لحسن ملواني: حدائق من إبداعات جميلة قراءة لأعمال التشكيلي الجزائري محمد فائز ترابي

لحسن ملواني

     محمد فائز ترابي فنان تشكيلي جزائري ، عشق الفن منذ حداثة سنه ،فتوسع في ضروبه ، واحْتكَّ بأدواته باحثا عن الإبداعية والجمالية الفريدة في ثناياه ، وقد مكنته تجاربه وبحثه الدؤوب في المجال من اكتساب فرادة إبداعية ، ومَلَكات فنية جعلته يخوض مجالات التشكيل مبدعا متعدد التقنيات ، ومتنوع الرؤى والأهداف فيما يرسمه ويشكله.

     مبدع يرى في التشكيل والفن عموما أهدافا نبيلة عليه أن يحققها وإلا صار مضيعة للوقت والجهد ، فالفن عموما شكل تعبيري تفرضه ضرورة إنسانية الإنسان بقصد المنفعة التربوية والتهذيبية ، ويتم ذلك عبر الابتكار والتعمق في الصياغات الممكنة ، والتي بقدر ما تحمل متعة تحمل فائدة معينة. وبذلك يصير الإبداع وسيلة من وسائل التثقيف والتربية.

 هكذا نجد في كثير من لوحات فائز هذا الميل إلى تجسيد نصائح من خلال لوحات تشكيلية لها علاقة بصحة الإنسان ، ولها علاقة بكل ما ينبغي تجنبه مخافة السقوط في مطبات التهور ، ومن ذلك تناول المخدرات، والتدخين ومشتقاتهما. وبهذا تصير بعض لوحاته رسائل توجيهية وتربوية بالصورة بذل الكلام ، و نحن نعلم أن مفعول الصورة أبلغ بكثير من الكلام .

واهتمامه بالمواضيع التحسيسية لا ينفي براعته في اتجاهات تشكيلية أخرى ، فقد طرق جميع أبواب التشكيل من سريالية ، ورمزية وانطباعية وغيرها ، بل إنه جسد أهمية وجمالية الإبداع بالإبداع.

 له خصوصية بارزة في التركيز على مواضيع محددة مستهدفة لعلاقتها بما يمكن أن يوجه المتفرج عبرها إلى سلوكات تجعله مهذبا.

والمشاهد لأعماله يرى فيها هذا التنوع وهذا الفسيفساء الجميل الذي ينقلك من جمال إلى جمال مستمتعا بتشكيلات متنوعة تجعلك غائصا بلحظك في هذا العالم المزدحم بالجمال.

    إن الفن ليس بهرجة وليس لعبا وعبثا باللون والخط والأشكال ، إنه وسيلة للغوص في الواقع وتغييره نحو الأفضل وفق أدوات الفن واستنادا إلى مجهودات الفنان في صقل مواهبه عبر التجريب والبحث والقراءة.

وكل لوحة من لوحات هذا الفنان الشاعريُّ الرُّؤى تحمل بين خطوطها وألوانها وملمحها العام رؤية معينة للواقع.

في لوحاته يجسد هذه العلاقة التجاوبية الوثيقة بين الإنسان والطبيعة ،ويجسد ذلك سلبا وإيجابا عبر إبراز هذه العلاقة التفاعلية باختيارات لونية وشكلية تحولها إلى مظهر درامي حين يقع اعتداء عليها حيث ينعكس ذلك على ملمح اللوحة ووضعية المفردات المرسومة عليها.

فهذه لوحة تحمل امرأة تحولت يدها اليمنى إلى غصن يبس يقابل غصن من جذع شجرة مقطوع الهامة بشكل يحيل على الصراع والبحث من أجل إعادة الوئام بين الإنسان والطبيعة ممثلة بشجرة متجاوبة مع الإنسان ، وقد ساعد على إبراز ذلك التركيبة الشكلية واللونية التي أنجزت بها اللوحة عبر خلفية جاءت بألوان باهتة تحيل على السراب.

وتلك لوحة تقدم فنونا متعانقة ومتراكبة بشكل فني تنتهي تركيبته إلى إنسان ،كرة وكمان وفرشاة وكرة تحمل ملمح الكرة الأرضية وكرة السلة ، وهنا براعة الفنان في القدرة الفائقة على التركيب والتوزيع الملائم والمتزن والصحيح من أجل التعبير عن علاقة الإنسان الحميمية والضرورية بالفن متعة وصحة وتهذيبا ، وهي الرسالة المطردة في أعمال هذا الفنان .

ومن لوحاته هذه اللوحة التي تمثل القلب بشرايينه وقد أصبح شبيها بمزهرية تحمل شجرة تنتهي أغصانها بشفتي امرأة وعينين محدقتين في الفراغ ،وهنا نشير إلى أن الفنان يحبذ أكثر من مرة على تذييل لوحاته بتعليقات مركزة كقوله معلقا على هذه اللوحة ، وباللغة الفرنسية ” الإبداع يستبعد الخضوع والانحصار ضمن حدود معينة ، فاللوحة التشكيلية في حقيقتها الإبداعية بعيدة عن الانضباط التام لملامح المفردات كما هي في الواقع بل تصير منبعا للانفعال والتأمل عن طريقة روعة الترصيف ومتانة التركيب في علاقته بالاتساقات اللونية والوضعيات المختارة بخبرة عميقة مما يحولها إلى جذوة تثير الدفء والإعجاب من قبل المشاهدين لها.

إن الفنان فائز مكنته تجربته الكبيرة في التشكيل من تطويع ريشته وألوانه للتعبير عبر صيغ كثيرة جدا عبر حسن تنظيم المفردات ، والملاحظ في بعض لوحاته الاشتغال على نفس الموضوعة كاللوحة التي اشتغل فيها على النور مستخدما في ذلك شمعتين يذوبان ، وتقابلهما الشمس ليس في السماء ولكن في عمق الأرض وهي ترسل أشعتها بقوة لتعم الكون كله ، وكأن الفنان يعقد مقارنة بين منجز الإنسان البسيط القابل للفناء في مدة معينة مع ما يخلقه الله تعالى بمطلق قدرته التي لا حدود لها .

بريشته يجول بك الفنان فائز في عالم النبات والإنسان والكواكب والفن ، لتصير لوحاته جنيْنات وحدائق تستجيب لكل الأذواق.

إن لوحات فائز الترابي لوحات متعددة بتعدد مواقفه إزاء الحياة والمجتمع ،ولأننا لا يمكن عزل الفن عن المجتمع لكونه من فنان يعايش هذا المجتمع فإن الفنان الصادق يظل متمسكا بقضايا هذا المجتمع في إبداعاته مفسرا وعاملا على التغيير نحو الأفضل. ففي أعمال فائز يمكنك قراءة الكثير ، فالألوان تحيل على أوصاف تضفي خلجات الأحاسيس العميقة إزاء المرسومات بوضعياتها وترابطاتها ضمن تركيبات إبداعية جميلة.

وفي لوحاته المتنوعة اهتمام بالترميز الذي يكسب اللوحة أبعادا تأويلية تختلف من مشاهد إلى آخر، ويأتي كل ذلك عبر خلفيات متنوعة يأتي بها بشكل يتجانس مع موضوعاتها.

ويبقى الفنان التشكيلي الجزائري محمد فائز ترابي فنانا مقتدرا يحترم فنه حين يجعله لا للإمتاع والجمالية فقط ، بل يجعله هادفا يفيد المشاهد ليصير وهو أمام لوحاته وكأنه يقرأ كتابا يحمل أفكارا ودلالات متعددة.

كاتب وتشكيلي مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here