لحسن اوزين: تجذير سؤال الديمقراطية

لحسن اوزين

في ظل غياب الكثير من المعطيات عن الكتابات العربية حول الصيرورة التاريخية الاجتماعية لحركة تطور المجتمعات، في عواملها وسياقاتها ومختلف اشكال المسارات التي سمحت بها البنى الاجتماعية والصراعات المجتمعية محليا، وفي اطار التفاعل الكوني لوحدة التاريخ العالمي الذي فرضته الرأسمالية يصعب جدا فهم التحولات التي نعيشها راهنا سواء في ” العالم الثالث” ونعني هنا الربيع العربي :السترات السوداء او في الدول المتقدمة ونقصد السترات الصفراء. وعندما يصعب الالمام و الفهم يتحول كل ما يسمى بالإنتاج الفكري العلمي والنقدي…، الى مجرد هباء منثور.

اننا ازاء تاريخ واحد في نزوعاته الكونية نحو الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة والمساواة…، حيث كل الفكر الاستثنائي والهووي والخصوصي والطبيعي…، مجرد تمثيلات ايديولوجية مقصودة بدوافع مصلحية سياسية واقتصادية، أو انها تعبير عن الاطار المعرفي الضحل لتركيب اجتماعي معقد لا يمكن صاحبه من الالمام بكل الخلفيات والاسس والشروط والسياقات المتحكمة في جدل التحولات عالميا ومحليا، فيتخذ مسار نكران الواقع شكلا  للمقاومة له اسلوب رد الفعل من خلال الانكفاء على الذات التي ضخمها هذيان انقطاع الحبل السري عن الواقع الحي.

فكيف يمكننا محاولة مقاربة وفهم نسبي لما يحدث في واقع السترات السوداء( داعش وأخواتها، الحشد الشعبي، حزب الله…) وواقع السترات الصفراء، وما نوع جدل العلاقة بينهما في إطار وحدة التناقض للمصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

1 / افلاس الدولة العضوية

انسجاما مع ضرورة استرايجية الكتابة لمقال بسيط سنكتفي بتقديم جزء من معطيات سريعة تنقصها الملفات الميدانية للدراسات والابحاث العلمية في اطار اسئلة حقيقية للعلوم الاجتماعية بمقاربات متعددة تأخذ سائر الوجوه في الصيرورة التاريخية للمجتمعات بعين الاعتبار، موسعة زاوية المنظور دون تحيز ايديولوجي  حتى تتمكن من رؤية تفاعلات جدل العلاقات بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والايديولوجية.

بعد تراكم تاريخي اقتصادي اجتماعي سياسي لتجربة دولة الاستقلالات والانقلابات: ” ثورات الخمسينيات” تأكد بالملموس الفشل الفاضح للدولة الشعبوية ذات الخطاب الإجماعي العضوي الساحق للتنوع والتعدد والاختلاف في تحقيق التحول البرجوازي نحو الحداثة، التي بقيت حبرا على ورق في مستواها القانوني والمساواتي في انبثاق الفرد المواطن الحر، وتحويل العلاقات الاجتماعية القديمة ذات الروابط الجماعية الطائفية والاثنية والقبلية العشائرية، وتأسيس تجربة الحكم المباشر لدولة القانون والمؤسسات بمعزل عن الثقافة السياسية للزعامات المناطقية والطائفية للأسياد والاعيان…، حيث لم تستطع الخروج من المأزق السياسي للملاك الكبار للأراضي والعقارات والتجار والصيارفة ولكل اشكال الانتاج المدعمة للبنى والعلاقات الاجتماعية قبل الرأسمالية، ومعاودة انتاج نفس التراتبات والبنى الطبقية تكريسا لجدل القهر السياسي في العلاقة بين الانتاج والسلطة، بين الدولة والمجتمع، او بين الدولة والطبقات، معتمدة على التحالفات المصلحية الضيقة مع الخارج بأسلوب تبعي يمنع التحول في البنى والصراعات المؤسسية الداخلية لجدل السياسة بين فئات المجتمع وطبقاته، كما لم تستطع استثمار فترة الحرب الباردة وما ميزها من تجاذبات حيوية اقتصادية اجتماعية وجيوسياسية، وربط التفكك الاجتماعي للسكان الذي سببته تحولات البنى الاقتصادية الاجتماعية بعد هجرات كبيرة للفلاحين الفقراء والمهمشين في وضع أقرب الى العبيد والاقنان، في مرحلة الكولونيالية ونظم الاستقلالات. وبدل استثمار النهوض الشعبي في البناء وخلق المشاريع التنموية وادخال معايير اقتصادية واجتماعية وسياسية وقانونية جديدة بما يلائم تطلعات وطموحات شعوبها، لجأت الى نوع من الاجماع العضوي في نوع من التماهي بينها وبين الامة والوطن والشعب الواحد، مانعة التمايز والاختلاف والنقد والمعارضة، بل الاكثر من ذلك أبدعت في تأسيس دولة المخابرات، التي لم يخلق مثلها في البلاد، تنفذ عبر مسامات المجتمع في تكوين احزابها ونقاباتها وتأطير الطفولة والشباب والثقافة والاعلام…، مشددة قبضتها الامنية وفق ثقافة الولاء الابوية للحزب، أو العائلة والفرد الحاكم.

لم يكن ممكنا للدولة العضوية هذه التي اتخذت من العنف السياسي بمختلف اشكاله من الايديولوجي الى الهدر المباشر لحياة الانسان ان تستمر هي وحدها الى الابد– كما يعتقد الزعماء بالوكالة للسترات السوداء للديمقراطية- متكئة على ذراعها القهري في القمع والقتل والتهجير القسري .  صحيح ان النموذج الامثل للدولة العضوية الذي كان يضرب به المثل من قبل دوائر الاعلام السياسي المالي للغرب في تحقيق ارقام مثالية  في النمو – تونس مهد الربيع العربي- استطاع نظامها من حيث لا يدري ان يعبئ وعي الشعور العام الوطني للفئات المجتمعية المتشظية سياسيا واجتماعيا، تحت وقع القهر السياسي والتحولات البنيوية التي أتت بها السياسات النيوليبرالية، أن يعبئها ضد ترف وثراء عائلي فاحش للأقلية، وبؤس للأكثرية مع اغلاق تام لأية حركية مجتمعية، مع قتل الامل لأية فئة اقتصادية صاعدة او لنواة سياسية معبرة عن تذرر وتفتت المجتمع الذي يزداد اعتصاره في قدراته الانتاجية والمعيشية وفق منطق التتجير الاستهلاكي الذي يكن عداء لتنمية السوق المحلية، و توسيع وتقوية العلاقات الانتاجية، خاصة الصناعية بما يسمح باستفادة اكثر فئات المجتمع من رفاه النمو،  وهي ترى بوعي حاد كيف تحتكر اقلية النمو الفاحش بعيدا عن تنمية حقيقية للأغلبية، هذه هي شروط الثورة التي يجهلها المتشككون في الربيع، اي ليس الفقر وانما  وعي الشعور الشعبي باحتكار وتمتع الاقلية بتحسن النمو الاقتصادي. هذه هي خلفيات سيرورة حركة الربيع العربي في طموحها نحو الكرامة والمساواة و التنوع والتعدد والاختلاف المنمي للفرد والمجتمع المدني الحقيقي، والى الحرية والعدالة والدولة الحديثة، انها السيرورة التي لم تنشأ من فراغ في بحثها السياسي العفوي والاجتماعي الاقتصادي عن الديمقراطية الحقيقية وهي تواجه السترات السوداء للديمقراطية  : أولا  بمواجهة الدولة العضوية التي خنقت أنفاس المجتمع واغلقت كل المنافذ في وجه البنى الطبقية معتقدة إلغاء كل الصراعات والنزاعات الاجتماعية، كما اعاقت كل التوافقات لتحرير التركيب الاجتماعي من القيود الاجتماعية القديمة والبنى الاقتصادية والسياسية الايديولوجية لما قبل الحداثة، و تحقيق التحول البرجوازي الذي يسمح بتكوين الاليات السياسية والاقتصادية للتغييرات الثورية الجديدة. ثانيا السترات الاكثر حلكة للديمقراطية النيوليبرالية في آلياتها الاقتصادية والسياسية والمالية والعسكرية والاعلامية وفي مراكزها البحثية والعلمية المخصصة لإعادة انتاج الاشكال السياسية للسيطرة والهيمنة، انطلاقا من الاشكال الايديولوجية في اخفاء علاقات النهب والسطو الاقتصادي الجارية، وتدعيم الفساد السياسي والاقتصادي لنظم الاستبداد، والتستر على سلخ القيمة الانسانية للشعوب، و في حالات اخرى المشاركة باليد الخفية في خلق الفوضى وتفكيك المجتمعات، و في التلاعب بمؤسسات المجتمع الدولي التي من وظائفها حماية الشعوب من الجرائم ضد الانسانية. ثالثا السترات السوداء للإرهاب الديني، أي الوجه البشع الاكثر ظلاما للديمقراطية الغربية  الذي يعمل على التدمير الذاتي للمناعة المجتمعية والوطنية، بخلق عصابات المجتمع القبلي بأقنعة دينية ا تحول دون الانتقال من الدولة العضوية الى الدولة الوطنية الحديثة .

صحيح بان الشر داخلنا، لكن ليس في خصوصيتنا واستثنائيتنا وما يسمى هويتنا الناجزة النهائية التي نحملها في جيناتنا أبا عن جد، بل حاضنة ذلك الشر هي البنى الاجتماعية الاقتصادية السياسية للدولة العضوية، او بتعبير أدق دولة المخابرات التي سميت خطأ الدولة العسكرية، بالأساس التي تطابق الوجه البشع الاسود للديمقراطية الغربية في تاريخها الكولونيالي الذي بلغ حد الابادة في الكثير من المستعمرات، الى هيمنتها وسيطرتها واستغلالها للشعوب التواقة الى القيم الانسانية بما في ذلك الديمقراطية.

2 / تجذير سؤال الديمقراطية

لم تكن تحولات الدولة العضوية في أوربا اكثر رحمة بشعوبها فلو تأملنا مثلا الوقائع السياسية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفرنسي قبل الثورة1789 وبعدها لتأكد لنا العدد الهائل من الضحايا والصراعات الثورية والمضادة الثورة التي شملت اغلب التراب الفرنسي ولأصبنا بالصدمة الانسانية ونحن نتعرف عدد الاعدامات التي نفذت الى درجة قال بعض المؤرخين بان تاريخ الثورة الفرنسية كان تاريخ حروب اهلية ” اعتبر معاصرو الفترة ان سلطات البوليس 1789 كانت لا شيء بالمقارنة مع الوزن الذي حظيت به في السنوات اللاحقة للثورة. فخلال الصراعات المريرة ازداد دوره اضعافا مضاعفة… فقد تركت للبوليس السياسي مهمة الحصول او بالأحرى اختراع ادلة ادانة المتهم. وكانت مهمته اعتقال الافراد واجراء التحقيقات الاولية الى جانب المحاكم الثورية” . نريد من هذا توضيح اشكالية هامة وهي انه لا علاقة للشكل القانوني والسياسي والاقتصادي الاجتماعي للديمقراطية راهنا بالطبقة البرجوازية التي تم ربطها خطأ كطبقة نقية مثالية طهرانية، بالتفتح الابداعي الخلاق والتنوير والعقلانية…بمعنى ان الديمقراطية ماكان لها ان تكون علاقات اجتماعية ونمط تفكير ورؤية للعالم وعلاقة جديدة بين الانتاج والسلطة والفئات المجتمعية الا بعد معارك شرسة ضد الجوانب السوداء للديمقراطية في وجها القانوني المتحايل ايديولوجيا، او في وجهها القمعي العاري من اي مبدأ  أخلاقي. انها  حصيلة التحولات والتغييرات الثورية التي لم تلعب فيها البرجوازية ذلك الدور الرائد الذي روج حول صيرورتها الطبقية خلال مرحلة التحول المجتمعي نحو الحداثة ثم تطورها الرأسمالي، بمعنى ان هناك تاريخ أسود للتحول البرجوازي من الدولة العضوية الى الدولة الحديثة الديمقراطية، في سياق الاليات السياسية والاقتصادية للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية، في حق شعوبها، وقد تفاوتت حدته وشدته ومدته، لذلك لا يمكن ان نستغرب وجهها الدموي المظلم اثناء توسعها الرأسمالي الكولونيالي والامبريالي، في الاحتلال و القتل والابادة، أو راهنا في تحالفها مع الانظمة الشرسة الديكتاتورية سواء في دعمها و صنعها عبر الانقلابات المخابراتية، أو في صناعتها للجماعات الارهابية. ان ما تتحايل عليه الايديولوجيا في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلدانها تعريه الجوانب السوداء للديمقراطية في بلداننا والسترات السوداء احدى التمظهرات لذلك الوجه البشع للعنف السياسي الاعلامي والاقتصادي والعسكري في ظلام صراع المصالح النيوليبرالية، ليس فقط في بلداننا، بل أيضا  في الغرب، في ارتدادها عن المكتسبات الديمقراطية لشعوبها . هذه الجوانب المظلمة للديمقراطية الغربية، بما في ذلك السترات السوداء لا ينبغي اختزالها في المستوى الديني، تعري ما تحاول التستر عليه في بلدانها بفعل عوامل كثير على رأسها الثقل التاريخي الاجتماعي للتغيير الثوري، الذي اشرنا اليه سابقا، المؤسس  للمعايير القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للديمقراطية التي لم تكن هبة من طرف طبقة ولدت نقية طاهرة متفتحة عقلانية ومتنورة…،بل هي نتيجة صيرورة بنى وصراعات اجتماعية كلفت الكثير من التضحيات والدماء. لذلك يمكن اعتبار السترات السوداء للديمقراطية التي تطابق المتخيل الإستشراقي بمثابة الوجه العاري لما تخفيه السترات الصفراء للديمقراطية تحت غطاء “قمع مرن حضاري”.

يبدو ان النيوليبرالية وصلت بالشعوب الاوربية الى وضع فرداني سياسيا، اي معزولة عن تضامن أفقي يعبر حقا عن اتحاد اوربي، كما لو كانت الضغوط الشعبية في حالة من التشظي وهي ترى السقف السياسي الاقتصادي الاجتماعي له طابع الانغلاق في وجه الحراك الاجتماعي، والمانع لظهور آليات سياسية واقتصادية بديلة تحمي مكتسباته وتمنحها أفقا اكثر كرامة وعدلا وديمقراطية، وتسمح بإفراز تعبيرات سياسية تطابق تطلعات الاحتجاجات الشعبية. ومع ذلك لتحولات البنى الاجتماعية الاقتصادية كلمتها في دعم الضغوط المجتمعية.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. مقال رصين جدا ولغة غاية في الجمال والبلاغة.
    لو تسمح هل هناك فعلا مسار واحد وصيرورة واحدة لكل المجتمعات أم الرأسمالية تحاول خلق هذا القالب المسمى بالديمقراطية النيابية وجعله أرقى ما يمكن أن تصله المجتمعات رغم ما أبان عنه من نقائص ومفارقات وما انتجه من أنساق سياسية أحيانا بعيدة كل البعد عن التوجه العام للمجتمع ومصالحه بل يخدم لوبيات اقتصادية تعرف كيف تحرك خيوط اللعبة. أليس تجارب مجتمعية أخرى رغم نقائصها تستحق الوقوف عندها وهنا أخص بالذكر التجربة الصينية وكذا الفيتنامية الصاعدة وما حققته من معجزات اقتصادية ستغير الكثير في موازين القوى الدولية وربما ستقود العالم بأقل كلفة وحروب كما تقوم به القوى التي تقود العالم الآن.
    في النهاية أرفع لك القبعة احتراما على هذا المقال وأتمنى أن أكون محظوظا للعثور على مقالاتك أو كتبك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here