لحسن ملواني: احتداد الصراع في رواية “الرقص على حبال المكر” للكاتب المغربي حسن بوفوس

لحسن ملواني

1 ـ توصيف عام للرواية :

صدرت الرواية في طبعة جميلة فاخرة عن مطبعة سليمي أخوين ـ طنجة يونيو 2018م.

بغلاق مريح للعين بتصميمه ولوحة غلافه وهي بريشة الفنانة التشكيلية حنان الريحاني.

وبعنوانها وإهدائها توحي بأحداث شائكة ستتقاطع وتتصارع فيها عبر شخصيات تجري لتحقيق مصالحها بشكل أو بآخر.

تتألف الرواية من 152 صفحة من الحجم المتوسط موزعة على أربعة عشر فصلا معنونة كالتالي : الفصل الأول :رحلة العودة الى طنجة ـ الثاني : أحلام اليقظة ـ الثالث :مصاحبة الأشرار ـ الرابع :الورطة ـ الخامس : بين العشاق ـ  السادس: البحث عن الهوية ـ  السابع: مشهد شاعري ـ  الثامن :حفل زفاف ـ  التاسع :لحظة شرود ـ  العاشر: شرود ـ  الحادي عشر: دفء المنزل ـ  الثاني عشر :تخيلات ـ  الثالث عشر: نوايا إجرامية ـ  الرابع عشر: نهاية مأساوية.

 وكل فصل من هذه الفصول مصَدَّر بتعليق أو خطاب مستخلص من التجارب المضمنة فيه، وهي خطابات تحمل فلسفة الكاتب ونظرته إلى الواقع وما يعتمل في ثناياه من أسرار ودوافع وعلاقة الأسباب بمسبباتها.

تَصدَّرَ الرواية إهداء عبارة عن قصيدة تحمل اضطراب الكاتب وانزعاجه وفورانه ،  وقدْ عبّر عن ذلك تعبيرا مفحما بخلجات الانفعال التي تساوره ، وهو يحاول بحركاته ورقصه أن يلفت الأنظار إليه قائلا : أريدكم أن ترقصوا معي ..على بنان أرجل يتيمة ..أن تستفيقوا..أن تقفوا ولا تستكينوا ..

إلى أن يقول : لا تستهينوا بي فقط ..أريدكم أن تميطوا اللثام..استثناء..لا تناموا بعد اليوم.

أما التقديم فقد كان بقلم الكاتب المغربي محمد البغوري الذي أشاد بالعمل ومهد له تمهيدا مشوقا لقراءته.

2 ـ عنوان الرواية : الرقص على حبال المكر

 عنوان حركي مثير ، فالرقص حركات، وكونه على الحبال فهو يحول الركض إلى الترنح والميلان مما قد ينتج عنه السقوط، وهو النتيجة التي يسعى إليها المكر والخداع. لذا فمفردتا ” الركض ” و”الحبال” تثير في المتلقي عدة دلالات كلها تدل على الخطر والمغامرة وتوقع السقوط لا محالة .

والعنوان بهاته الصيغة يحمل بمضمونه عامل التشويق الذي يعد العامل المحفز للقراءة بغية الكشف والاطلاع على ما تحيل عليه معطيات هذا العنوان… عنوان مُوحٍ بأحداث وتحديات يستدعي تجاوزها تساؤلات ستجيب عنها قراءتنا لأحداث الرواية.

3 ـ لوحة الغلاف :

تمثل اللوحة بُورْتْريهاً لامرأة أو فتاة بشعر أسود فاحم، تحدق بعيدا مركزة لبصرها على شيء أو أشياء محددة ، ولأن اللوحة ملونة بالأزرق وبتدرجات متناسقة ،فإن هذا الازدحام لهذا اللون الذي عمّ كل معطيات اللوحة حتى وجه وبعض شعر الأنثى ليقابلها في الجهة الأخرى ما يشبه أحجارا كريمة تتحرك متتابعة تخترق لُجة اللون الأزرق .

اللوحة بمختلف عناصرها تحيل على البحر ، وله حيز كبير في متن الرواية ، بل يُعتبر من الأماكن الرئيسية التي جرت فيه أو بجانبه أحداث لها وقعها على مجريات ووقائع الرواية ، كما أن البحر حظي بنصيب ملحوظ من حيث وصف الكاتب له معبرا عن أعماقه ورؤاه متخذا إياه عنصرا ترميزيا لما تحيل عليه الأحداث ومشاعره الدفينة.

إن العنوان واللوحة التي تحته مُوجِّهان أساسيان لقراءة الرواية لأنهما بوابتان تفتحان أمامنا سبلا تسيح بخيالاتنا ونحن نتصور العوالم التي سنرتادها عبر القراءة للأحداث المنتظرة.

4 ـ الحدث في الرواية : هدوء تأملي وصراعات متلاطمة

تحمل الرواية أحداثا تؤجج المتابعة وتذكي في نفسية القارئ حب اكتشاف الآتي والمقبل، وقد ساعد على ذلك أسلوب الكاتب الشفاف الذي يرسم الأحداث لتجعلك وقد قرأت الرواية تشعر وأنك تفرجت على مسلسل من أربعة عشر حلقة حافلة بأحداث مروعة تستمد جذورها من طبيعة ما جرى ويجري في المجتمع المغربي وغيره من المجتمعات الإنسانية.

تأسرك الاحداث بدءا من رحلة البطل عبد الله عائدا إلى طنجة ،رحلة ممتعة تكشف عن تأملاته في ما يصدر عن أفراد أسرة لينتهي به الأمر إلى طنجة حيث الجو اللذيذ والهواء المنعش الممزوج بندى البحر، وهناك سيتحاور مع أبيه بصدد مهنته وعمله وآماله في علاقة مع صديقته عائشة التي أرهقته بطلباتها المتكررة قبل أن يتعلق بنادية التي فتنته وقرر الزواج بها مما أغاظ عائشة ، وهنا ستدبر المكائد والخدع حتى لا يسعد بزوجته نادية التي شعر بنفسه مندفعا إليها بقوة قاهرة فريدة ، ولكون عائشة السبب في الدفع به لينخرط في عملية مخدرات تردد في قبول القيام بها في البداية لكون مسعاه يخالف مسعى عامة الناس وخواصها ،وهنا سيحلق عبر الحلم ليتصور الكثير من العقبات التي ستعترضه والمطبات التي سيسقط في حبائلها قبل النجاح في إنجاز المطلوب منه ، وتتطور الأحداث، ويرتبط بنادية متحديا تهديدات عائشة التي تزداد شراسة لحظة بعد لحظة ،ويحدث ما ليس في الحسبان وعبد الله يفكر في التخلص من عائشة بأية وسيلة إذ فوجئ الناس ومنهم عبد الله لما رأوا امرأة مكتوفة اليدين في حالة تبعث على الاستغراب والشفقة (وهي عائشة) ليتبعها رجال الإسعاف حاملين شخصا ملطخا بدمائه وهو عبد الملك الصديق الذي لازم عائشة مدة طويلة يبتزها ويعنفها.

وهي نهاية مفجعة تخالف وتكسر أفق انتظار القارئ، وتخلو الساحة والمجال لعبد الله الذي كان “همه أن يسعد بنادية عسى أن يكون له في حبها ما يهدئ به فورة ضميره “…يخاطب نادية أو يتخيل أنه يخاطبها” أيا نادية،اذهبي ، انشرحي ،ابسطي سلطانك العادل على هذه الخرائب،انتشلي من بين ركام الأحجار وأكوام الرمال جثتا متعفنة ،وانفخي فيها من محاسنك السحرية..” قال ذلك قبل أن يتجه إلى مقهى باريس كي يكتب قصيدة يعبر بها عما يجيش به صدره من أحاسيس إزاء نادية … وبوصف جميل لسكون البحر وجماله يختم الكاتب روايته.

تلك أهم أحداث الرواية ، وقد جاءت بأسلوب جميل يجعل القارئ المتفرج المتابع حتى النهاية ، ومن ميزة هذه الرواية تقديم الحدث تقديما حيا ديناميا يجمع بين دقة التصوير وانسياب السرد.

وكقارئ ،استمتعت بسردية الرواية ،علما أن المتعة في أي رواية ترتبط ارتباكطا وثيقا ليس بحبكتها فحسب ولكن بكيفية سرد الحدث في علاقته بشخصيات تفعل وتتحاور لتخلق صراعا دراميا يؤجج الحدث ويجعله حدثا ليس للصراع فحسب، ولكن لتجسيد حقيقة إنسانية بضعفها وقواها بنبلها وخِسَّتها ، وقد جسد الكاتب ذلك بصيغتين ،صيغة مقالية وتتعلق بتصديراته لكل فصول الرواية ، وصيغة سردية تتبدى في توقفه بين الحين والحين ليوقف تتابع الحدث بتعليق غير مباشر على الحدث السابق أو اللاحق وبذلك يمتزج ما  هو فكري بما هو سردي بكيفية إبداعية لا تعوق خطية وتطور الحدث، بل إن الكاتب كثيرا ما يفصل بين حدث وآخر أو بين فصل وآخر بمشهد كالذي يعمد إليه مخرجو الأفلام للفصل بين الأحداث الرئيسية .

وبين الانتقال من مكان إلى مكان ومن حدث إلى آخر في الرواية نعيش متعة مفعمة بالإثارة والتشويق بناء على صراعات وتناقضات توقدها وتؤججها المفاجآت التي تعتري عالم الشخصيات فتجعلها لا تصل إلى مبتغاها فيدفعها ذلك إلى مزيد من البحث والتفكير في مخارج ممكنة قبل أن تصدها مواقف معاكسة …كل هذا أكسب الرواية دينامية وجمالية آسرة تشد إليها القارئ وتجعله متعاطفا منتظرا تحقق احتمالاته إزاء ما يتجدد من أحداث.

ونعتقد أن تحقيق هذا الأمر مرتبط ارتباطا مشروطا بقدرة المبدع على الإيهام بحقيقة مفترضة لها ما يبررها في الواقع المعيش ، والحال إن رواية حسن بوفوس تجعلك تعود إلى الواقع كي تعيش الحدث بكل أبعاده بعيدا عن الاستغراب و الاستبعاد.

وما يثير في الرواية من بدايتها إلى نهايتها اعتمادها بوضوح على بطل عمد الكاتب إلى وضعه في محك الوقائع المتناسلة بسرعة وبحدَّة في ثنايا الأحداث ، فهو الطامح المتعدد العلاقات المحاول إنقاذ نفسه من رزايا ودنايا كثيرة مما جعله يعيش بين ضغط القيم وضغط تحقيق مطامحه المادية والنفسية ، لينتصر في الأخير وقد تفرغ لعلاقته بنادية التي ستعيد إليه استقراره الاجتماعي والنفسي. أحداث متكئة إلى حبكة متناسقة البناء عبر لغة شفيفة متناسقة تقرب بين السرد والوصف في ارتباط أنيق مساهم في إتاحة القراءة لكل الفئات بدل أن تصير لغة الكتابة النخبوية فحَسْب. ولقد جاء الحدث في الرواية متقاطعا بين الماضي والحاضر وما ينتظر أن يؤول إليه ،ومن هنا يجعلك الحدث تعيش الحاضر وسرعان ما تعود إلى الماضي كي تعود منه إلى الحاضر متأهبا إلى السفر عبر التوقع والافتراض لوقائع الآتي، ورغم ذلك فالكاتب متحكم في سيرورة مرسومة تجعل الحدث لا يؤثر عليه الاسترجاع والافتراض، فقد جعل الحدث الواقعي الذي تعيشه الشخصية في حاضرها هو الرئيسي الذي سيحافظ على وتيرة ومنحى الحدث نحو النهاية.

5 ـ الشخصية في الرواية : صراعات حامية

إذا كانت الشخصية من أهم عناصر العمل السردي فإن نجاحه يتوقف على حسن استغلال وتوظيف الشخصيات ، فهي الحاملة للأحداث والحاملة لرؤى يروم الكاتب السارد إيصالها إلى المتلقين.

وفي رواية حسن بوفوس يتضح التفاوت في ظهور الشخصيات ، فحيز الأحداث الكبرى كان من نصيب شخصية عبد الله الذي لا شك أنها تمثل السارد لكونها محملة بالمبادئ والتساؤلات والتأملات وكل ما يراه ينبغي أن يكون، مؤنبا أحيانا، ومترددا أحيانا ،ومقترحا أحيانا أخرى. علاوة على شخصية عائشة التي كانت صديقته لتصير عدوته وهو يهم بالارتباط والزواج بنادية مما أثار غضب وغيرة عائشة التي ستحيك لهما ما تستطيع من مكائد قبل أن تلقى مصيرها متهمة بالقتل. وتتميز شخصية عبد الله بالشخصية الرافضة لسلوكات وقيم وقع ضحيتها رغما عنه بينما تمثل عائشة الشخصية الممثلة للجانب المنهك من المجتمع المهضوم الحقوق المهمش المستغل من قبل ذاك وذاك مما حولها إلى شخصية تُظْلَم من قبل البعض وتَظْلِم بنفسها البعض الذي تجد فيه وداعة وتسامحا.

وبصفة عتمة فكل الشخصيات الواردة في الرواية لها مرجعية اجتماعية مغربية يمكن أن تجدها في جل أو كل مناطق المغرب بقيمها وصراعها السلوكي والمعيشي المضي إلى التصالح والإجرام أحيانا.

6 ـ تعليق عام

رواية “الرقص على حبال المكر” رواية جميلة بتركيبتها وبأسلوبها السهل الممتنع وبشخصياتها المتصارعة في أمكنة أتقن الكاتب وصفها وتقريبها إلى القارئ ليعيش لحظات أمامها متخيلا ما يجري عليها من أحداث مشوقة.

( كاتب من المغرب)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here