لطيفة حمانو: جائحة الإنسانية

 

 

لطيفة حمانو

قبل أيام كانت الحياة تسير بوثيرتها المتسارعة، أشخاص يستيقظون صباحا، يهرولون الى أعمالهم، يأكلون الطعام ويتسكعون في الأسواق، ويعودون منهوكي القوى الى بيوتهم لأخذ قسط من الراحة والنوم يسعفهم للاستيقاظ في اليوم الموالي للقيام بنفس المهام اليومية.

في كل بقاع العالم إيقاع الحياة أصبح متسارعا، أشخاص يعيشون خلف الشاشات الالكترونية صغارا وكبارا، يقتسمون نفس البيت مع عائلاتهم لكنهم بعيدون عنهم بعد المشرق عن المغرب كل يعيش في جزيرته المنعزلة بعدما تعددت ألوان الجزر فالكل يغرد في سربه. الكل يسبح في الموجة الثالثة بتعبير عالم المستقبليات الأمريكي ألفين توفلر والتي نتجت عن التغلغل الواسع لمنجزات العلم والتكنولوجيا في الاقتصاد وغيرت حياة المجتمع مما أدى الى ظهور مفاهيم وتصورات ثقافية وأخلاقية جديدة.

قبل أيام كانت الحياة عادية وشاشات الأخبار تبث صورا للحروب والمجاعات والكوارث البشرية والطبيعية مسترسلة حتى تطبع معها الانسان وباتت صور الأشلاء والدماء منظرا عاديا ما دامت الحرب بعيدة عنه والضحايا ليسوا بأحبابه أو أقربائه. لقد بلغت الإنسانية أوج تقدمها في الألفية الثالثة ومع التقدم الصناعي امتدت يد الانسان للبيئة فتطاول على المساحات الخضراء بغية توسيع مجاله العمراني فارتفعت درجة حرارة الأرض واشتعلت حرائق الغابات   وندرت موارد المياه ليصبح العطش شبحا مخيفا للأجيال القادمة.

كانت الحياة عادية سعيدة بتفاصيلها اليومية البسيطة وكان الانسان ساخطا، متذمرا غير مدرك لكل النعم التي يرفل فيها والتي مع دوامها أصبحت بالنسبة اليه حقا مكتسبا لا يتوقع زوالها. كان الكل مشغولا، متوترا، لم يكن لأحد الوقت ليزور جاره أو ليطمئن على قريب أو بعيد.  لم يكن لأحد الوقت ليلتفت الى وردة تفتحت على الرصيف الذي يمر منه كل صباح، أو ينتبه لمتشرد دائم المسير في شارعه. لقد تبلدت مشاعر الانسان ،أصبحت القلوب قاسية طبعتها الأنانية والفردانية ،لا أحد يلتفت لأحد في الواقع الكل يعيش في فضاء خاص به ويتابع  بعضهم بعضا من وراء جدران افتراضية .حل بالأرض الوباء انطلق من أوهان البعيدة عابرا للقارات  الخمس دون تمييز لديانة أو لون أو وضع اجتماعي أو ثقافي .شاهدنا بقلوب حزينة الاف الأرواح الإنسانية تحصد في الصين وإيطاليا واسبانيا ….أغلقت المدارس  وأحدثت منصات الكترونية للتعليم عن بعد ،أجلت الأنشطة الثقافية والرياضية وأغلقت المقاهي كما أغلقت المدن والدول أبوابها  مخافة تفشي الوباء حتى المساجد  أغلقت أبوابها في وجه المصلين ورفع الجميع أيديهم الى رب السماء عله يرفع بقدرته البلاء .قال رئيس وزراء إيطاليا ،البلد الكاثوليكي التقليدي :لقد استنفذنا حلول الأرض وننتظر حلول السماء .كما دعا الحاخامات اليهود أتباعهم للصلاة والدعاء الى الله أن يحد من الوباء بينما دعا المسلمون بعضهم بعضا للصيام والقيام واستغفار الله وطلب الغوث من الرحمان.

دخلنا في مرحلة الحجر الصحي، فاذا بالإنسان المنشغل دوما، الراكض وراء لقمة العيش، المستمتع بحياته، المنتشي بخروجه وأسفاره وتحركاته يصبح هلوعا جزوعا حبيسا لمسكنه وبأمر من سلطات بلده لا يغادره الا بإذنها. لم يكن يدري أنه سيعيش وباء بهذه الحدة وهو الانسان المحظوظ الذي عاش ترفا تكنولوجيا لم تعشه البشرية من قبل في عالم غزا الفضاء وأرسل مركبات لاكتشاف الحياة على سطح المريخ. كانت الأوبئة بالنسبة اليه ماضيا عاشته القرون الوسطى التي مات فيها الكثير من الناس بسبب الطاعون والجذام.

هكذا وجد الانسان نفسه في الزمن الكوروني مسلوب الحرية وجها لوجه مع أفراد أسرته  ،يقضي معهم اناء الليل وأطراف النهار بجسده فقط بينما هو مازال عالقا في جزيرته المنعزلة ولم يدر بخلده قط أن هذا البلاء ربما حل به ليعيده الى نفسه والى طبيعته الإنسانية ،ويعطيه الفرصة للتفكير في حياته الماضية بعين الناقد المتبصر ويعطيه وقتا للتأمل واتخاذ خطوات حثيثة لإصلاح نفسة والارتقاء بها .على الانسان في الزمن الكوروني أن يكون واعيا بأن الحجر الصحي المفروض عليه هو استراحة محارب في معركة الحياة ليسترجع أنفاسه المتعبة من جري السنين الماضية في المعارك التي كان يخوضها بشكل يومي سواء بينه وبين نفسه أو مع المحيطين به    وهي صراعات دائمة بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة و الضعف والقوة ليعود بعدها لإكمال رحلته الوجودية

دخل الانسان مرحلة الحجر الصحي ووجد نفسه قابعا في بيته، فاذا بحياته التي استصغرها بالأمس يتوق اليها اليوم، والى تفاصيلها التي تبدو له الان فقط جميلة. ومع انسداد أفق العلاج لم يجد الا أبواب السماء ليطرقها بكل ضعفه وانكساره ويحلم بغد أجمل يعود فيه الانسان الى انسانيته. بغد تشرق فيه الشمس لتذيب القسوة والغفلة المتراكمة على قلوب البشر منذ سنين. مع اشراقة كل يوم جديد سيفتح نوافذ الأمل بغد أفضل يختفي فيه الوباء لتدور عجلة الأيام من جديد.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. فعلا الشيء ان امتلكته اهنته، نحن اعتبرنا معيشنا اليومي شيء عادي ومكتسب، اعتبرنا حريتنا في التنقل شيء من الابجديات واحتجنا لفيروس كرونا لكي نعيد الحساب في العديد من الامور التي كنا نعتبرها تحصيل حاصل، شكرا على الموضوع وان شاء الله هي سحابة صيف عابرة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here