أمين بوشعيب: لا عزاء لمغاربة العالم.. والعدالة والتنمية تنكر لجميع وعوده

 

 

أمين بوشعيب

    كل انتخابات والحكومة المغربية بخير، وهي تهنئة بأثر رجعي وتشمل جميع المناسبات التي أخلفت فيها حكوماتنا المحترمة مواعيدها وعهودها مع مغاربة العالم. فكلما جاءت حكومة رمت بالكرة إلى التي تأتي بعدها، وهكذا دواليْك.

    الحكاية وما فيها، أن المغاربة الذين غادروا بلدهم لأسباب مختلفة، وأقاموا هناك في بلد المهجر، لم ينسوْا وطنهم الأم، وبقُوا متعلقين به، يزورونه كلما أتيحت لهم الفرصة. وأكثر من ذلك، فقد كانوا يعملون ويجدّون في العمل لتوفير المال لإرساله إلى ذويهم، أو استثماره في المغرب. هكذا هي علاقة مغاربة العالم مع الوطن ومع إخوانهم المغاربة، علاقة تتّسم بالود والتعاون والتضامن، يتابعون أخبار الوطن وأحواله الاقتصادية والاجتماعية، ويهمّهم كذلك أوضاع الوطن السياسية، ويمنّون النفس أن تكون لهم مشاركة مباشرة في تسيير الشأن العام.

    وعندما أعلن العاهل المغربي محمد السادس يوم 06 نونبر2005 في خطابه بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء عن قرارات هامة تستجيب للمطالب السياسية لمغاربة العالم، اعتبروه يوما تاريخيا يجب أن ينقش في الذاكرة المغربية، ويتعلق الأمر هنا بتمكين مغاربة الخارج من أن يكون لهم ممثلون في البرلمان وإحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتصويت والترشيح في الانتخابات وإحداث مجلس أعلى للجالية المغربية في الخارج.

    وذهبت سنة وجاءت أخرى، ومغاربة العالم يتنظرون، دون جدوى، إلى غاية سنة 2011، حيث استطاع الشعب المغربي إرغام الدولة تأسيس دستور جديد، وكان لمغاربة العالم فيه نصيب، حيث تمّ فيه تكريس إقرار حقهم في المشاركة السياسية، في الفصل 17 منه الذي نصّ على: “تمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات”، “ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية”، حينذاك استبشر مغاربة العالم خيرا، وظنوا أنّ أول حكومة ستتشكل بعد الدستور الجديد، سيكون لها شرف تفعيل القرارات الملكية، واحترام الدستور الذي يعتبر أسمى قانون في البلاد.

    ومنذ ذلك اليوم التاريخي، لم يتحقق شيء من تلك الوعود، وإن كان تمّ تأسيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، بموجب الظهير الملكي رقم 1.07.08 بتاريخ 21 دجنبر 2007. فإن أداءه كان باهتا وحصيلته كانت صفرا على صفر، لأن مغاربة الخارج لم يجنوا منه أي شيء. وهذا بشهادة أحد أعضاء هذا المجلس.

    نحن الآن في سنة 2021 والحكاية لم تنتهِ بعد، وها هي الانتخابات على الأبواب، وليس هناك ما يشير إلى أن الحكومة ملتزمة بتطبيق ما جاء سواء في الخطاب الملكي، أو ما جاء في دستور 2011، ولعل مضمون مشروع القانون التنظيمي رقم 04-21 المتعلق بمجلس النواب، والذي لم يرقَ إلى مستوى تطلعات مغاربة العالم في ضمان تمثيلية سياسية حقيقية للمغاربة المقيمين في الخارج. فإلى متى سيبقى أكثر من خمسة ملايين من مغاربة العالم خارج المؤسسات التي تبلور السياسات العمومية وتقوم بوظيفة التشريع والمراقبة؟ وإلى متى سيبقى هذا الملف رهينة للمزايدات السياسوية تتقاذفه أرجل الحكومات المتعاقبة في معترك الميدان السياسي؟ يتساءل مغاربة العالم بحرقة وحسرة.

    المغاربة المقيمون في الخارج لا يطلبون المستحيل، إنهم يطالبون في إصدار توصيات تمكّنهم من تمثيلية سياسية داخل مجلس النواب، ومجلس المستشارين. ويطالبون بتوصيات تمتعهم بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات” كما ينص على ذلك الفصل 17 من الدستور المغربي. هذا ما يطالب به مغاربة العالم، وهذه هي المساواة الحقيقية التي ينشدونها، دعما للتجربة الديمقراطية المغربية والمساهمة الفاعلة، في التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية

    لكن يبدو أن هذه الحكومة، وكذا الحكومات التي قبلها تصرّ إصرارا – وبنيّة مبيّتة- على إقصاء مغاربة العالم وحرمانهم من حقهم في التصويت والترشيح في الانتخابات، وبالتالي منعهم من حقهم في التمثيل في المؤسسات الدستورية. بيْد أن هذه الحكومة والتي قبلها، تتحمّلان المسؤولية الكبرى في ذلك، لأن الحزب الذي ترأسهما كان من أشدّ المدافعين على المشاركة الفعلية لمغاربة العالم في الانتخابات، وذلك منذ مذكرته الأولى سنة 2002، إذ كان يعتبرها ورقة ذات أولوية في برنامجه الانتخابي، لكنه بمجرد الصعود إلى الحكومة، نكص على عقبيه، كما فعل مع باقي الوعود الأخرى التي بنى بها مجده الانتخابي.

    وبكلمة، فلا عزاء لمغاربة العالم، إلا بتغيير جذري داخل الأحزاب السياسية واستعادتها من قادتها الفاسدين، وتحويلها إلى إلى مؤسسات مبنية على الديمقراطية والمحاسبة والمسؤولية، تلبّي تطلّعات الشعب المغربي وشبابه، وتتيح لهم جميعا المساواة في الحقوق والواجبات.

    فلاش: الزلزال الذي ضرب بيت حزب العدالة والتنمية المغربي كان متوقعا، إذ أن هناك شبه إجماع على أن هذا الحزب الأغلبي الذي قاد الحكومة المغربية لولايتين متتابعتين، لم ينجح في تحقيق أية خطوة في مسار الإصلاحات الكبرى التي أعلن عنها. وعد المغاربة في برنامجه الانتخابي بمحاربة الفساد والاستبداد، فإذا به يرفع الراية البيضاء و”عفا الله عما سلف” و “كفى الله المؤمنين شر القتال”. وعد المغاربة بمحاربة الفقر، عن طريق إصلاح صندوق المقاصة، فلم يرَ المغاربة من ذلك سوى الارتفاعات الصاروخية في أسعار النقل الطرقي وجميع المواد الاستهلاكية الأخرى. وعد المغاربة بمحاربة البطالة عن طريق خلق مئات الآلاف من مناصب الشغل، فإذا بالشباب المغربي يركب قوارب الموت في هجرة جماعية هربا من جحيم البطالة. وعود كثيرة وكثيرة، كانت حصيلتها هزيلة… والحقيقة أن الشعب المغربي قد يتغاضى عن هزالة هذه الحصيلة، ويلتمس له العذر في ذلك بدعوى حداثة عهده بتسيير الشأن العام، لكن ما لا يمكن للمغاربة أن يغفروه له – ولكل المطبّعين- هو الخزي والعار الذي جلبوه للمغرب بقبول زعيمهم التوقيع على اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي سيبقى وصمة عار على جبينهم وعلى جبين كل مطبِّع إلى يوم الدين.

 كاتب مغربي مقيم في ايطاليا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. رد على تعليق “متتبع”
    أخي الكريم، سؤالك الاستنكاري حول حق المغاربة المهاجرين في المشاركة السياسية والتصويت داخل وطنهم الأم يجيبك عنه الفصل 17 من الدستور المغربي الذي صوّت عليه المغاربة سنة 2011 وقد تكون أنت واحدا منهم. وكما تعلم فالدستور هو أسمى قانون في البلاد ويجب تنزيله على أرض الواقع. لهذا وكما بيّنت في المقال، فحق تصويت مغاربة العالم فهو مطلب ملكي ورغبة عبّر عنها العاهل المغربي في خطاب 6 نونبر2005.
    أخي الكريم، إن شعور المهاجر وهو يزور وطنه لا يمكن وصفه، ولا يمكن أن يحسّ به إلا من ذاق مرارة الغربة. وهذا الشعور لا يخضع للمزايدات. كما أنه لا يمكن الطعن في ولاء المغاربة لوطنهم، لأن الولاء -حسب رأيي- ليس سلعة تباع وتشترى في الأسواق، إنه عقيدة ونبض إحساس دائم تجاه الوطن. أما اعتبار الولاء للوطن الأم محط شبهات، فهذا لعمري محض افتراء، ليس على أرض الواقع ما يثبته.
    نعم أنا متفق معك حول بناء المجتمعات الذي يتم بالتشبث بالأوطان، وبالعمل الدؤوب، وهذا ظنّي في مغاربة الخارج، وإن كان هناك من استثناء فلا يجب اعتباره قاعدة، لتعميم حكمك على الجميع. تحياتي

  2. الحق يؤخذ ولا يعطى لو ان الجالية المغربية تملك ادنى وعي بقوتهم في تغيير الاوضاع الى الاحسن لناضلت بشتى الوسائل وما اكثرها اقلها وقفز يارة البلد و التقليل الحد الادنى من الاموال الى البلد الم يتساءلوا يوما
    لماذا يحرم هذا الجيش العرمرم من الشباب وذوي الكفاءات والخبرات من تحديد توجهات وطنهم في كافة المجالات بينما يسمح بذلك لانصاف المتعلمين والاميين وعدمي الخبرة

  3. كيف يطلب مغربي في المهجر حق التصويت في المغرب و دولة المهجر و هو لا يرتبط ببلده الا عاطفيا؟؟؟
    لا يواكب التطورات السياسية و لا الاقتصادية الا كسائح ولا يهمه الا ان تمر سيارته على طرقات نظيفة وان يتعامل معه كمغربي استثنائي لا يشبه الاخرين….
    كيف يطلب هذا الحق و ولائه لوطنه محط شبهات احيانا…الكل يعرف انه بمجرد ات تطأ اقدام المهاجرين ارضهم الاصلية حتى تبدأ المقارنات مع بلدان المهجر ..وتبدأ الانتقادات وكأن تطور دولتهم موكول للاخرين وان عليهم حصد النتائج فقط
    …بناء المجتمعات يتم بالتشبت بالاوطان… وبالعمل الدؤوب…واذا اقتضت الضرورة الهجرة فلا يطلب المهاجر ان يتعامل معه كشخص استثنائي

  4. دائما متألق سيدي أمين، قرائتك تنم على الحرقة التي تؤرقك وعلى حبك لوطنك الذي سكن فيك اينما حللت وارتحلت. فقط بالاصرار والالحاح سيتحقق التغيير المنشود. تحياتي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here