كيف حمت روسيا مسيحيي الشرق، والإسلام المعتدل؟

د. شهاب المكاحله

في يناير 2017، فاجأ وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف العالم عندما صرَح أنَ دمشق كانت على بعد 14-21 يوماً من السقوط في قبضة الإرهابيين وشباكهم لولا التدخل العسكري الروسي الذي ساهم في صدِ الهجوم على العاصمة دمشق والتي بسقوطها كان سقوط النظام السوري قاب قوسين أو أدنى.

حينها قال لافروف: “أعتقد أنه أمر مهم للغاية، مهم بالدرجة الأولى الحفاظ على سوريا كدولة علمانية متعددة الإثنيات والطوائف وفق ما يقتضيه قرار مجلس الأمن الدولي. يجب أن ندرك أن وقف هذه الحرب وضمان حقوق الجميع ومنهم المسيحيون والمسلمون وممثلو كافة الطوائف الأخرى الذين يعيشون منذ القدم في سوريا وفي دول المنطقة. وهذا هدف يمكن تحقيقه عبر استخدام القوة لأنه يجب محاربة الإرهاب والقضاء عليه بلا رحمة أو هوادة. وهذا هو ما نقوم به بمساعدتنا للجيش السوري”.

لم تكن تلك العبارة بمثابة الدعاية للجيش السوري أو الروسي، بل كانت تاكيداً على أنه لو لم تتدخل روسيا لكان ضحايا الإرهاب أولاً أبناء الطوائف ثم الإسلام المعتدل ليس في سوريا وحسب بل وفي منظقة الشرق الأوسط. يبدو أن روسيا تنبهت من خطأ ارتكبته في السابق عندما وافقت على التدخل الأميركي في العراق وما أسفره عنه ذلك من فراغ سياسي ملأه الإرهابيون الذي طردوا أكثر من 85 من المسيحيين العراقيين ودمَروا الآثار والأوابد.

ولمعرفة أبعاد التدخل الروسي، لا بد من فهم أنه لا يمكن فصل الدين عن السياسة في روسيا. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تخلت البلاد عن العقيدة الشيوعية، وبات حلم روسيا أن تكون الفاتيكان أو قبلة مسيحيي الشرق. وبتدخلها في سوريا، حصلت موسكو على مباركة الكنيسية الأرثوذكسية لتحقق المدينة حلمها بأن تصبح روما الثانية في الشرق الأوسط وبات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حامي مسيحيي الشرق.

وهذا ما أكد  عليه في يناير الماضي رئيس الكنيسة الروسية عن عزم بطريركية موسكو المساهمة في المساعدات الإنسانية لسكان الشرق الأوسط ولم يحصر تلك المساعدات بالمسيحيين فقط بل شمل المسلمين وباقي الطوائف، مُبدياً استعداد بلاده لإعادة بناء أماكن العبادة والأديرة والآثار، بما في ذلك الآثار الإسلامية والآثار التاريخية”. كما أعاد قراءة الأحداث السورية الأخيرة وتلك المتعلقة بسقوط النظام العراقي السابق، مؤكداً تأثيرها على حالة المجتمعات المسيحية المحلية. وطبقاً للبطريرك الروسي، فإنه من الواضح أن الصراعات التي بدأت في سوريا في العام 2011  كانت بسبب الجماعات المتطرفة التي لو وصلت إلى السلطة لكان بإمكانها القضاء على الوجود المسيحي في ذلك البلد بل وقد تتعداه إلى دول الجوار السوري. ولهذا السبب دعم المسيحيون الرئيس السوري بشار الأسد بشدة. أما في العراق، فقد شهدت البلاد أحداثاً مأساوية أدت إلى تراجع جذري للمجتمعات المسيحية هناك.

ووصفت الكنيسة الأرثوذوكسية المسيحية، التي تحتل مكانة هامة في روسيا الحديثة، التدخل الروسي ضد الإرهاب في سوريا بأنه “حرب مقدسة” لأن المعركة مع الإرهاب معركة مقدسة ليس لحماية المسيجيين فقط بل والمسلمين المعتدلين ممن يؤمنون بالتعايش السلمي بين كافة الديانات.

في بداية التدخل الروسي، شعرتْ الدول المجاورة لسوريا بالخوف من تداعيات ذلك، ولكن وبعد أسابيع قليلة، وانحسار الإرهاب، زادت الطمأنينة لدى المسيحيين وباقي الطوائف الأخرى ومنهم المسلمون المعتدلون في سوريا والأردن ولبنان والعراق وتركيا وغيرها من الدول في منطقة الشرق الأوسط. واليوم، يعرف الروس هذا جيداً، ويكتفون بدور براغماتي من حيث رسم مسافة واضحة بين المسلمين المعتدلين وباقي الطوائف تبقيهم بعيداً عن ويلات الإسلاميين المتطرفين والإرهابيين.

كاتب اردني مقيم في واشنطن

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. شكرًا لروسيا على ما فعلته لخدمه البشرية وإسقاط الاٍرهاب

  2. يكفي روسيا فخراً أن تاريخها ناصع فيما يتعلق بالاستعمار والاحتلال والاستغلال للدول والمجتمعات الأخرى , ويزيدها فخراً أن تاريخها وحاضرها كان مشرّفاً لوقوفها الدائم الى جانب دول العالم الثالث المظلومة والتي تسعى الى الانعتاق من ربقة الاستعمار الحديث والقديم وتناضل لنيل سيادتها وحريتها واستقلالها .

  3. هل تتحقق النبوءة في تحول روسيا الى امبراطورية بيزنطية جديدة بعدما فقدت دول الشرق الامبراطورية الام بعد فاجعة اليرموك

  4. على اللبنانيين والسوريين والعراقيين والفلسطينيين من المسيحيين المغتربين واغلبهم من اصوب عربية لا شك فيه واطوانهم التاريخية من الاف السنيين والحضارات التي نشأت بالشام والعراق وهم من 25 الى 40 مليون مليون بالأغتراب بسبب الهجرة التي بدأت من القرن 19 لو يرجع البعض لبلدهم تكون اضافة ثقافية وادارية وتقنية وخبرة للمنطقة العربية اعملوا لجان لهذا الغرض

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here