لعبة الحرب التركية المصرية في ليبيا ومساعي الوساطة الجزائرية

أ‌. د. راقدي عبدالله

أثارت سيطرة حكومة السراج المدعومة تركيا على الغرب الليبي وسعيها للسيطرة على الشرق، عقب إلحاقها هزيمة بقوات خليفة حفتر قائد  “الجيش الوطني الليبي،” بروز مخاوف وقلق عديد الدول المشكلة للمحور المناهض للسراج وحلفائه، على غرار تنديد فرنسا وروسيا، وتهديد الرئيس المصري بالتدخل العسكري. وعلى نحو متصل وبعيدا عن صراع المحاور، تعمل الجزائر على خلق الأجواء المناسبة التي تسمح لليبيين بإنجاز حل يحقق لهم الأمن والاستقرار والسلام. فهل تنجح مساعي الجزائر في جمع طرفي النزاع، وتمنع بذلك التقسيم الذي يكاد يكون قدر محتوم؟ وهل تقبل تركيا بعد هذه الانتصارات بأن يكون حفتر أو من يمثله  طرفا في أي تسوية؟ وهل يجري ذلك بعيدا عن تأثير القوى الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا؟

شجرة حرب السراج/حفتر  تخفي غابة مساعي الهيمنة على المنطقة

يأتي تدخل تركيا المباشر في النزاع الليبي في سياق سعيها لتأكيد أحقيتها  في قيادة  نظام إقليمي يجري التخطيط له  “وبتزكية أمريكية،” وتبعا لذلك، وحتى تضمن لنفسها موضع قدم في منطقة شمال إفريقيا المهمة جيوبوليتيكيا وتحقيقا لذلك، تعتمد تركيا  على قوتها  الاقتصادية والعسكرية، وتسوق نفسها باعتبارها وريثة الإمبراطورية العثمانية حاملة وحامية الإسلام “المعتدل المسالم،” بدلا عن إيران المناكفة والمشاكسة والمتهمة من قبل أمريكا أنها ترفض الانخراط والقبول بقواعد النظام  الدولي الليبرالي.  في هذا الإطار تشير العديد من التقارير، باستخدام أردوغان لورقة الإخوان المسلمين ( التيار الأكثر تنظيما وانتشارا والأقرب لتسلم الحكم في الكثير من البلدان العربية)، وهو ما ينسحب على  الحالة الليبية، التي قام فيها أردوغان بدعم حزب العدالة والبناء، وهي جماعة إسلامية ليبية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وبقدر ما ساعدته هذه الاستراتيجية في كسب الرأي العام الإسلامي التواق “لحكم الإسلام العادل”، فقد جلبت لها عداوة القوى الوطنية والعلمانية والأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة العربية. على غرار مصر التي أقالت الرئيس مرسي بعد ثورة التصحيح، أو السعودية ذات النهج السلفي الوهابي أو الإمارات ذات النهج الصوفي المسالم.

مقابل هذا المسعى وجد محور روسيا ومصر والسعودية والإمارات في حفتر أفضل أداة يمكن أن تواجه بها مسعى تركيا، وعبرها أمريكا لإقامة نظام موالي، يمكن أن يستخدم من قبل الحكومة التركية كمحطة متقدمة تسعى بواسطته لإخضاع باقي المناطق لنفوذها. ولعل ذلك ما دفع بالرئيس السيسي بإطلاق تصريح عد بمثابة إعلان حرب وقال إن الحرب في هذه الحالة من أجل تحقيق السلم.  فهل يمكن اعتبار توجه قوات السراج نحو الشرق تهديد جدي لأمن مصر القومي؟

السراج نحو الشرق، هل شرعن الحرب من أجل السلم؟

 تعيش مصر – وهي تواجه المد التركي عبر حكومة السراج-، ظروفا صعبة جراء الأزمات المتعددة التي تعاني منها، ولعل أبرزها،  تداعيات أزمة الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، واعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وتنامي الأعمال الإرهابية في جزيرة سيناء، وأزمة سد النهضة الإثيوبي الذي رأت مصر أن إنجازه سوف يشكل خطرا على نصيبها من المياه وأذلك تعتبره تهديدا لأمنها المائي، لاسيما في ظل إصرار الحكومة الإثيوبية على إنجاز السد بل وإطلاقها مواقف عدت نوايا إعلان حرب عقب الإعلان عن توقف المسار التفاوضي، ولجوء وزارة الخارجية المصرية إلى مجلس الأمن، الذي رفضته إثيوبيا واعتبرته دعوة للتدخل في شأن داخلي سيادي. ولا أستبعد أن تدفع الأطراف المناهضة للنظام المصري بالحكومة الأثيوبية لتشديد موقفها ، وإشغال مصر به على حساب التدخل التركي في ليبيا  وفق منطق “عدو صديقي صديقي”( أعني هنا تركيا). فضلا على جائحة كورونا التي لا شك أن تأثيراتها ستكون قاسية جدا وستزيد من متاعبها الاقتصادية.

   فمثل هذه الأوضاع، سوف تضيق من خيارات مصر إلى الحد الذي تعجز فيه عن الانخراط في نزاعين إقليميين. ويبدو أن ذلك فإثر الهزائم التي مني بها،  وقدمت مصر مقترحات ما يعرف “إعلان القاهرة” في 06  جوان 2020 ، تضمنت وقف إطلاق النار،  واستكمال مسار أعمال اللجنة العسكرية التي تضم خمسة مسؤولين عسكريين من طرفي النزاع الذي تديره الأمم المتحدة. في ذات السياق، صرح السيسي في 20 جوان 2020، قائلا: “إن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية باتت تتوفر له الشرعية الدولية”. وأصبحت الحرب ضرورية لتحقيق السلم، وحماية الحدود الغربية للدولة، ولإطلاق مفاوضات التسوية السياسية.في خضم هذا الصراع الذي يمتد بين تهديدات الحرب ودعوات الحوار والمفاوضات المباشرة، تعمل الجزائر – وهي تقف على مسافة واحدة من طرفي النزاع، جاهدة على جمع الليبيين على مشروع يوحدهم ويحقق لهم الأمن والاستقرار ويعيد لهم وحدتهم، فهل تنجح في رأب الصدع،  أم إن حسابات وإرادات القوى الداعمة تحول دون تحقيق ذلك؟

حظوظ نجاح الوساطة الجزائر ية ولعبة مصالح القوى الكبرى؟

شهد الملف الليبي عقب انتخاب الرئيس عبدالمجيد تبون في 12 ديسمبر 2019 دينامكية، حيث  حاولت الدبلوماسية الجزائرية تعويض الغياب الذي أحدثه مرض الرئيس منذ 2012،إذ عملت الجزائر على إقامة اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف المتورطة في النزاع أو القوى والدول الداعمة لها ، في محاولة لتقريب وجهات النظر بما يسمح ببلورة حل سياسي يضمن للليبيين الأمن والاستقرار، ويمنع عن المنطقة مخاطر اللاستقرار والفوضى. ففي هذا السياق  شاركت في مؤتمر برلين بتاريخ 19 جانفي 2020، وبعده استضافت اجتماعاً ضم الدول المجاورة لليبيا،  والتزمت الدول المشاركة فيه  بالالتزام ب”حظر تسليم الأسلحة” لطرفي النزاع في ليبيا، ودعم وقف إطلاق النار في ليبيا.

وفي إطار مساعي الجزائر من أجل تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع، زار عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي حليف حفتر الجزائر في 13 جوان 2020،  والتقى الرئيس تبون ، ومما صرح به ، أن الرئيس  عبدالمجيد تبون “سيبذل قصارى جهده للمّ شمل الليبيين وجمعهم حول طاولة الحوار للوصول إلى حل طبقا لمخرجات مؤتمر برلين”. وايضا، وبتاريخ 20 جوان   التقى فائض السراج  رئيس حكومة الوفاق الليبية .

غير أن المشكلة تكمن في الأطراف الداعمة للسراج وحفتر ، فبالنسبة للسراج تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمواصلة دعم حكومة الوفاق الوطني الليبية، واستبعاد اللواء المتقاعد خليفة حفتر من المشهد، وبحسب بيان الرئاسة التركية فإن الرئيسين أردوغان وترامب بحثا خلال اتصال هاتفي يوم الاثنين الماضي التطورات في المنطقة وفي مقدمتها الأوضاع في ليبيا، وجهود مكافحة فيروس كورونا، بالإضافة إلى العلاقات الثنائية. ومن غير المستبعد أن يكون مصير الليبيين كأكراد سوريا، فبحسب  التسريبات  التي نشرتها “ذا ناشيونال إنترست” حول كتاب مستشار الأمن القومي جون بولتون ، The Room Where It Happened : A White House Memoir، فقد سرد بولتون كيف أسس “صقور إيران” كارثة ترامب للسوريين الأكراد”.وكيف كان الانسحاب الأمريكي من سوريا خدعة كونه مهد الطريق لأردوغان للانقضاض على الأكراد.

وأنتهي للقول، أن المأساة الليبية تتجاوز السراج وحفتر وعبرهم تركيا ومصر وحتى الوساطة الجزائرية التي  جاءت متأخرة. وستنتهي إلى ما تقرره  إدارة ترامب، التي لن تنظر للموضوع  إلا من خلال ما تكسبه أمريكا من كعكة البترول والغاز الليبي. وتبعا لذلك، أقدر أن أردوغان لا يعدو أن يكون  مكلفا بمهمة من قبل ترامب إلى حين  يتحدد مصيره الانتخابي. ولأن الأطراف الأخرى لن تقبل بذلك، فسيدخل الجميع في لعبة الحرب، التي تحيل حتما ليبيا إلى الفوضى الصومال وافغانستان، وفي احسن الاحوال ليبيا مقسمة إلى شعوب يوغسلافيا .

استاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة 1 الجزائر،

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. الحوثيون باليمن استعانوا بإيران
    الأسد سوريا استعان بروسيا و إيران
    حفتر استعان بالامارات ووو
    فما المانع من أن يستعين السراج بتركيا ؟؟؟ تركيا دولة خير و ليس دولة شر

  2. وددت لو أوضحت موقف الجزائر من ثنائية تركيا-فرنسا ، و كيف بدأت تميل الكفة الى الموقف الفرنسي ، ربما لكي لا يستطدم بالموقف الروسي .

  3. يا سي عبد الله قد تكون امريكا واضعة نصيبها من البترول و الغاز لكن من يخطط للاستراتيجية الامريكية ويدفع الامريكيين اليها هدفه لا استراتيية ولا غاز ولا بترول بل …قتل القدافي و الجسر بين مصر و الجزائر لم يهدم بعد….تحالفت عائلة بيار مع ابنهم ساركوزي (عائلة بيار لا هي فرنسا الرسمية و لا هي……. و لمعرفتها ابدا بالدراسة من عهد بيار دوفال……..وتحالفهم لم يصل بعد الى النتيجة المرجوة وليس بكسر الجسر فقط …وبكسر الجسر ان استطاعوا سيسهل امور اخرى ….ان لم تستفق مصر سيكزن الثمن اغلى وان لم تستفق الجزائر سيكون الثمن اغلى باضعاف … اخطر جهاز على الجزائر في الوقت الحالي هي عائلة بيار المتجدة هنا لاكثر من قرنين التي يحوز ارشيف على الاف المهمات باسم بيار…..فحداري من عئلة بيار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here