لماذا ألغى ترامب قمّته السريّة مع مُمثّلي حركة طالبان في كامب ديفيد في اللّحظة الأخيرة؟ وهل وقَع في المِصيدة الأفغانيّة على غِرار المِصيدة الكوريّة؟ وكيف خدعه شُيوخ “تورا بورا” قبل أيّام من ذِكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟

يَصعُب علينا تصديق الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب وروايته التي قال فيها إنّه ألغى “قمّةً سريّةً” كان بصدد عقدها اليوم الأحد في منتجع كامب ديفيد تضُم مُمثّلين عن حركة طالبان والرئيس الافغاني أشرف غني، للتوصّل إلى اتّفاقٍ نهائيٍّ حول الحرب يُؤدّي إلى سَحب جميع القوّات الأمريكيّة (14 ألفًا) قبل الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة.

ترامب قال إنّه ألغى هذه القمّة بسبب هُجوم شنّته قوّات طالبان على مدينة كابول أدّى إلى مقتل 12 عسكريًّا بينهم جندي أمريكي، وحُجّته أنّ حركة طالبان انتَهكت اتّفاق وقف إطلاق النّار ولم تعكِس نوايا حقيقيّةً تُجاه عمليّة السلام ونجاحها، ولكنّ الحقيقة مُغايرةٌ لذلك، حسب بعض التّسريبات من جِهاتٍ مُقرّبةٍ من حركة طالبان، تُفيد بأنّ الحركة لم تلتزم بوقف عمليّاتها العسكريّة اثناء عمليّة التّفاوض مع مُمثّلي الحُكومة الأفغانيّة في كابول، وتمسّكت بشُروطها في عودة إمارة أفغانستان الإسلاميّة بقيادتها، كما كان عليه الحال قبل الغزو الأمريكي في تشرين أوّل (أكتوبر) عام 2001.

فشَل المُفاوضات التي انعقدت طِوال العام في الدوحة بين الأمريكان وحركة طالبان في التوصّل إلى اتّفاقٍ تاريخيٍّ يُنهي الأزمة ويُؤدّي إلى انسحاب القوّات الأمريكيّة هو السّبب الحقيقيّ وراء غضب ترامب ودفعِه إلى إلغاء قمّة كامب ديفيد التي كان من المُفترض أن تشهد توقيع الاتّفاق النهائي بسبب تمسُّك حركة طالبان بشُروطها.

فلو كان الاتّفاق جاهِزًا للتّوقيع فِعلًا، فلماذا يعقِد ترامب قمّةً سريّةً؟ وبعيدًا عن كاميرات التّلفزة؟ ففي مثل هذه الحالات ليس هُناك أيّ داعٍ للسريّة، والمُفترض أن تكون قمّة كامب ديفيد هذه احتفاليّةً بهذا الإنجاز التاريخي في حالِ التوصّل إليه، وبحُضور زعماء من مُختلف أنحاء العالم.

ترامب يكذِب، ولا نُضيف جديدًا في هذا الصّدد، ولكنّ كذبته هذه حول التوصّل إلى اتّفاقٍ هي الأكبر حتى الآن، ولا نستبعِد أنّه تعرّض إلى خديعةٍ كُبرى أعدّتها له حركة طالبان، أضخَم بكثيرٍ من خديعةِ كيم جونغ أون، رئيس كوريا الشماليّة، ومِصيدته التي وقع فيها الرئيس الأمريكيّ عندما التقاه مرّتين في سنغافورة وهانوي، واعتقد أنّ الرئيس الكوريّ سيتخلّى عن تجاربه النوويّة والصاروخيّة فور الجُلوس معه.

شُيوخ الطالبان أثبتوا قُدرات تفاوضيّةً عاليةً جدًّا، وتعمّدوا إهانة الرئيس الأمريكيّ وخِداعه، لأنّهم لم ينسوا مُطلقًا المجازر البشِعَة التي ارتكبتها القوّات الأمريكيّة في حقّهم طِوال السنوات الـ18 الماضية من الاحتلال لبلادهم.

أمريكا خسِرت الحرب في أفغانستان التي كلّفتها أكثر من تريليون دولار حتى الآن، وأكثر من ثلاثة آلاف جندي أمريكي، و45 ألف عسكري أفغاني أنفقت عشرات المِليارات من الدولارات على تدريبهم وتسليحهم، وترامب تعهّد في حملته الانتخابيّة بالاعتراف بهذه الهزيمة وسحب جميع قوّاته من أفغانستان، ليعود ويتراجع أملًا في تحقيقِ انتصارٍ، وعندما فشِل في هزيمة طالبان، بات يبحث عن اتّفاقٍ يُنقِذ ماء وجهه، ويستخدمه كورقة في الانتخابات الرئاسيّة القادمة، ولكنّ حركة طالبان أفسدت عليه جميع مُخطّطاته.

لن يُضير حركة طالبان إلغاء القمّة السريّة في كامب ديفيد، مثلما لن يُضيرها استمرار حرب ضِد قوّات أمريكيّة مُحتلّة أطاحت بحُكمها، لأنّها تُدرك جيّدًا أنّها الكاسب الأكبر في نهاية المطاف، وأنّ أمريكا خسِرت هذه الحرب وستضطر إلى الانسحاب مِثل جميع المهزومين في حالاتٍ مُماثلةٍ، وخاصّةً في فيتنام والعِراق.

أليس لافتًا للنّظر أنّ ترامب خطّط لانعِقاد هذه القمّة السريّة وبحُضور مُمَثّلي حركة طالبان قبل أيّام من الذكرى الـ18 من هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي كانت السّبب الرئيسي لتورُّط بلاده في أفغانستان؟

ترامب، وكُل الرؤساء الأمريكيين كانوا يُعلنون دائمًا أنّهم لا يتفاوضون مع الإرهابيين؟ أليس حركة طالبان “الحركة الإرهابيّة” التي تتربّع على قائمة الإرهاب الأمريكيّة، وتكبّدت أمريكا كُل هذه الخسائر البشريّة للإطاحة بحُكمِها؟

اللّافت أنّ سكّان الكُهوف في قندهار وتورا بورا الأفغانيّة، ونُظرائهم في صعدة اليمنيّة، وفي قِطاع غزّة المُحاصر، ومغارات جنوب لبنان، هم الذين يُلقِّنون الرئيس ترامب وحُلفائه أقوى الدروس في المُقاومة والصّمود ووضع نُقطة النّهاية لصالحهم في كُل الحُروب الأمريكية في مِنطقة الشرق الأوسط، رغم الفارق الكبير في موازين القِوى.

هل يتّعظ حُلفاء أمريكا العرب من هذا الدّرس الطالباني ومعانيه؟

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

17 تعليقات

  1. أثبتت طالبان لكل حركات التحرر في العالم أن المقاومه عمل دؤوب تحتمل نفسا طويلا لا ينقطع ولا ينكسر وان الصمود والاستمرارية هي سر النصر بعد التوكل على الله وان النصر صبر ساعة وسينسحب ترامب بجيشه يجر إذيال الخيبة والفشل وبدون اتفاق مع الحركه حينها ستسقط حكومة كابول إلى مزايا التاريخ .

  2. الی کل من یکتب عن بعد و یصفق لهزیمه الامریکان فی افغانستان ؛ ان امریکان لم یهزم ولن یتراجع ولن یخرج من افغانستان ؛ هناک طالبان لها روابط مع الجنود الامریکان تسلحو من CIA ورواتبهم من امریکا لایستهدفون جنود الامریکا ولایطلقون رصاصا هم فی کندوز ( مدیریه جهاردره) وفی هرات مدیریه ( شیندن) وهناک طالبان تسلحو من الروسیه ویاتی رواتهم وجمیع مایحتاجونه من الروسیه هولاء فی مضیقه کبری کل یوم یستهدفون بالدرون وقادتهم تتساقط یومیا ؛ وهنک طالبان ترتبط ب (ISI) باکستان فقط لهم هدف واحد وهو قتل جنود الافغان وقتل المدنیین والاهاب فی المدن الکبری . فی الاخیر هناک بقایا من القاعده والدواعش یقاتلون مع الکل ویستهدفون الکل . الامریکا لم یهزم فی افغانستان ولوارادت اخماد الجمیع وانهاء الحرب باستطاعتها ان تذوبهم فی اربعه الایام ؛ ونحن شاهد علی هذا .

  3. على كل من يفاوض اميركا ووكلاوءها ان تشترط عليهم امريكا قبل بدء المفاوضات ان يبعثوا بمفاوضيهم الى العرب ليعلموهم الاستسلام لاميركا ووكلاءها والتفريط بكل الحقوق لصالح مفاوضهم فكامبديفد ووادي عربه واوسلوا وقعت بكل سهوله لينهوا العداء الصوري والكاذب للكيان الصهيوني ودخلوا في سباق يلهثون لكسب رضا امريكا والكيان الصهيوني واعطاءهم كل شيء ففي كامبديفد ادعت مصر باسترجاع سيناء وممنوع يدخل لها الجيش المصري الا باذن من الكيان الصهيوني واميركا اما وادي عربه فلم ينفذها الكيان الصهيوني بقي معلق اما اوسلو فانشاءو سلطه لتحرس العدو وتكون شرطي في الضفه الغربيه بعد اجهاض الانتفاضات للشعب الفلسطيني
    واليوم جاء دور صفقة القرن التي نسفت عل المعاهدات المذكوره وتود اميركا تصفية القضيه الفلسطينيه ضاربة بعرض الحاءط كل هذه المعاهدات المزعومه والمفروضه فرضا على الشعوب ولم يحترم الكيان ما وقع عليه بالرغم بانه من صالح الكيان ولكن سيعود الحق ولو كره الصهاينه وامريكا وادواتهم
    تحيه لمحور المقاومه الذي سيعيد الكرامه والارض والعرض

  4. هناك خلاف كبير باميركا حول الانسحاب ,, فهناك من يريد الخروج وهناك من يرفض ,, وبولتون هو من الرافضين ,, ومعروف انه بسبب تجارة الخشخاش فهناك احتواء اميركي من جهة ما لجهات من طالبان ,, وبهذا الاحتواء يعني امكانية توجيه اغبياء من طالبان لما حصل ليعطي الحجة بتخريب المفاوضات ,, لذا نعتقد ان المسألة مخابراتية نجحت بتخريب مساعي المصالحة لكي لا تنسحب اميركا ,,
    فاذا كان داعش والنصرة تم احتواءهم من الاميركان وكثير مما كانوا يفعلونه يصب بخدمة حجج للاميركان للبقاء وتطويل بقاء الارهاب خدمة لصالح الصهاينة ,, فكذلك طالبان ,, فمعظم تلك الفصائل الوهابية السلفية تتصرف نتيجة توجيه مخابراتي احيانا من صقور باميركا واحيانا من الصهاينة ,,

  5. سيد عطوان
    العم هو….هوشي من
    تفاوض مع الامريكان في باريس ولم يوقف النار ولم تكن هناك عدنه حتى انسحاب آخر جندي أمريكي من سايغون.
    ليتعلم عباس ومن قبله دروس من عظماء القادم القوميين بل والامميين
    لكن هيهات.

  6. كلنا نتذكر جيدا هذه العبارة التي قالتها قادة امريكا و بريطانيا و العرب الصهيوني المنافق ( No negotiation with terrorism ) = حركت طالبان الافغانية !
    فعلا ان من الصعب جدا تصديق و الوثوق بالرئيس الامريكي الصهيوني الارعن دونالد ترامب
    ثانيا كلنا نعرف قواعد الحروب ( اذا اتفق الطرفين المتنازعين في على وقف اطلاق النار فكل واحد منهم لديه كل الحق ان يرمي من رصاص و قذائف و صواريخ و الى القصة
    كما يفعل الكيان اللقيط الصهيوني في وقف اطلاق النار مع غزة في كل مرة و شاهدنا طائرات العدو الصهيوني تقصف غزة حتى اخر ثاني في اي اتفاق لطلاق النار مع غزة !,
    برائي انا : ان القمّته السريّة مع مُمثّلي حركة طالبان في كامب ديفيد تم الغائها في اللّحظة بسببها قرب ( 9, 11 ) و سيتم عقد القمة السرية في كمب ديفيد بين الرئيس الامريكي و حركت طلبان من بعد ( 9 , 11) ,
    كلنا نتذكر اعلنت قادة امريكا و قادة بريطانيا و الغرب الصهيوني المنافق No negotiation with terrorism انهم يرفضون بتاتا الجلوس على الطاولة المفاوضات مع حركت طالبان ( الارهابية ) حسب زعمهم !!!

  7. “هل يتّعظ حُلفاء أمريكا العرب من هذا الدّرس الطالباني ومعانيه؟”
    لا حياة لمن تنادي يا سيدي عطوان، الكيانات التي توجه لها هذا السوءال و جدت من طرف الغرب و الذي تقوده امركا، هم الذين يعينون من يخلف من و لا حول و لا قوة لهم سوى الطاعة و الانبطاح؛
    الاحرى ان توجه كلامك للشعوب لعل و عسى يستيقظون يوماً ما.

  8. American army generals need jobs. American military industrial complex with their customers, American army generals are opposing the deal. Trump will try again to make a deal because this will help his re election campaign.

  9. طرامب انريكا لايعرف غير لغة القوة التي لاتجيدها غير دول المقاومة ، فقد ولى زمن الهيمنة الامريكية وانشغلت بحروبها التجارية .. وتعيش اضعف ايام حياتهاهذه الأيام.
    ولولا البترودولار الخليجي لانهار الإقتصاد الامريكي منذ سنوات .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here