لبنان في قلب الصراع الإقليمي وأزماته تتصل بتحديد هويته الوطنية

د. جهاد صعب

اذا سقطت سوريا، ضاعت فلسطين” موقف اطلقه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في بداية الأحداث في سوريا مطلع العام 2011. هذا الكلام الذي عجز كثير من الفلسطينيين، بمن فيهم مقاومين، عن فهمه حينها اصبح اكثر وضوحا بعد تبلور صفقة القرن. ان صفقة القرن ليست نزوة او تسلية اميريكية اسرائيلة وإنما خطة وجدت لتفرض على من يعترض عليها وكأنها قدر مبرم اذ لا إرادة لضعيف امام قرار القوي.

يشكل حزب الله قلب محور المقاومة العملاني، فيقع على عاتقه امداد المقاومة الفلسطينية بالسلاح وتنسيق المواقف بين مختلف الفصائل العراقية المنضوية بهذا المحور ووضع الخطط التي تزيد الضغوط على الجانب الاميريكي من اجل طرده من العراق وخصوصا بعد اغتيال القائد سليماني وما ذكرته وكالة رويترز من تسلم القيادي في حزب الله الشيخ محمد كوراني مهام سليماني في العراق، كما وتقع على عاتقه ايضا مهمة تدريب القوات السورية الرديفة وقيادة هجماتها في سبيل تحرير الأراضي السورية من المجموعات الإرهابية، دون ان ننسى طبعا دوره السياسي في لبنان القاضي بتفعيل الحوار مع مختلف القيادات اللبنانية لتامين الحد الأدنى من الاستقرار السياسي وضمان عمل المؤسسات الدستورية الى جانب دوره الرادع للعدو الاسرائيلي من خلال تراكم القدرات العسكرية والجاهزية للتصدي لاي اعتداء.

والسؤال الأبرز هنا، كيف لدولة اقتصادها مدولر وكثير من مجتمعها ينتمي الى النمط الغربي في طريقة الحياة وفي الفكر الاقتصادي، كيف لها ان يكون حزب كحزب الله جزء من تركيبتها، بقوته الشعبية والسياسية والعسكرية، بما يمثل من تهديد وجودي على اسرائيل وتهديد للمصالح الاميركية في المنطقة. فحزب الله لم يخف نيته تحرير الجليل كمرحلة أولى ولم يخف نيته طرد الاميركيين من كامل الشرق الأوسط كرد على اغتيال القائد سليماني مطلع العام الحالي، اضافة الى عمله الدؤوب الذي يقوم به في مختلف الجبهات من اجل إسقاط صفقة القرن.

ان حزب الله هو العدو الاول لإسرائيل وأصبح بشكل اوضح عدوا لاميريكا لذلك نحن في لبنان في قلب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط والتي تتنوع وسائلها فتبدا إعلامية، اقتصادية لتصل الى الفوضى فيما الاميريكي يراقب التطورات فاذا ما ضعف عدوه صعقه بالضربة القاضية.

ان تطور الحرب الاميريكية على حزب الله بدات منذ اغتيال الرييس رفيق الحريري بتشويه إعلامي اعترف به سفير أميركا السابق في لبنان جيفري فيلتمان ومن ثم عمل على فتنة مذهبية وصولا لمحاولة عسكرية اسرائيلية في العام 2006 بهدف سحق حزب الله وطرد بيئته من جنوب الليطاني بشكل نهائي ومن ثم أتت حروب الجماعات التكفيرية وقد استطاع حزب الله التغلب عليها جميعا وتجاوزها رغم بعض الجراح التي إصابته، وبعدها او خلالها كان هناك حصار اقتصادي على بيئته وداعميها من رجال الأعمال الناشطين في أفريقيا، الى ان شحت التحويلات المالية القادمة من الخارج.

 نحن في لبنان في قلب المعركة والصراع الإقليمي وان لم يكن باستطاعة احد الادعاء بان الأزمة المالية في لبنان سببها الاميركيون بل سياسيون لبنانيون فاسدون الا اننا نستطيع ان نرصد مباركة اميريكية لسياسة الاستدانة التي اعتمدها الاقتصاد اللبناني على قاعدة اذا رأيت عدوك يهدم منزله فلا باس من ان تهديه مطرقة. كذلك، اذا كانت أميركا غير مسؤولة عن أزمتنا اللبنانية فانها قادرة على منع الإنقاذ من خلال ضغوط تمارسها على دول خليجية وأوروبية لمنع المساعدة وكذلك من خلال تكثيف الضغوط السياسية والمالية لمنع التحويلات الى الداخل اللبناني. ان ما تريده أميركا من لبنان واضح:

1- توطين الفلسطينيين 

2- توطين او بالحد الأدنى تأجيل عودة النازحين السوريين الو وطنهم

3- التخلي عن مزارع شبعا وترسيم الحدود البحرية بما يمنح اسرائيل كامل البلوك رقم 9 من غاز لبنان في المتوسط

4- إنهاء الدور العسكري لحزب الله.

باختصار، تريد أميركا من لبنان الاستسلام لسياستها في الشرق الأوسط وفي المقابل لن نحصل منها على المن والسلوى وجل ما قد تقدمه أميركا هو رفع الضغط عن لبنان ليحل مشاكله الاقتصادية والبيئية والسياسية بما تحكمه المعادلات الداخلية.

 

ان ما يجري اليوم هو دخول للاميركيين وحلفاؤهم (أدواتهم ) المحليين والإقليميين الى قلب الوضع اللبناني من بوابة الحراك المطلبي المحق بهدف فرض البنود الاميريكية  -الاسرائيلية الاربع وضرب حزب الله على مرحلتين. المرحلة الاولى تقضي بتهشيم حليفه ميشال عون والتيار الوطني الحر وقد بدأت حملة إعلامية ناجحة ضد رئيس التيار جبران باسيل وتم تصويره كفاسد وطائفي وعنصري. وقد نجحوا الى حد بعيد، فبعد ان كان باسيل نجم المحطات التليفزيونية ويكاد لا يخلو يوم الا وكان له ظهور إعلامي، فقد تغيب عن الشاشات منذ بداية الحراك وأصبحت تصاريحه نادرة وناعمة بعد ان كانت متحدية وواعظة. وسياتي الدور على ميشال عون بشكل اكبر وأقسى وصولا للمطالبة باستقالته وهذا ما مهد له وليد جنبلاط بعدة تصريحات في هذا الشأن خصوصا بعد ما اشيع عن زيارة لجاريد كوشنير للبنان لفرض الإملاءات الاميركية عليه وقد تم تأجيلها بناء لنصائح حلفاء محليين وإقليميين الى ما بعد الحملة الشعبية والإعلامية على رئيس البلاد. وتبيانا للحقائق، اود ان أورد بعض الأرقام التي تستبق هذه الحملة:

قبل عهد ميشال عون صنف لبنان بين الاسوا في العالم في المديونية التي بلغت 139٪؜ من الناتج الوطني وكانت قيمة الدين تقارب ال 74 مليار دولار ونسبة النمو 1٪؜ فيما سجل نمو الدين في سنوات العهد الثلاث 15٪؜ هي نتيجة فوائد الدين السابق بينما بلغت نسبة نمو الدين في السنوات الثلاث قبل العهد 20٪؜. ومجمل الدين العام حصل قبل العهد الذي ورثه ميشال عون ويعمل على ادارته ضمن صلاحيات متواضعة وتقع معظمها في مجلس الوزراء.

سيتم تصوير عهد ميشال عون كعهد فاشل، عهد الأزمات والفوضى والانهيار وسيعمل اصحاب العهر السياسي من سارقي البلد على تحميله اثام ما ارتكبت أيديهم، وقد يبدو كذلك مقارنة بوعود الرئيس لشعبه من بيئة نظيفة وحق بالكهرباء والماء والصحة والرعاية الاجتماعية ودولة إلقضاء العادل والقانون، ولكن الأحلام والمشاريع تبنى انطلاقا من اننا نقف على ارضية ثابتة اما عندما تتخلخل الأرضية تحت اقدامنا فالأولويات محكومة بالتغيير ولذلك سارى عهد ميشال عون من اكثر العهود نجاحا فيما لو استطاع الصمود امام الضغوط الاميركية والمحافظة على المسلمات السيادية. فمنع التوطين إنجاز وعودة النازحين إنجاز وعدم التفريط بأراض لبنانية وثروة نفطية وغازية هو إنجاز فعمر الأوطان لا يقاس بعمر جيل او جيلين. اذا كان جيلنا يحلم بيئة نظيفة وطفرة اقتصادية واستقرار اجتماعي وعدالة وقانون فان الأوطان تبني احلاما لأجيال والتمسك بالثوابت والدفاع عنها وبناء قرار وطني مستقل والدفاع عن الكرامة الوطنية هي اهم من كل مقتضيات الحياة اليومية. ولا خيار امام اللبنانيين والجنوبيين خصوصا بين التجويع والكرامة، ببن الحصار والمقاومة، فالسلاح في الجنوب هو امتداد للذراع ونزعه او انتزاعه هو بتر لعضو من أعضاء الجسد وقد علمتنا التجارب مع العدو الصهيوني ان السلاح يحمي الحدود ويصون الكرامة ولن يكون هناك خيار بين ان نجوع او ان نبتر يدنا، ذلك ان صراعنا معه هو صراع وجودي فبالامس القريب عام 2006 اراد طردنا الى ما وراء الليطاني واحتلال ارضنا ومصادرة املاكنا ونهب ثرواتنا ولولا قوتنا لاستطاع استباحة كل شيء في الجنوب. مع ذلك لا بد لنا ان نتعلم بان كما للسلاح دور في وجه العدو الخارجي فان مواجهة الفاسدين ضرورة قسوى للدفاع عن كرامة الانسان وان نعترف بان مهادنة الفاسدين وغص الطرف عنهم والتحالف الانتخابي معهم كان خطيئة كبرى فكما قال السيد نصرالله: الفاسد كالعميل لا دين له، بذلك وجبت مقاومته كما قاومنا عملاء لحد.

اخشى ان المرحلة الثانية ستكون مزيدا من الضغوط بمسميات إنسانية تتعلق بحياة اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين في لبنان تمهيدا لتوطينهم وهذا ما قد يحمله كوشنير في زيارته المتوقعة للبنان التي يجري الحديث عنها وعند عدم الاستجابة ستكون الفوضى بدا من العمل على اسقاط الرئيس وصولا لتقصير ولاية  المجلس النيابي بهدف تغيير الاكثرية الحالية بعد ان يكون الاعلام والمال قد فعلا فعلهما في الراي العام اللبناني.  كل هذا يعمق انشغال حزب الله في الساحة الداخلية مما يفاقم الأعباء عليه اذا ما أضفنا انشغالاته بملفات إقليمية  لا تقل صعوبة وتعقيدا،  نقول هذا لكننا على يقين بانه كما نحن نجلس على ارض متحركة غيرت من اولوياتنا فان الاميركي يجلس على ارض غير ثابتة قد تغير اولوياته، فما يحدث من تطورات عسكرية متسارعة  في افغانستان سيتبعها تطورات عسكرية في العراق وسوريا سيجعل الخيارات الاميريكية اكثر صعوبة سواء على مستوى لبنان او على مستوى المنطقة.

أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here