لماذا ألغى السودان عُقوبة التخلّي عن الإسلام “الردّة”؟ ولماذا بدأت تتنبّه حُكومته “الثوريّة” لحريّات غير المُسلمين والنساء وهل حمل توضيح وزير العدل تناقضاً؟.. ما هي التسويات لرفع اسمه من قائمة الإرهاب الأمريكيّة السوداء بعد أن كان ملاذًا لبن لادن والمُقاومة ولماذا يتأخّر رفعه؟

عمان- “رأي اليوم”- خالد الجيوسي:

يتفكّك السودان تدريجيّاً، من ضوابط سُلطاته الإسلاميّة والرئيس عمر البشير السابقة، ويذهب رويدًا رويدًا إلى الانفتاح، وذلك ضمن عدّة إجراءات وقرارات، بدأت ثُثير اهتماماً وجدلاً بين مُؤيّدين ومُعارضين.

آخِر تلك التعديلات، سماح السلطات الانتقاليّة، بشرب الخمور لغير المسلمين، ووقف عقوبة “الردّة” التخلّي عن الإسلام، إلى جانب تجريم ختان الإناث، وهي تغيّرات لافتة، على الصعيد الاجتماعي، والثقافي، وحتى السياسي، لعلّه يأمل منها السودان، أو حكمه الجديد، أن يضعه على مسافةٍ طويلةٍ بينه، وبين نظام الرئيس البشير الإسلامي، والذي جرى الإطاحة به بثورةٍ شعبيّة.

هذه التعديلات الاجتماعيّة، سبقها تعديلات أيضاً في مدى انفتاح السلطات السودانيّة الانتقاليّة على دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو تقارب يُؤمَل منه أيضاً رفع اسم السودان عن قائمة الإرهاب، وهي خطوة يرى فيها مُنتقدون إرضاءً للولايات المتحدة الأمريكيّة، وقد تنزع السودان عن مُحيطه العربي والإسلامي.

وحتى لا تُفهم إجراءات السودان في غير سياقها، أقلّه مُجتمعيّاً، وفي ظل مجتمع إسلامي مُحافظ أساساً، قال وزير العدل السوداني أنّ الحكومة ألغت عقوبة الردّة، والتي جرى استخدامها في حادثة مريم يحيى إبراهيم الشهيرة، العام 2014، والذي جرى الإفراج عنها، وهي المسيحيّة لأب مُسلم، وأم مسيحيّة، بعد أن حُكِم عليها بالإعدام شنقاً.

وخطوة السماح بشرب الخمور، فقد أوضح الوزير نصر الدين عبد الباري، أنّ غير المسلمين فقط مسموحٌ لهم بتعاطي وتداول الخمر، أمّا المسلمون فلا يحق لهم ذلك، في مسألة الخمر يُضيف الوزير “أردنا لغير المُسلمين أن يتمتّعوا بحُرّيتهم، وبحُقوقهم”.

حديث وزير العدل السوداني، والذي جاء على شاشة تلفزيون السودان ليل السبت، يرصد فيه مُعلّقون، تضارباً في تعريف الحريّات، فالوزير قال إنّ إلغاء تجريم الردّة نهائيّاً، وفقاً للوثيقة الدستوريّة الحاكمة للمرحلة الانتقاليّة، جاء ليكفل حريّة الدين، وفي سياق حديثه عن الحريّات، يعود ويحصر شرب الخمر بغير المُسلمين، الذين أراد كما قال أن يتمتّعوا بحريّتهم، وبحُقوقهم، وهو هُنا يمنع بطبيعة الحال، على المسلمين حريّة شرب الخمر، وهو الذي يتحدّث عن الحريّات، فيما الشريعة الإسلاميّة، لا تمنح الحريّة، لشارب الخمر، والمُرتد عن الإسلام، وكلاهما يُعاقب، وبفارق العُقوبة بين الفِعلين.

هذه التعديلات التي باركها رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك، يبدو أنه لا رجعة عنها، مهما أثارت حفيظة التيّارات الإسلاميّة، التي لعلها لن تغفر تهاون الحكومة الانتقاليّة مع المُرتدّين عن الإسلام، لكن الرئيس حمدوك أكّد أن هذه المُراجعات والتعديلات القانونيّة مُستمرّة “حتى تكتمل كافّة التشوّهات”، أو كما يراها مُنتقدون، لتنال رضا العالم الغربي عن السودان، والذي كان إلى ما قبل إقرار هذه التعديلات، يُطبّق أحكام الشريعة الإسلاميّة، والتي تُعطي وجه حُكومته، طابعاً مُتشدّدًا، ولعلّه إرهابيّاً.

السودان لا يزال حتى كتابة هذه السطور، مُدرجاً على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولا يزال الجانب الأمريكي يعد نظيره السوداني بقُرب إزالته من “اللّائحة السوداء”، لكنّه يتحدّث عن “مُتطلّبات” للنظر في رفعه من القائمة، قد تكون هذه التعديلات القانونيّة الأخيرة حول الردّة، وشرب الخمر، واحدة من تلك المُتطلّبات التي سيُكملها الحمدوك وفق ما أكّد حتى إزالة كُل التشوّهات، فيما وزير الخارجيّة الأمريكي مايك بومبيو لا يزال “يأمل” أو “لديه أمل” أن يجري رفع السودان من اللائحة، في الأسابيع المُقبلة، وهو ما يطرح تساؤلات بين المُراقبين، حول إتمام السودان قائمة هذه المُتطلّبات الأمريكيّة، وما قد يتبعها من تنازلات، وتقديم تعويضات.

وإلى جانب المُتطلّبات، سيكون السودان أمام اتّفاق تعويض ضحايا تفجيرات السفارتين الأمريكيّتين في كينيا وتنزانيا، العام 1998، وبحسب وزيرة الخارجيّة السودانيّة أسماء محمد، فإنّ تسوية الملف المذكور، يكون أوفى بكُل مُتطلّبات رفع اسم بلادها من قائمة الولايات المتحدة الأمريكيّة، للدول الراعية للإرهاب، وهي التسوية التي سبقتها تسوية مع أسر ضحايا المدمرة الأمريكيّة “يو إس كول”، التي تم تفجيرها قبالة ميناء عدن عام 2000، وأسفرت عن مقتل 17 من بحّارتها، وهذا كلّه يُثير التساؤلات حول شكل وحجم هذه التسويات والتعويضات.

وبعد أن كان السودان ملاذًا آمناً لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وحركات المُقاومة الإسلاميّة، وكلّفته تلك الخطوة عقوبات اقتصاديّة، وسياسيّة منذ العام 1993، تتشدّد حكومته الانتقاليّة أو حكومة الثورة التي يعتبرها خُصومها مُواليةً لواشنطن، في القبض على خليّات إسلاميّة، وتُؤسّس نظاماً لمُكافحة غسيل الأموال، وتمويل الإرهاب، وهو ما يفتح باب التساؤل واسعاً، حول تعريف الإرهاب من وجهة نظر حكومة الحمدوك الانتقاليّة، وما إذا كان تعريفه بات وفق المنظور الأمريكي، والذي لا يرى بإرهاب إسرائيل مثالاً على التطرّف والقتل والدمويّة، حيث الدولة العبريّة، غير مُدرجة على قائمة الولايات المتحدة الأمريكيّة السوداء الراعية للإرهاب للمُفارقة.

هذه المُتطلّبات، والتعديلات، التي تجري في السودان، داخليّاً، وخارجيّاً، وقد تكون قدّمت خدمات جليّة للنساء بوقف جريمة الختان بحقّهن، بكُل الأحوال، لا تنبع فقط من رغبة سياسيّة للحكومة الانتقاليّة السودانيّة، وإعطاء البلاد وجهاً انفتاحيّاً، فبالعودة إلى العام 2014، كتسلسل تاريخي زمني للأحداث، وفي عهد حُكومة البشير، وبعد الإفراج عن مريم يحيى “المسيحيّة” وما أثاره حُكم الإعدام بحقها، والإفراج عنها لاحقاً، رحّبت في حينها الولايات المتحدة الأمريكيّة، وطالبت الخرطوم بوقف العمل بالتشريع الإسلامي الذي يمنع المُسلم من تغيير دينه، الخرطوم الانتقاليّة أو الثوريّة، تُنفّذ المطلب الأمريكي اليوم، وتُوقف عُقوبة الردّة، “لتكفل حريّة الدين”، وعلى أمل الرفع من القائمة السوداء الأمريكيّة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

9 تعليقات

  1. السودان يعرف طريقه جيدا… فقط اتركوه في حالة… لم يضر السودان شيء اكثر مما ضره الاسلام السياسي ونفاقه الذي فضحته قضية التجسس في كتائب عزالدين القسام قصف السودان عدة مرات بواسطة اسرائيل قتل مواطنون سودانيون لان فلول الاسلام السياسي كانت تسرب المعلومات لاسرائيل آن للسودان ان يصبح دولة محترمة ويبدمج مع المجتمع الدولي… وكان لابد له ان يسدد فاتورة إيولائه للجماعات الارهابية

  2. كان لدي مداخلة لم تنشر. لم اتجاوز حدود الشروط والأحكام… ولكن ربما تجاوزت حدود الرفض المشروع لما كتبه كاتب المقال. عموما حرية الرأي لم تعد صنبور ماء يغلق ويفتح حسب مزاج من يمتلكه. أرجو النشر.

  3. السلام عليكم لا بارك الله فيكم دولة حمدوك العلمانيه ان شالله نهايتكم قريبه ان من يعتز بغير الاسلام ذل وان شالله مذلتكم كما غيركم يا حكام التطبيع والتبصيم لا بارك الله فيكم ولا في ذراريكم وان شالله نهايتكم كفرعون وشاه ايران اعان الله شعب السودان على الطواغيت والامعات البصيمه للغرب والشرق لا بارك الله فيكم

  4. ما شاء الله هفكر اسلامي:
    اقرا قول الله ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر.

  5. إلى هشام ابن الأردن. أشكرك على التعليق. كاتب المقال لم يوفق في كتابة المقال.. لماذا تخلط الأوراق بهذا الخبث!!! كل شعوب العالم لديها الحق في العيش بحرية.. لماذا أنت ربطت الأمر في السودان بضغط خارجي لرفع العقوبات!!! اصحى واستفق.. هذهي الأساليب لم تعد تنطلي على الكثير من الناس.. الحريات المدنية كانت موجودة اصلا في السودان واغتالتها قوى الرجعية المستترة وراء ما يدعى باطلا بالإسلام السياسي. تعرف الكلام ده ولا جديد عليك!؟ أرجو النشر..

  6. الغاء اللغة العربية والدين الاسلامي من دستور السودان المقترح من حكومة العسكر والشيوعيين، بالاضافة الى طلب تدخل قوات اممية في السودان والاعتراف بحقوق المحافظات “المهمشة” ولغاتها هي خطوات واضحة في الخطة لمزيد من تقسيم السودان الى دويلات واضعافه بحروب النعرات.
    الموضوع ليس حرية الردة او شرب الخمر او غيره، بل هو سلخ السودان عن هويته العربية والاسلامية والطعن فيهما تمهيدا للقادم.

  7. خطوات في الطريق الصحيح نعم للحريه المطلقه وليس بالخوف والارهاب هكذا تتقدم الشعوب وكفاكم من دس اسم امريكا في كل شيء الله خلق الانسان مخير وليس مسير كالماكينات انتم بتعاليمكم جعلتم الانسان ماكنه لا عقل ولا شعور ولا ضمير نحن سعيدون بهذه القرارات الصائبه الى الامام. بقرارات اخرى صاىبه

  8. حد الردة ليس من الشريعة الإسلامية. إذ ليس هناك نص قرآني يأمر بحد الردة، وإنما العكس هو الصحيح (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) … وما زالت المجتمعات المسلمة تعيش في جهل فكري. اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة.

  9. اتذكر السودان في العام ١٩٨٠ كانت الخمور في كل مكان تقريبا في الخرطوم وكانت الملاهي الليلية منتشرة في الخرطوم وكان أشهر ملهي ليلي بالخرطوم يدعي GMH وعندما ذهب جعفر نميري مع الريح قدمت حكومة إسلامية سوار الذهب وشرعت الشرعية الإسلامية ومنع الخمور والدعارة بالسودان والان تعود الخمور مستترة “للاجانب” فقط ههههههه كانت قطر في ١٩٩١ تبيع الخمور للهنود والفلبينيين غير المسلمين “اجانب” وكنت تجدهم في ساعة فقط قد باع حصتة الشهرية للقطريين مع مكسب ٢٠٠٠ ريال قطري شهريا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here