لا تحملوا المخيمات وزر أعمال الآخرين… وليتحمل كل طرف مسؤولياته التاريخية

 

moutasem hamada

 

معتصم حمادة

 

إنه لمن الغباء بمكان، أن ننكر وجود قوى دينية وسلفية، مختلفة التوجهات في المخيمات الفلسطينية في لبنان، خاصة في مخيم عين الحلوة قرب صيدا. وكانت فتح، على سبيل المثال، قد ناقشت في مؤتمرها في مدينة صور تغلغل القوى الإسلامية في مخيمات صور، وتوسع انتشارها في الآونة الاخيرة وتزايد نفوذها بين الناس.

ومن المعلوم أن هذه القوى تتمتع بقدرات مالية غير محدودة، مصدرها الأموال التي تتدفق عليها من قبل دول الخليج، ومؤسسات إسلامية خليجية تنظر إلى هذه القوى في المخيمات الفلسطينية على أنها ذات وظيفة دينية لنشر الإسلام وأفكاره وتعزيز وجوده بين المواطنين.

وقد سخرت هذه القوى أموالها في توسيع نفوذها بين الناس مستفيدة من الحالة الاقتصادية الخانقة بين العمال والمهنيين، خاصة الشباب منهم، ففتحت أبوابها لتفريغ مئات المقاتلين تحت أسماء وتشكيلات شتى، لسنا الآن بتعدادها لكثرتها. كما تعمد إلى توزيع المساعدات الغذائية والصحية على فقراء المخيمات، وتبني العديد من حالات العسر الشديد، ما يقدمها إلى الرأي العام الفلسطيني على أنها قوى خيرة، كريمة، تهتم بهموم الناس وقضاياهم وتحلها دون إيديولوجيا ودون ثرثرة سياسية لا تنجح في معالجة المشاكل التي تتهدد حياة البشر، وحاجاتهم إلى الغذاء والملبس والدواء وباقي الحاجات الإنسانية، لذلك نجحت هذه القوى في الانتشار وتوسيع النفوذ، على حساب ولغير صالح منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المختلفة، خاصة تلك التي تشكو ضيق ذات اليد وضعف المصادر المالية والموازنات الشهرية، والعاجزة عن أن تشكل بديلاً للقوى الإسلامية الأصولية في ما تقوم به من أعمال تندرج تحت عنوان “الأعمال الخيرية”.

لكن مشكلة هذه القوى الإسلامية والأصولية أنها ذات هوية فلسطينية، لكن أجندتها ليست أجندة فلسطينية، بل هي تعتقد أن الأولوية الآن هي لقتال المجتمع الكافر، ونشر الإسلام في صفوفه، وإقامة الإمارة أو الخلافة الإسلامية، وعندما يمتد الإسلام إلى كل مكان، وعندما يصبح هو القوة المهيمنة، وصاحب اليد العليا، ليس فلسطينياً فقط بل في كل مكان في العالم الإسلامي، عندها تنهار إسرائيل وتزول، وتحل القضية الفلسطينية نفسها بنفسها، وتصبح فلسطين جزءاً من الإمارة والخلافة الإسلامية، أي بتعبير آخر إن هذه القوى الإسلامية والأصولية، ترى في النضال الوطني الفلسطيني الحالي، ضد الاحتلال، وضد الاستيطان، مضيعة الوقت، وخللاً في رسم الأولويات. الأولوية هي لنشر الفكر الإسلامي في كل مكان، ليصبح هو الفكر السائد، وعندما ينتصر الإسلام على الكفر (والكفر هو هنا كل من هو خارج هذه القوى وليس عضواً فيها ولا ينتمي إليها) ننتصر على إسرائيل، لأن إسرائيل هي جزء من الكفر، أما القضية الفلسطينية فهي قضية إسلامية، لا تحل إلا في الحل الإسلامي الجذري، لذلك ترفع هذه القوى شعارها “الإسلام هو الحل”، أي انشروا الإسلام في كل مكان وانصروا الإسلام على الكافرين من غير المؤمنين بالإسلام ومن غير المنتمين إلى هذه القوى، تزول إسرائيل دون أن نتكبد جهوداً مضنية كما تفعل الآن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

السؤال الآن من أين أتت هذه القوى؟

الملاحظ أن هذه القوى لا تقيم وزناً للجنسيات، وتعتبر مسألة الجنسيات مسألة خارج الإسلام. المهم هو الانتماء للإسلام، لذلك نلاحظ أن هناك قوى إسلامية أصولية تقيم في المخيم الفلسطيني، لكن أميرها، أي قائدها، ليس فلسطينياً. قد يكون سعودياً، أو ليبياً أو غير ذلك من باقي الجنسيات العربية. كما يكون الأفراد الآخرون من جنسيات مختلفة تفرقهم الجنسية لكن بوحدهم الإسلام كما يقولون.

وواضح أن هذه  القوى وفدت على المخيم من خارجه وبالتحديد من محيطه اللبناني أولاً وقبل كل شيء. أي إن الوجود الإسلامي الأصولي اللبناني سابق على الوجود الإسلامي الأصولي الفلسطيني، وبالتالي فإن معالجة هذا الوجود في المخيم لن يكون بمعزل عن معالجة هذا الوجود في المناطق اللبنانية، حيث تكون المرجعية العليا، ولنستدل على ذلك علينا أن نلاحظ كيف تتدخل بعض القوى الإسلامية الأصولية، كلما وقعت مشكلة أو حصل إشكال في المخيم، تسارع هذه القوى إلى التدخل لصالح جماعتها، وتنشر فوقها غطاءً سياسياً تستقوى به القوى الإسلامية الأصولية الفلسطينية في معالجة قضايا مع المحيط ومع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن السؤال الواجب طرحه هو: لماذا انتشرت هذه القوى في المخيمات أكثر مما انتشرت في المناطق اللبنانية المجاورة؟

الجواب بسيط؛ وهو أن حالة البؤس للمخيمات شكلت البيئة الخصبة لانتشار هذه القوى الإسلامية، التي استفادت من بؤس الحالة الاجتماعية في المخيمات، لتستقطب تأييداً شعبياً ثمن الخدمات المالية التي تقدمها هذه القوى لجمهورها.

حالة البؤس في المخيمات تتحمل مسؤولياتها ثلاثة أطراف:

1 ـ الطرف الأول: هو وكالة الغوث (الأونروا) التي لا تتوقف عن تقليص خدماتها للمواطنين اللاجئين الفلسطينيين بدعوى تراجع الموازنات وعدم التزام الجهات المانحة، ووفائها بما تتعهد به. هنا نلاحظ التناقض بين مواقف الجهات المانحة، ومعظمها غربي (أوروبا والأطلسي) وبين سلوكها. فهي من جهة أخرى تتلكأ في دعم وكالة الغوث (الأونروا) ما يفتح من جهة أخرى المجال أمام اتساع نفوذ القوى الإسلامية الأصولية.

2 ـ الطرف الثاني: هو منظمة التحرير الفلسطينية التي تتحدث دائماً عن عجز مالي في موازناتها، وعجز في خزينتها، علماً أن الهدر والفساد المالي ظاهرتان نافرتان في أداء السلطة الفلسطينية وأداء منظمة التحرير الفلسطينية، ما يتوجب عليها إعادة النظر بآليات العمل، وفرض الرقابة على الأوضاع المالية، وسن قانون “من أين لك هذا ؟” وتطبيقه على القيادات السياسية والموظفين، خاصة القيادات الفتحاوية (مثال) في لبنان، التي تتمتع بموازنات سخية ومغرية على مستوى الأفراد، في الوقت الذي تشكو فيه المخيمات العوز والحاجة والفقر والجوع.

السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بحاجة إلى إستراتيجية اقتصادية بديلة، توفر الصمود لمن هم في الضفة والقطاع (ضد الاحتلال) والصمود لمن هم في الشتات (ضد الفقر والعوز والحاجة).

3 ـ الطرف الثالث: هو الدولة اللبنانية التي تستنكف عن تقديم المساعدات والخدمات الضرورية للمخيم، بذريعة أنها مسؤولية وكالة الغوث ومنظمة التحرير الفلسطينية. كذلك تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية بسبب سياسة الفلتان الأمني التي يعيشها لبنان، وتنعكس بالضرورة على المخيمات.

إذن إن معالجة الوجود الإسلامي الأصولي المسلح في المخيمات يجب أن يتم في الاتجاهات التالية وبشكل موازٍ:

1 ـ زيادة قدرات الوكالة (الأونروا) لتقوم بواجباتها نحو اللاجئين.

2 ـ إستراتيجية اقتصادية بديلة في منظمة التحرير الفلسطينية لصالح صمود الشعب الفلسطيني، ومكافحة الفساد الفردي والجماعي.

3 ـ إستراتيجية سياسية بديلة لسياسة التفاوض التي سئم الناس السماح بها ولجأؤوا إلى القوى الإسلامية كبديل سياسي.

4 ـ تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية المخيمات خاصة في الجانب الاجتماعي، وإقرار حق العمل للاجئين دون قيد أو شرط، بما يخفف من حالة البطالة (لماذا يتوجه طبيب أسنان فلسطين نحو القوى الأصولية لولا أنه عاجز عن ممارسة مهنته خارج المخيم، ما يدعوه للبحث عن مصدر مالي “يليق” بمنصبه كطبيب، وهو يعلم مسبقاً أن القوى الأصولية هي وحدها المؤهلة لأن تقدم له هذا المصدر).

5 ـ تحميل الدولة اللبنانية المسؤولية السياسية والأمنية عن الحالات الإسلامية والأصولية اللبنانية التي تشكل المرجع السياسي والديني الأعلى لفروعها في المخيمات.

6 ـ حملات توعية في المخيمات ضد زجّ المخيمات بالصراعات اللبنانية ـ اللبنانية، وبالصراع السوري الداخلي والتأكيد على أن وجهتنا دوماً هي نحو فلسطين من أجل الخلاص من الاحتلال، وعودة اللاجئين إلى منازلهم التي هجروا منها منذ العام 1948، وتحييد الحالة الفلسطينية في النزاعات والصراعات الإقليمية.

7 ـ إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها على أسس ديمقراطية وجديدة بما يعيد تقدم المنظمة إلى شعبها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد له، والمسؤول عن قضاياه وهمومه، ومصالحه المختلفة.

8 ـ التعامل مع القوى الإسلامية الأصولية في المخيمات على أنها ليست أجندة فلسطينية وعدم تحميل المخيمات وزر ما تقوم به، والنظر إلى المخيمات باعتبارها بؤر بؤس وظلم، وليست بؤراً للإرهاب كما يحاول البعض الآن أن يصورها في الحملة الفاتحة ضدهم على خلفية التفجير الآثم والجريمة التي ارتكبت مؤخراً في بئر حسن واستهدفت سفارة إيران.

 

دمشق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here