“لا أصفق لظالم”.. الشاعر التركي محمد عاكف أرصوي وصفحات أدبية ألهمت الاستقلال

أنقرة- الأناضول: بعد 83 عاما من وفاته في 27 ديسمبر/كانون الأول 1936 لا يزال الشاعر التركي محمد عاكف أرصوي، مؤلف النشيد الوطني لبلاده رمزا فكريا وأدبيا حيا في العالم الإسلامي الذي تنقل فيه بين تركيا العثمانية والجمهورية، والبلقان وسوريا ومصر التي عاش فيها أكثر من عشر سنوات، بالإضافة للبنان والجزيرة العربية.

وأصبح أرصوي واحدا من أكثر الشخصيات شهرة في الأدب التركي أوائل القرن العشرين، حسبما يؤكد نجم الدين توريناي الخبير في أعمال أرصوي الأدبية، والأستاذ في جامعة الاقتصاد والتكنولوجيا بالعاصمة أنقرة.

وتحدث توريناي -الذي يعمل حاليا على النسخة الأحدث من ديوانه الأول “صفحات”، لوكالة الأناضول- عن ديوان الشاعر المكون من 44 قصيدة وعمل أدبي، بينها قصيدة المراحل (1911) ومحاضرة في السليمانية (1912) وأصوات الحق (1913) ومحاضرة في الفاتح (1914) ومذكرات (1917) وعاصم (1924) والظلال (1933).

وتناولت قصائد أرصوي المشكلات الاجتماعية، والقضايا الفلسفية والدينية، والسياسية والأخلاقية. وجاءت في سبعة دواوين شعرية، وبرزت مواهبه الشعرية في غضون الحرب العالمية الأولى وألهب مشاعر الأتراك بقصائد دعا فيها للوحدة الإسلامية.

ويقع منزل أرصوي -الذي أجريت فيه المقابلة- في “ألتينداغ” أحد أقدم أحياء أنقرة، وانتقل إليه قادما من إسطنبول في عشرينيات القرن الماضي.

الزعيم الروحي

قال توريناي إن أرصوي انتقل إلى أنقرة خلال أكثر سنوات الاحتلال الأجنبي صعوبة في البلاد.

وأضاف أنه عندما جاء أرصوي إلى أنقرة، كان على الشعب أن يحقق شيئين أساسيين للفوز بحرب الاستقلال، الأول تشكيل جيش جديد إثر حل الجيوش التركية بموجب اتفاقيات الحرب العالمية الأولى، والثاني تشجيع الناس على الانضمام إلى النضال الوطني أملا في الاستقلال.

وخلال خطبه في مختلف مساجد مدن الأناضول، ألهب أرصوي مشاعر الإيمان والروح اللازمة للنضال الوطني.

عام 1920، تم انتخاب أرصوي أيضا نائبا في البرلمان عن مقاطعة “بوردور” شمال غربي البلاد.

النشيد الوطني

كتب أرصوي النشيد الوطني المعروف باسم “مارش الاستقلال” في منزله بأنقرة، والذي كان يسكنه من قبله رجال صوفيون (دراويش).

وأعلنت قصيدة “مارش الاستقلال” لأرصوي رسميا نشيدا وطنيا من قبل الجمعية الوطنية التركية الكبرى في 12 مارس/آذار 1921.

وفي نشيد الاستقلال، خلد أرصوي معركة أمته من أجل البقاء، في أعقاب الحرب الكونية الأولى، والتي توجت بالتحرير عام 1921 إثر حرب الاستقلال ضد الاحتلال الأجنبي.

وبعد الحرب العالمية الأولى، انهارت الإمبراطورية العثمانية على يد القوات البريطانية والفرنسية، وخلال خطاب مشهور ألقاه في مسجد بمنطقة كاستامونو شمال الأناضول، أدان معاهدة سيفر داعيا الناس إلى استخدام عقيدتهم وأسلحتهم لمحاربة المستعمرين الغربيين، وانتشر خطابه في أنحاء البلاد وجرى توزيعه على الجنود.

وفي ظل هذه الظروف، استهل أرصوي “نشيد الاستقلال” بكلمة “لا تخف” وقال توريناي إن الشاعر بدأ قصيدته بدعوة لإعطاء الأمل للشعب التركي والإسلامي ضد الاحتلال الأجنبي حتى يتمكنوا من استعادة استقلالهم.

وبالحديث عن مقاطع ذلك النشيد، أوضح توريناي أنه من خلال الكلمات الخاصة بالنشيد، حذر أرصوي الشعب من أن الظروف السلبية كانت مؤقتة وحثه على الكفاح والتغلب على القيود.

وأكد توريناي أن نشيد الاستقلال سرعان ما بدأ يثير تداعيات كبيرة في العالمين الإسلامي والتركي، في أعقاب اعتراف البرلمان به رسميا نشيدا وطنيا.

كما شدد على أن أرصوي -الذي عبر في أعماله عن أكثر الأعوام إيلاما في تركيا خلال الحرب الكونية الأولى وحروب البلقان- اكتسب سمعة طيبة داخل الإمبراطورية العثمانية وخارجها.

وأضاف: كان شاعرا ومؤلفا معروفا في مجموعة واسعة من البلدان التي تمتد من أذربيجان وباكستان والهند إلى مصر وسوريا والعراق وشمال أفريقيا ومن شبه جزيرة القرم إلى البلقان.

كما أشار توريناي إلى أن فهم أرصوي للشعر لم يقتصر على حدود تركيا الوطنية، بل امتد خطابه إلى العالم الإسلامي بأسره.

مرآة التاريخ

وصف توريناي أرصوي بأنه أحد عباقرة الشعر التركي، وأضاف أنه إذا كان هناك وعي في تركيا اليوم بالحرب العالمية الأولى ومعركة جناق قلعة (جاليبولي) فهذا بفضل قصيدة أرصوي لشهداء هذه المعركة، كما يتذكر الشعب ألم وحزن ودمار هذه السنوات من خلال تلك القصيدة.

وأوضح أن أرصوي لا يروي فقط ألم وذكريات شهداء جاليبولي في القصيدة، ولكنه يصف أيضا انسحاب إمبراطورية من مرحلة التاريخ ونهاية حقبة بأكملها.

وكانت معركة جناق قلعة -التي وقعت في مقاطعة تحمل الاسم ذاته، شمال غربي تركيا عام 1915- بمثابة تحول لصالح الأتراك ضد قوات الحلفاء خلال الحرب الكونية الأولى.

حياة حافلة

ولد أرصوي لأب تركي وأم بخارية، وتعلم العربية على يد والده المدرس وحفظ القرآن صغيرا، وعمل مفتشا بوزارة الزراعة بعد دراسة الطب البيطري، ودرس كذلك الفرنسية والفارسية.

ورغم أنه فارق جمعية الاتحاد والترقي، فقد اعتمد البرلمان قصيدته “نشيد الاستقلال” كنشيد رسمي للبلاد في 12 مارس/آذار سنة 1921.

ونشر مقالاته في مجلته “الصراط المستقيم” التي تغير اسمها لتصبح “سبيل الرشاد” وانتقد الأفكار القومية في بعض مقالاته وكتب “أنتم فقط عبارة عن أفراد في أمة واحدة هي الأمة الإسلامية، وكلما حافظتم على الإسلامية لم تفقدوا قومياتكم”.

وتسجل قصائده ومقالاته العديد من محطات حياته، فكتب قصيدة “من صحراء نجد إلى المدينة المنورة” سنة 1914 متحدثا عن رحلته للمدينة.

وصُدم أرصوي من إلغاء السلطنة والخلافة العثمانية، فهاجر إلى مصر عام 1925 بدعوة من صديقه الأمير عباس حليم باشا، وهناك قضى عشر سنوات في غربة قاسية عانى فيها صعوبة الحياة.

وترجم هناك معاني القرآن الكريم لكنه رفض نشرها، واعتنى بمقالات لجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والمفكر محمد فريد وجدي، قبل أن يذهب للبنان ومنها لإسطنبول التي توفي فيها.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here