أفراده، وعندما تتفسخ الأخلاق والآداب والقيم وتضعف العادات والتقاليد وتعم الفوضى والفساد في ربوع المجتمع عندما يضطر المواطن للدفاع عن أعراف وأخلاق وطنه بيده , حيث يفقد الفرد آماله وطموحاته.  هو نتيجة للتفسخ السياسي الذي يعمه الفساد والمحسوبية وعدم العدالة وعدم الإنصاف بإستخدام علاقات مرفوضة ومستغربة مع بعض اركان الدولة وإنتشارالرشوة والفساد على كل المستويات حيث تفقد الدولة مكوناتها وتصبح على قائمة الخطر أمنيا وداخليا وخارجيا  .

كاتبة من الاردن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

13 تعليقات

  1. جل اسبابه د.ميساء “مرض صراع المعايير “الذي اصاب روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه من قيم وثقافة وأعراف وثابتها العقيده ” التي هي الناظم مابين المكون المجتمعي بكافة مكنوناته من سياسة واقتصاد وإجتماع ومخرجاتها والأهم عصبها الرئيس العقيده (ولكل مجتمع خصوصيته وهي مصدر القانون الناظم له ) نتيجة الوافد دون استئذان وفلترة وتمحيص بدء من غزو الكلمه انتهاء بالإحتلال والأنكى المملى من قوانين ومنظمات ومخرجات مصطلحاتها المزركشه (باطنها السم والدسم)تحت ستار العولمه والحداثه والتنوير (الجمل بما حمل ) الغير متوائمه مع روافعها (اشبه بالقيادة بعكس السير) ؟؟؟؟؟ “والحل يحتاج الى لفظ الغث من القوانين والمنظمات المتغوله والأخذ بالجيد وصياغة قوانين حمائيه تدعّم قديم القوانين التي الكثير من مصادرها من مخلفات الإستعمار (القانون البريطاني والفرنسي )؟؟؟ ” وزرعوا وضرسنا ونزرع حتى لاتتكسر ضروس الأجيال القادمه ؟؟؟؟؟؟
    و من باب التوضيح د.ميساء مصطلح (التفسخ الأخلاقي )العالم الإجتماع ألخاخام الفيلسوف أميل دور كايم أحد مؤسسي علم الإجتماع الحديث واستقلالية منهجيته (النظرية والتجريب ) ومن سبقه بفصل الدين عن السياسة والإقتصاد عن الإجتماع ه واصحاب مدرسة المعرفه عن طريق الحواس والخبرة متجاوزين الإدراك حيث فطر الله المخلوق عليه ويليه التمييز فهي السبب الرئيس والأنكى خرجوا علينا بزيفهم وتضليلهم ان أسباب التخلف في منهاجنا (التلقين ) ونحن أمة اقرأ ” ؟؟؟؟ وقراءة الأسباب على قاعدة ” ال انا والغير ومايدورحولي “درء لجلد الذات في ظل نقص المناعه وحرف بوصلة التشخيص للمرض مما يصعب علاجه ؟؟؟؟؟؟”ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمه انك انت الوهاب “

  2. صار البلد مفتوح لمن هب و دب من شتى الملل و النحل ،، و اهل البلد صاروا في ذيل القائمة الديمغرافية يعانون الجوع و البطالة و التقاعد بعد أن تكالبت عليهم من شتى الأصول و المنابت ليت الاردن للأردنيين وحدهم كما هو الحال في دول العالم ،، المشكلة أن هؤلاء الدخلاء و الغرباء لا يعتبرون الاردن د طنا و إنما يعتبرونه مكان إقامة يعني ما عندهم ولاء ولا انتماء و اهل البلد صابر ن على الفساد و الاستبداد خوفا من أن يتحول البلد الى الفوضى الخلاقة

  3. ما يدور وما يحدث في الاردن هو نتاءج سياسات النيولبراليه الاقتصاديه التي ادت الى الفقر والبطاله ووالمديونيه الفلكيه والفساد والفوارق الطبقيه لاستحواذ قله قليله على مقدرات الاردن وكل ما يحصل سيوءدي الى تصفية الوطن مثل ما يصفى متجر او دكانه مفلسه يباع بالسعر المحروق لسداد دينه وهذا خطط له من عشرات السنين

  4. ما يحصل في الاردن هو تدمير ممنهج و يتم على أسس علمية و مدروسة بعناية و يتم تنفيذها بخطة محكمة

    بحكم عملي في المؤسسات الدولية منذ ثلاثين عاماً قمت بتخذير اصحاب القرار في الاردن سنة ٢٠٠٤ من سياسة الخصخصة و إقامة المؤسسات المستقلة و الإسراف في الإنفاق الحكومي . للاسف كان الرد صبيانياً للغاية بأن الاردن دوله محورية و لن يتوقف الغرب عن دعمها….

    قرار تدمير بنية الدولة الاردنية جاء من واشنطن و ينفذه النظام الحاكم بحذافيره . و لا استبعد ان إقصاء الامير الحسن عن ولاية العهد كان لهذا السبب

    و ختاماً اتوجه بجزيل الشكر للدكتورة الفاضلة ميساء المصري على موضوعية الوصف و دقة التخليل

    حمى الله الاردن و شعبه العظيم الأصيل

  5. مع احترامي للكاتبة المبدعة ..اقول بان حل مشاكلنا السياسية والاجتماعية والاقتصاديه والاخلاقيه..والقيمية ..والسلوكية …كلها..لايتم الابالرجوع الى مبادئ الدين الحنيف..الا وهو الاسلام..وعندها لن تجد اخي القارئ..اي نوع من تلك المشاكل التي نعيش..لذلك علينا في بداية الامر ..أن نبدا بانفسنا اولا..

  6. بتقديري ان اخظر ما ذكر هو موضوع المخدرات , حيث كنا نعتقد ان الأردنيين محصنون ضد المخدرات , وعبارة ان الأردن ممر وليس مقر لهذه المخدرات … فاصبحت منتشره – كما نسمع – وبشكل كبير , أذن هناك منظومه من المنتج والمورد والموزع والحمايه من فاسدين في جهات رسميه . المخدرات هي من تدمر الأجيال وتزيد الجريمه وتؤثر على النتاج وتفكك الأسره…الخ وليس شيئا آخر .أذن وجب على الجهات الرسميه ان تقف بحزم لجعل العجله تدور الى الخلف ولملمة ها الامر الخظير , الأدهى أن أنتشار المخدرات لا يحدث بين ليلة وضحاها ومر خلال سنوات – مثل قضية مظيع الي كان يعمل منذ 14 عاما .

  7. الوضع الامني والاجتماعي والسياسي يزداد سوأ يوم بعد اخر . تشخيص ذكي

  8. الكاتبه العزيزه….
    الأردن بما تفضلت من حقائق إنما كان نتيجة سياسات واقعيه وضعها ذوو شأن ضليع في كيفية تفكيك المجتمع بخطط ممنهجه تعتمد مسارات متنوعه….
    مسار سياسي تم فيه تجاهل الرموز الوطنيه وإظهار أسماء لم يكن لها دور وتم تسليمها زمام الأمور فتراجعت القوه التأثيريه للنظام داخليا وتكاد تكون فقدت أوراقها خارجيا.

    مسار اقتصادي تم فيه تطبيق برامج صندوق النقد حرفيا وبصوره بشعه بحق شعب كان ينظر للدوله بأنها الاب الراعي فزاد الفقر ودخلنا دائرة الجوع وتنامت البطاله… فقدت الدوله دورها الأبوي وأنها أصبحت جورعه وأصبح الشعب ينظر بأن النهب منها هو حلال الحلال فكثر الفساد حتى اصغر موظف.

    مسار اجتماعي تم فيه مع المسارين السابقين تحييد ذوو الخبره المجتمعيه من العشائر وإظهار زعامات لا وزن لها ففقدت العائله والعشيرة والمنطقة مفهوم الاحترام فكان التمرد من الصغير على الكبير… فقلت هيبة الدوله في نظر المجتمع الذي وجد أن القانون فقط على الضعيف فتمرد الجميع كي يجعل له حماية ووزنا .

    الأمن هو الضحية في المسارات كلها… لان المشكله السياسيه تصبح مشكلة أمن وطني… والمشكله الاقتصاديه مشكلة أمن… و الاجتماعيه مشكلة أمن…
    وكل من هو في الاردن لا يعمل بما يحمي الأردن دولته… هو بذاته مشكلة أمن.

    دمتم بخير

  9. عندما يدار الوطن بعقلية التاجر والسمسار…
    وعندما ينفتح الوطن لكل البشر بتناقضاتهم وثقافاتهم وسلوكياتهم المختلفه دون وضع منخل لمنع الضار و الغريب منها وتنقيتها والاستفادة من الإيجابي وعزل ومنع السلبي للمصلحة الوطنيه فإن النتائج حتماً ستكون كما نرى وتحدث وسيكون القادم أسوء إن لم يتم تدارك الأمر وإدارة الوطن بروح من يحرص على الوطن وليس من يحرص على منافعه الشخصيه والوطن والشعب خلف ظهره وآخر همه.

  10. الكاتبة تجيد تشخيص الواقع بدقة متناهية و ترسم صورة دقيقة للظروف الاجتماعية

  11. لا ادري مألات الحملة التي تشن من الداخل والخارج غلى الاردن وكأننا على موعد مع صاعق تفجير لامر ما ..في الشوارع الخلفيه في بريطانيا وامريكا وو…الخ تحدث كل ليلة من اصحاب وصاحبات الرايات الحمر اضعاف ما يحدث عندنا ..وليس المعنى ان الانسان راضي عن التجاوزات او الفضائح ا والانتهاك للقانون ولكن لا نبالغ او نضخم اخطاء سوقه لنهد دوله لا لا . مع احترامي لكل الغيارى والغيورات .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here