كيف نُجنّب الجزائر الكارثة

 ismaeel alqasimi alhusni1

الذي يزعم بأن الجزائر قد عرف شعبها الانتفاضة و الثورة منذ 1988، و لهذا فلا مجال للتخوف مما اصطلح على تسميته “بالربيع العربي”، يكون قد أغفل أمرين اثنين، أولهما أنه قد مضى على تلكم الثورة ربع قرن، ما يعني ميلاد جيل جديد لم تتفجر طاقته بعد، ولم توهن مخياله تلكم الفظائع التي تعرض لها جيلنا بعد انقلاب 1992، والثاني أن مُسببات الثورة ومفاعيلها مازالت قائمة، بل ازدادت حدّة و ضغطا على طبقات عريضة من المجتمع، و توسعت بشكل مقلق مشاعر الغضب في شرائح واسعة منه، ما يعني حتما توقع انفجار شعبي في أي لحظة، و فتيله لا يمكن بحال رصده، فمن كان منا يتصور أن تونس الشقيقة ينقلب فيها الوضع، و السبب من أقصى جنوبها، شخصية مجهولة متواضعة فقيرة، البوعزيزي رحمه الله و غفر له، لم يضرم النار في جسده تنفيذا لسياسة الولايات المتحدة، و لا مساهمة منه في مؤامرة على وطنه، والجزائر كغيرها لا تختلف في شيء، ولا ينحصر حتما إضرام الفتيل في بوعزيزي جزائري، و ليس حصرا هذا العمل إعلان انفجار، فثورات الشعوب يمكن توقع حدوثها من خلال قراءة عواملها على أرض الواقع و في قاع المجتمع، الذي مع الأسف تبتعد عنه النخب يوما بعد يوم، لكن لا يمكن معرفة توقيتها فضلا عن تحديد أول شرارتها إلا بعد وقوعها.

و لعله من المناسب، بعد أن فرضت سنن الحياة، حتمية طي صفحة “الشرعية الثورية”، و رمي هذا المشجب الذي طالما أتخذه رجال للسطو بغير وجه حق على حكم الشعب الجزائري، أن أذكر بمقترحات إصلاح ثماني مواد من الدستور الجزائري، كنت قد عرضتها عبر صحيفة “القدس العربي”، تبناها فيما بعد المرحوم عبد الحميد مهري (شخصية ثورية وسياسية بارزة) في رسالة لرئيس الجمهورية، وبما أن فخامته لم يستجب حين كان بإمكانه فعل ذلك، فضلا عن اقتراحات تقدم بها أهل الاختصاص، كان نصيبها سلة المهملات بطريقة تترجم مستوى عبثي في تسيير شؤون البلد، وتعكس قصر نظر سياسي مروع يبلغ حد العمى، أجد اليوم استحالة العمل بها في ظل العجز الكلي لرئيس الجمهورية، ليس ناتجا عن تدهور حالته الصحية فحسب، وإنما كذلكم إلى تضاعف عدد دوائر الحكم، في عملية انقسام خلاياها استجابة لتطور الفساد،  وتزاوج غير شرعي بين العسكرة والمال السياسي المنتن، فرّخ حلقات لقيطة تسهم في صناعة القرار، أشبه بسلسلة مستحكمة باتت تطوق عنق هرم السلطة.

في هذه المحطة الخطيرة من حياة الجزائر، تجمع الأخيرة بين حالتين في صورة استثنائية، ففي قمة الحكم أكثر خطرا و تعقيدا من حالة الرئيس الراحل بورقيبة قُبيل الانقلاب عليه، و على أوسع شرائح المجتمع الجزائري حالة احتقان أرفع درجة من حالة الشعب التونسي الشقيق 2011 ولهذا يضع المرء يده على قلبه خوفا من سوء تقدير عواقب أوضاع كهذه، يهمل خطرها صناع القرار كما جرت عادتهم.

وحتى تتجنب الجزائر، شعبا وكيانا ترابيا موحدا و سلطة، كارثة حتمية الوقوع، ومحصلة طبيعية لتراكم سياسات بائسة، فضلا عن ترصد الأعداء التاريخيين وتحيّنهم لأي فرصة، يستغلونها لإضعاف هذا الشعب القوي، وتفتيت هذا البلد الثري الاستراتيجي بموقعه، أعتقد أنه بات لزاما على اولي الأمر أن يحدثوا انقلابا بأديهم داخل السلطة بحد ذاتها، يبدأ بالآتي:

1- إعمال المادة 88 من الدستور، والتي تحيل رئيس الجمهورية الى التقاعد بحكم عجزه البيّن عن أداء مهامه.

2- تعيين رئيس مجلس الامة رئيسا للدولة، الى حين انتخاب رئيس جمهورية في الآجال التي حددها الدستور، والتي لا تزيد عن الشهرين.

3- يشترط في المرشحين للرئاسة السن القانوني التي لا تتجاوز سن التقاعد.

4- حل الحكومة الحالية، و استبدالها بحكومة تكنوقراط مهمتها الاشراف الاداري على الشأن العام، الى حين استكمال الاستحقاقات الأخرى.

5- حل مجلسي الشعب والأمة بالتزامن مع احالة رئيس الجمهورية للتقاعد.

6- احالة كل القيادات العسكرية و الأمنية ممن تخطت أعمارهم سن 65 الى التقاعد.

7ـ حل جميع الاحزاب التي تعتمد الدين أو العرق كعنوان لها، لمخالفتها الدستور من ناحية، و لكونها من ناحية ثانية الخاصرة الرخوة التي باتت تؤتى منها الشعوب.

8- يقوم الدستور الجديد على فصل السلطات الثلاثة بشكل عملي، و يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية. و يخضع المؤسسات السيادية و على رأسها الجيش، عبر ممثليهم للمساءلة البرلمانية.

هذا من ناحية الشكل، الذي يفرض نجاحه المعنى، هذا الأخير ليس إلا الاخلاص للوطن            و الشعب، دون ذلك فلا قيمة لأي محاولة تعديل أو تغيير، ولا يمكن المضي في بناء أي شيء ما لم تستعد السلطة ثقة الشعب الجزائري، و هنا لا بأس من لفت الانتباه الى ضرورة القيام باجراءات قد تسهم فعلا في جسر الهوة و رأب الصدع:

– ما نعايشه نحن المواطنون على أرض الواقع، هو ذلكم التمييز العنصري في المعاملة بيننا وبين ممثلي السلطة، لذلك وجب رفع كل أنواع الحصانة على من يسمون “موظف سامي” او رجل “أمن” ويخضع الجميع لمعاملة عادلة امام القضاء وغيره من المؤسسات المختصة.

– مراعاة أهل الوسط و الجنوب في توزيع الحقائب الوزارية و المناصب العليا، فهم يشكلون نسبة تزيد عن 50% من السكان، و تمثيلهم يقل عن 10%، هنا لست أعني الأصل فقط و إنما الاقامة كذلك.

– توزيع الثروة بشكل عادل، فمن المعلوم أن مداخيل الجزائر كلها تعود لثروات موطنها الجنوب (البترول-الغاز- و غيرهما)، و لا نحسد أهلنا في الشمال على ترف الاستغلال لأموال هذه الموارد، و إنما ليس عدلا أن يحرم منها أهل الوسط والجنوب، بشكل بات ينم عن عداء وليس سوء توزيع، ويزرع بتقصّده هذا التمييز، مشاعر تشكل خطرا في المستقبل على الوحدة الشعبية و الترابية. وهنا الكاتب يعني جيدا ما يقول.

– لابد من الاسراع و إعطاء الأولوية، للمشاريع الكبرى مثل الطرق السيارة و سكك “التي جيي في”، و بناء مُعاصر للهياكل التربوية وغيرها لأهل الوسط و الجنوب، لربطهم وبقوة بأهل الشمال، ولمنع أي تفكك نستشعر نموه تحت طبقات عريضة، قد تفكك عرى المجتمع.

لا يتسع المقال لأكثر مما سبق ذكره، وهو ليس كما قد يصفه البعض بأحلام اليقظة، الخطر قائم لا ينكره إلا مكابر أو جاهل أعمى، والرجال من خيرة أبناء الجزائر موجودون، والمال بحمد الله خزائن البلد تكاد تفيض به، والمطالب ليست خيالا وانما واقعية، ولا يبقى سوى الاخلاص  و الارادة في تجنيب الجزائر الكارثة.

  اسماعيل القاسمي الحسني- فلاح جزائري

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. انت بهذه المقترحات ستخلق قنبلة انشطارية لا يمنك التحكم بها , اي عقل هذا الذي تفكر به اتعتقد ان كل هذا لن يخلف ردة فعل اقوى مما تتوقع خصوصا ما تعلق بمسألة الاجزاب فكك جزب واحد و رأينا ما حدث للجزائر فمابالك بأحزاب …. في الوقت الراهن الرئيس و الحكومة تكفي و البقية تأتي مع الوقت و عوض حظر الاحزاب الدينية و العر قية التي لا اعرفها في الجزائر على فكرة يجب سن قوانين انظم الحراك الحزبي و جعله تنافسا على البرامج و ليس صكوك غفران , اما المةسسة العسكرية فهي مسألة نزاهة و كفاءة و ليست مسألة اعمار فدول العالم كلها لا تحدد اعمار قادة اركانها بل ترى مدى كفاءتهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here