كيف انفتح في الأردن “عداد الدّم”؟.. قراءة في الأحداث الأخيرة وأبعادها الإعلامية والعملياتية والاستخبارية: نهج الشفافية يثبت نفسه مجدداً كخيار آمن.. والاستراتيجية الأمنية والاستخبارية تحتاج لمراجعة.. أين يفيد سؤال “هل خلية السلط لها علاقة بانفجار الفحيص؟”

برلين – “رأي اليوم” ـ  فرح مرقه:

بعد انتهاء عملية السلط الأردنية رسمياً وفق ما أعلنته الناطقة الرسمية باسم الحكومة الوزيرة جمانة غنيمات، يمكن البدء بتفكيك وتحليل المشهد الذي أزّم قلوب الأردنيين وشغل عقولهم خلال الساعات الـ 24 الماضية منذ أعلنت عملياً الحكومة ولمرة نادرة “مغالطة” كانت في التصريحات الأمنية تفيد بأن انفجاراً حصل في حافلة في منطقة الفحيص هي نتيجة خطأ احد افراد القوة الأمنية في استخدام قنبلة غاز.

كان الإعلان الأمني ليل الجمعة السبت، ليستفيق الأردنيون السبت على بيان محكم من وزارة الداخلية يؤكد ان ما حصل في حافلة الامن كان انفجارا بفعل عبوة ناسفة بدائية الصنع، وهنا تتخذ الحكومة موقفاً جريئاً، وكان بالتأكيد منسّقاً مع الأجهزة الأمنية، حيث إعلان صريح وواضح بهذا الشكل يحمل في طياته بالتأكيد ردّاً مدوياً بالضرورة، فهذا هو النسق الأردني وتقاليد المؤسسات الأمنية والعسكرية.

حتى تلك اللحظة كان الأردنيون قد “فتحوا عداد الموت” بوفاة احد مرتبات الامن واصابة 6 من رفاقه، ضمن قوة مشتركة بين الامن والدرك كانت متجهة نحو مهرجان الفحيص الغنائي والفني السنوي لضبط الامن في اخر أيام المهرجان.

بعد الإعلان الحكومي تم ترك الأردنيين لمواجهة مصيرهم، حيث لا احد يزودهم بأي اخبار الى ان بدأت عملية السلط الأخيرة، في الاثناء كانت هناك مداهمات تحصل في مناطق مختلفة والاردنيون يعلنون عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تسبق بالعادة الاخبار الرسمية.

هنا يمكن ان يؤكد خبراء الاتصال ان كثيراً من اللغط حدث، حيث يمكن ان يكون قد تحصن ارهابيون او تهيؤوا للرد او حتى هربوا، خصوصا اذا ما كانت رواية تفيد بأن الامن امسك شخصاً في منطقة طبربور (شرق العاصمة الأردنية) وانه من ابلغ حول خلية السلط، صحيحة وحقيقية. الرواية المذكورة تؤكد- ان صحّت- ان رجال الامن الأردنيين تم استدراجهم، وهنا الأسئلة كثيرة وكبيرة.

في السلط.. عداد الموت لم يتوقف..

عملياً، كان يكفي ويزيد الأردنيون ان يشعروا بغصة فقدان رجل امن واحد وجرح 6 آخرين، الا ان ما حصل على ارض الواقع كان ان “عداد الموت” لم يكن ليشبع بعد. تحركت قوى الامن وطوقت المبنى المبلغ عنه وبدأت انباء الموت والجرح تتلاحق.

في البعد الإعلامي الرسمي، وخلافاً لما قبل العملية، فأثناء عملية السلط وحتى انتهائها، يمكن الحديث عن نجاح كبير وتقدّم ملموس في الأداء في انسيابية المعلومات، في حين وفي البعد العملياتي والاستخباري لا يزال هناك ما يقال وفق مراقبين، خصوصا بعدما استمرت العمليات لنحو 24 ساعة، وخسرت قوات الامن الأردنية نحو 25 من افرادها بين قتيل وجريح، فوق السبعة في حادثة الفحيص.

استُدرِج رجال الامن لداخل مبنى مفخخ، وتم تفجيره وانهياره وهنا كانت اكبر اعداد للضحايا، فوجدت القوى الأمنية نفسها بمواجهة انتحاريين، على الاغلب لم تكن تدرك كنه قوتهم ولا تفاصيلها، ولا حتى سقف تحركاتهم ونواياهم، وهو ما يبرز المشهد أقرب للاستدراج وليس للعمل الاستخباري الاستباقي.

يسجّل للدولة شفافيتها بكل التفاصيل، حتى في اعداد وتفاصيل العمليات هنا رغم انها أظهرت قدراً من التعجّل على غرار ما حدث قبل عامين في احداث الكرك.

في الجانب الإعلامي، كان واضحاً ان هناك ولمرة نادرة خطة سريعة وتعاملاً دقيقاً، والاهم ان أي قرار منع نشر لم يصدر الا على الطريقة الأوروبية، حيث يحظر نشر أسماء الضحايا لحين ابلاغ ذويهم، وهذا ما حظره عمليا النائب العام ليل السبت الاحد. هذه الخطوة تضاف الى سلسلة حوادث تثبت فيها الحكومة جديتها في اتباع نهج الشفافية من جهة، كما تظهر فيها أيضا كجهة تنسيقية يمكن الاعتماد عليها. الوزيرة غنيمات اعتمدت مصدر قوتها في اصدار بيانات مكتوبة وليس الظهور امام الشاشات في هذه المرحلة، وهو الامر الذي يحسب لها وينطوي على الكثير من الحكمة في الظرف الحساس الذي كانت تتعامل معه.

عمليّاتياً.. أين أخفق الامن؟

في المقابل، وفي الجانب العملياتي، تشرح نظرية الاستدراج اكثر وبصورة أوضح ما تحدث عنه الدكتور عامر سبايلة الخبير الأمني والاستراتيجي وهو يتحدث عن قرار متشددي الأردن بمواجهة مع رجال الامن اكثر من مواجهتهم مع المدنيين، وهذا واضح ولا حاجة لشرحه، ولكن ما يحتاج ذكره هو ان الأردن عمليا يمكن له ان يكون رابحاً رغم الدماء التي سالت من رجال الامن.

في هذا الجانب، لا يفيد أحداً سؤال “إذا ما كانت خلية السلط هي المسؤولة فعلاً وعملياً عن تفخيخ باص الأمن في منطقة الفحيص أو لا”، إلا في حالة واحدة هو افتراض ان افراد الخلية ليسوا المسؤولين لتسهيل تفكيك كل الخلايا النائمة في الدولة والذين يمكن افتراض ان دائرة المخابرات تعرفهم جيداً، وان الأردنيون كذلك يعرفون معظمهم.

في الأردن، أماكن تواجد المتشددين ليست خفية، ويكفي تفتيشها ومصادرة الأسلحة والمواد المتفجرة منها، للحفاظ على أرواح كثيرين من الأردنيين والاهم من الأجهزة الأمنية. وهنا كانت معضلة احداث السلط.

بالنسبة والتناسب فقد الأردن (بين قتلى وجرحى) نحو 4 اضعاف عدد المتشددين الذين امسك بهم او قتلهم، وهذا بحد ذاته يشير الى إشكالية عملياتية كبرى وتتطلب مراجعة في الاليات الأردنية في مواجهة الإرهاب، ورغم إمكانية الحديث عن تحسن في الأداء في عملية السلط مقابل سابقتها في الكرك (في السلط قتل 4 رجال امن وأصيب 21، في حين في الكرك قتل 10 رجال امن وأصيب أكثر من 30)، الا ان العدد لا يزال كبيراً امام القبض على 5 متشددين وقتل ثلاثة منهم. والمقارنة بين اعداد الضحايا بطريقة رقمية أصلا موجعة جداً.

المعادلة القاسية لم تكن فقط نتيجة البعد العملياتي الصعب للمداهمات واستدراج رجال الامن، وانما هي نتيجة حتمية لسلسلة إخفاقات في مجال ضبط الأسلحة واستخدامها في المجتمع من جهة، وفي متابعة ومراقبة الخلايا النائمة من جهة أخرى وتقييم قوتها وتجهيزاتها رغم ان أجهزة الدولة تعرفها جيداً وليس سراً انها استثمرت فيها سابقاً، هذا كله يمنح بعداً مجتمعيا واداريا وامنيا يومياً لمعضلة “إرهاب ما بعد داعش”، كما يسميه الدكتور السبايلة، يفترض ان عمان مقبلة على التفاعل معه اليوم لتجنب أي حوادث من هذا الوزن مجدداً.

الجانب المضيء في كل هذا الوجع، ان الأردنيين اليوم على قلب رجلٍ واحد مع الأجهزة الأمنية، وانهم مستعدون لتعاون كبير مهما كان نوعه، وهذا بحد ذاته يجب استغلاله دون تسويف للقضاء على كل احتمالية لاحداث اذى في المجتمع بالتزامن مع خلق نموذج فكري ونهضة حقيقية تحارب الفكر التكفيري بكل اشكاله.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

14 تعليقات

  1. الى حنظله مع احترامي لعلمك الغزير احسن الظن مع احترامي لاستيعابك المظمحل …

  2. عدد الضحايا كبير في السلط والكرك وفي الفحيص اعتقد ان الاندفاع والحماس كان كبير مما تسبب بها العدد من المصابين والشهداء، المطلوب التروي والتخطيط والاهم الالتزام بالخطة عند الاشتباك ومزيد من التدريب للقوات الأمنية كفريق عمل واحد.
    القوات لامنية الشجاعة مطالبة بالقضاء على هؤلاء المجرمين الخوارج ولكن يبقى هؤلاء المنتسبين للقوات الأمنية من الاهل والعشيرة ودمائهم غالية جدا واعتقد والله تعالى اعلم ان المستقبل يوحي بمزيد من هذه المواجهات والاخطاء ممكن ان تحصل لمره واحدة ولكن ان يستمر هذا الخطاء فهذا عيب.

  3. إلى خالد الحويطي
    – كلامك فيه دس للسم في العسل , و الأمر الجلل الذي حدث ,لا يسمح لك بالتفلسف و استغلال الهمروجه لتتحدث عن الفساد .
    – الفساد مرفوض و تجري محاربته , و لكن الفساد الذي أخطر من الإرهاب هو فساد الفكر و فساد القلب , الذي يدفع صاحبه للتبجح بجمله قرأها في مقال , ووضعها في غير مقامها .
    – الفاسد يسعى بشكل خفي للتربح من المال العام , و يكون جبانا خشية كشفه , أما الإرهاب يا خالد الحويطي , فهو يضرب علنا باسم الدين للقتل و الذبح و السبي و الإغتصاب , و تدمير البشر و الشجر و الحضاره
    الإرهاب سيجعلك لا تجد رغيف الخبز و لا حبة الفلافل
    أنظر حولك لتعرف ما فعل الإرهاب في الدول المجاوره , و حاول معرفة كيف يعيش مواطني تلك الدول عندما يقعون تحت حكم الإرهابيين , و لا تنسى سبي النساء , و بيعهن و اغتصابهن من العشرات
    الفاسد مهما بلغت درجة فساده فهو لن يقتلك أو يدمر بيتك أو يقطع رأس شقيقك أو يسبي أختك .
    – لكل مقام مقال يا خالد الحويطي , و شتان بين الشهيد البطل معاذ الحويطات و بين غيره .

  4. الاخت الكاتبة الفاضلة نرجو ان تاخذي بعين الاعتبار في كتاباتك ما اورده بعض الاخوه المعلقين الافاضل من ملاحظات صحيحة وقيمة، وقد تم الاشارة لبعضها في مقالات سابقة لك.

    لا يوجد شيء اسمه اعلان “مغالطة” في التصريحات الامنية، هذا الكلام مضحك للبعض، هناك شيء اسمه تقييم اولي وهناك شيء اسمه نتائج التحقيق، وزارة الداخلية لا تملك ان تصرح بخلاف ما ياتيها من الاجهزة الامنية التابعة لها والتي يعمل منتسبوها على الدوام بكل مهنية وحرفية عالية.

  5. الى المعلق الذي ينتقد كاتب المقال تحت اسماء متعددة، من نصبك مرجعا امنيا؟

  6. الاردن دوله وشعبا متماسكين جدا والارهاب ظرب جميع دول العالم حتى العظمى منها اما بالنسبه للاعلان الاول عن الفحيص هو مقصود لاسباب استخباريه ويفهمه الشعب الاردني وتمة السيطره وقتل من الخليه والبقيه اعتقلو … ولكن الارهاب الحقيقي هو نهب المال العام وارجاع اموال الشعب من الفاسدين والخونه لانه هناك ارقام مرعبه حقا دامة اقلامك فرح.

  7. الخوف من يقوم الارهابيين باطلاق النار على المدنيين حيث تشرف العمارة ألتي يحتمونا بها على كامل الحي والمحلات التجارية في أسفل المنطقة كما أن الارهابيين قاموا بتفجير الأحزمة الناسفة عندما اقترب منهم البطل معاذ الحويطات.

  8. الكاتبة الفاضلة، أنصحك بشدة الابتعاد عن مصطلحات الإثارة الصحفية أو ما يسمى sensationalism مثل “عداد الدم” و”تم ترك الأردنيين لمواجهة مصيرهم” وغيرها.

    — البيان الأول الذي أعقب حادثة الفحيص كان واضحا حيث أشار إلى أن السبب قد يكون انفجار قنبلة غاز مؤكدا في الوقت ذاته أنه قد يكون هناك سببا اخر وأن التحقيقات ستكشف المسبب.

    — هل فعلا وصل عدد جرحى قوات الأمن الباسلة إلى 21؟ العدد يشمل الجرحى من المدنيين.

    — كان الأداء الأمني والحكومي محترفا ومختلفا تمام الاختلاف عن حادثة الكرك.

    — أثبتت هذه الواقعة على قسوتها وبشاعتها عن معدن شعبنا الطيب الواقف بحزم وصلابة خلف قيادته في مواجهة كافة أشكال التطرف.

  9. للنذكير، هناك اجتماع مقرر في واشنطن في شهر ١٠ المقبل لبحث تشكيل تحالف صهيوني يسمى ناتو سني أو عربي او اسلامي.

    هجوم الفحيص وما تلاه قد يكون ترهيب صهيوامريكي للاردن للتعامل مع هذا التحالف بايجابية، وإلا سيلقى الاردن الكثير من هذه الأحداث.

    وجهة نظري أن لا يحضر الاردن هذا الاجتماع، فلسنا معنيين بأمن العدو الصهيوني أو استقرار ال سعود.

  10. البعض يحب الاثارة
    هكذا بدأت القصة بعد الانفجار، بعد التحقيق الاولي جاء تصريح يؤكد انفجار قنبلة غاز داخل الحافلة وأكد المتحدث ان سبب الانفجار سيعلن بعد انتهاء التحقيق.
    وفعلا خلال ساعات تم الاعلان عن العبوة اللتي تم زرعها تحت الحافلة وان قنبلة الغاز انفجرت نتيجة انفجار العبوة.
    لا يوجد تناقض او مغالطة يوجد شفافية

  11. الكاتبة المحترمة لا علاقة لها بالتحليل الامني ..اعتقد ان معلوماتها ضئيلة

  12. مع شديد الأسف فأن عناصر قوى ألأمن تفتقد الخبره العمليه في المواجهه , كذلك هم لا يأخذون الحذر الكافي وربما رجحوا حسن النيه كما في الكرك , لأن تدريباتهم تبقى نظريه – مهما تقدمت – عناصر الأمن السعودي كانت تفقد الكثير من الأرواح في مواجهة الأرهابيين المتحصنين , لكن مع أكتساب الخبره لم يفقدوا أحدا . فعلا هوشىء محزن خسارة الأرواح بهذا الشكل , رحمهم الله جميعا .
    الشىء الآخر , بتقديري ان الخليه كانت تحت المراقبه لغرض الأستفاده التامه من المعلومات أو للقبض على أفراد مهمين , ولما حصل تفجير الفحيص توجهوا اليهم فورا وهذه المتفجرات والأسلحه توحي أن هناك أعدادا كبيره من الأرهابيين مع بنيه تحتيه لهم .
    يبقى الأهم وهو محاربة الحاضنه الفكريه لهؤلاء كذلك التعاطف الواضح لدى الكثيرين

  13. أنصح الكاتبه المحترمه بالإبتعاد عن التحليل الأمني .
    – الإعلان عن إنفجار قنبلة غاز , كان من ضمن الخطه الأمنيه , لإعطاء الإرهابيين الشعور بالأمان , و خلال ذلك كانت المخابرات تقود الهجوم على خلية السلط .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here