كلمات عن غزة التي تموت ببطء..!

 

 akram attalah33

أكرم عطا لله

اكتبوا على قبر غزة أن أبناءها وأخوتها قتلوها حين ضبطت متلبسة بالحب، حب الحرية، حب الحياة فقاموا بإعدامها، أهيلوا التراب على هذا الجسد المتعب بعذابات السنين وآثار السيوف، فقد آن الأوان أن تموت بنواح خافت دون رحمة أو ترحم عليها من قبل كل الذين وقفوا متفرجين على مأساتها وكل الذين يتلذذون بحكمها دون أن يرف لهم جفن من حجم فظائع الفقر والبؤس والعتمة التي تلفها.

لكل الذين تعاملوا معها كطريدة وتنازعوا لحمها وامتصوا عظمها حتى النخاع وألقوا بها على قارعة التسول والموت البطيء، لكل الذين جعلوا منها أكبر سجن في التاريخ، ولكل الذين جعلوا الحياة فيها دورة تدريبية على جهنم، ولكل الذين كانوا وما زالوا يصفون حساباتهم على جثتها النازفة، وباسم كل الذين لا يجدون قوت يومهم، وكل الذين يهربون من وجوه أطفالهم بسبب العدم، وباسم طوابير البطالة والمحرومين، وكل الذين احترقوا بالجوع وبالشموع، وكل الذين ماتوا قبل أوانهم، وباسم كل من منهم قضى نحبه ومن منهم ينتظر يُكتب هذا المقال.

في غزة رجولة فقدت هيبتها، ودموع متحجرة في مقل رجال عصرتهم الحياة وهزمتهم أمام نهم السلطة وجائعيها، وآباء وقفوا عاجزين أمام طفولة أبنائهم، ماذا يعني أن يبكي أمامك رجل رفض صاحب السوبر ماركت أن يعطي لزوجته بعض الجبن كان أطفاله ينتظرونها كوجبة غداء لأنه لم يستطع سداد الدين؟ وماذا يعني أن تجد بائع الكعك صباحاً وتعود عصراً لتراه لا يغادر بعربته المكان وهو يتناول غداءه بعض الكعك مع الملح، وقصص كثيرة تشكل كل منها رواية مأساوية تساوي مجموعها كارثة إنسانية لا تصدق.

في غزة فقدت الإنسانية مضمونها، وللحظة بدا كأن أبواب السماء أغلقت في وجه هذه المدينة البائسة والفقيرة من كل شيء إلا من الدم الذي تدفعه كضريبة استمرارها بالحياة، في غزة يبدو كل شيء كئيباً، كما قال صديقي العائد من رام الله، ملامح البشر فقدت حيويتها حين شعر أنه يعود إلى منطقة كأنها غريبة عليه وكأنه لم يعرفها من قبل.

قبل تسع سنوات كتب شاعرنا الكبير محمود درويش أن شيوخ غزة بلا شيخوخة وأن نساء غزة بلا رغبات وأن أطفال غزة بلا طفولة، ماذا كان سيقول لو بقي حياً وقدر له أن يزور غزة الآن؟ كان سيلعن كل شياطين السياسة التي خرجت دفعة واحدة من القمقم وتتصارع على السلطة لتعدم ما تبقى ما في غزة من حياة، هل هناك في الضمير الإنساني ما يساوي عجز أب عن وجبة من الجبن لأطفاله؟ وهل كل مناصب الدنيا تكفي للإجابة عن سؤال جوعه؟ أم صرخة طفل أفاق منتصف الليل مذعوراً حين اعتقد أنه في القبر لأن موعد قطع الكهرباء كان ليلاً فتحول كل شيء إلى ظلام دامس.

مفوض عام الأونروا، فيليبو غراندي، يقول: إن قطاع غزة أصبح غير صالح للسكن، هذه حقيقة الحقائق التي لا يريد أن يراها الساسة الذين يتنعمون برغد العيش بعيداً عن المآسي التي تصدع رؤوسهم، وحكومة غزة لا تتوقف عن إعلان الإنجازات، وكم أن سكان غزة محظوظون لأنها تحكمهم، وتصل الملهاة إلى أن تعلن استعدادها لدعم الضفة الغربية التي تفكه صديقك من هناك قائلاً “لا تنسونا من كرمكم”، صدق محمود درويش حين قال “قد تدخل الملهاة في المأساة يوما”.

هل يمكن أن نتصور أن تغلق منطقة في العالم لعقود طويلة، فمنذ احتلالها عام 67 وغزة معزولة عن العالم، فقد حال الإسرائيلي دون تواصل سكان القطاع مع الخارج، فأصبحوا لا يشبهون غيرهم من العرب، وما أن غادر الإسرائيلي حتى استكثرت القوى بقطاع غزة على الناس حرية السفر، لتقوم “حماس” بانقلابها وسيطرتها على غزة التي أعادت إغلاق القطاع كعادة الاستثناء في حياة غزة التي كتب عليها ما لم يكتب على الذين من قبلها من شقاء كأنها ولدت ملعونة.

لا حياة في غزة ولا كهرباء ولا ماء ولا وظائف ولا جامعات ولا سفر ولا علاج ولا بيوت تشيد ولا شوارع ترصف ولا علاقات سوية ولا نساء ولا رجال ولا مال ولا أحلام ولا آمال ولا مستقبل تنتظره الأجيال، وأهالي غزة غاضبون من كل شيء وعلى كل شيء، على الفصائل والقوى والسياسيين، وعلى كل من ألقى بهم إلى حتفهم، غاضبون على أنفسهم، على خياراتهم الانتخابية، وغاضبون أكثر من عجزهم عن تغيير واقعهم، وعجزهم عن الخروج للشارع، عجزهم عن الضغط على القوى، عجزهم عن أن يكونوا قوة تأثير بعد أن خذلهم الجميع.

بدت غزة كمختبر لهواة السياسة يجربون فيها حظوظهم، وبدا أهلها كفئران تجارب للهواة والمحترفين من أبنائها ودول العالم وأجهزته، وكأن غزة تحتمل أن تكون شاخص رماية لكل من أراد التعلم، فقد تمزقت لكثر ما أصابها من رصاص الأخوة الألداء، والأصدقاء والغرباء والأعداء، وما زالت تعد حصتها من الدم في معارك الغد، وكأن الناس أصبحت تعرف أن لا استقرار لهذه المنطقة التي لا تتوقف عن الاشتباك.

هنا في غزة يسود إحباط لم يكن يوماً بهذا القدر حتى في أسوأ لحظات الحروب، هنا في غزة يطغي الحزن والألم، هنا في غزة يسجل التاريخ أن هذه البقعة التي شاء لها القدر يوماً أن تعيد بعث الحركة الوطنية وتحمل على أكتافها عبء التحرير وولادة الفصائل حين تبقت وحدها كمدينة ساحلية بعد النكبة، يسجل التاريخ أنها تموت ببطء أمام نظر الجميع انتظروها حتى تلفظ نفسها الأخير… واقرأ الفاتحة.

كاتب فلسطيني

Atallah.akram@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

7 تعليقات

  1. إن شاء الله رح ترجع فلسطين حرة وعلى يد وحدة وطنية فلسطينية

  2. الله ينصرهم غزة واهلها وصف دقيق بس كفى صراع بين الحركات حماس وفتح صراع على السلطة اتغير عنوان القضية من فلسطين وإسرائيل لحماس وفتح ماراح ينفك الحصار عن غزة الا بالوحدة الوطنية الصراع بين الحركات عم يعطي إسرائيل فرصة ذهبية لقضاء على فلسطين أن شاءالله يرجع وحده وتوافق بين الحركات وترجع فلسطين منصورة امين

  3. عزيزي اكرم نتألم كئيرا لما وصفت به غزه واهل غزه من معاناه تخر لها الجبال ولكن بدلا من ان نصف المشهد علينا ان نكشف عن السبب والمتسبب لهذا المشهد ز فاسرائيل هي المتهم الاول وليس الاخير ولكن ماذا بشأن حماس التي اختطفت البلد وحولتها الي رهينه تصرفت بها وقتما شاءت وكيفما شاءت انها تقرر الحرب والسلم مع اسرائيل في اي وقت تشاء غير عابئه بالنتائج الكارئيه علي شعب محاصر بالكاد يجد قوت يومه . اتت الي الحكم تحت مظله اوسلو وبعد ذلك تنكرت لها ارتضت بحل الدولتين ارضاء للمجتمع الدولي كي تمسك بالحكم والان تنطر علي ابو مازن مفاوضاته مع اسرائيل . تريد ان تحول غزه المحاصره ال اماره اسلاميه مع علمنا انه لا ولن يوجد في التاريخ ان كا هناك دوله اسلاميه تحكم بشرع الله الا في زمن الرسول “صلعم” . انهم يريدوا ان يحرروا فلسطين من غزه ( الساقطه عسكريا) المحاصره من الاربع جهات أي حمق هذا. لك أن تتخيل ياعزيزي غزه بدون حماس ولا فتح ولا جهاد ولا شعبيه ولا قاعده ولا سلاح ……ماذا ستكون غزه الا يستحق هذا الشعب المسكين ان يلتقط انفاسه ويعيش مثله مثل باقي شعوب الارض. كاتب هذه السطور فلسطيني فقط

  4. As much as I would like to blame Abbas, or Hammas for the problems of Gaza, but they are not the cause of the Palestinian suffering; it is Israel the cause for all Palestinian suffring in Gaza and everywhere.

  5. نرجوا جيش مصر العظيم تحرير أهل غزه الاعزاء من قبضه عصابه اخوان غزه ، لكي ينعم بحياة كريمه

  6. هذاغير صحيح صحيح في مشاكل في غزة ولكن بسبب تامر محمود عباس وزمرة فتح التي مصت دم غزة والان تمص دم الضفه الغربيه لولا خيانتكم وتامركم ما حصل في غزة هذه الماناة

  7. وصف دقيق ومؤثر لما يجري في غزة. والله لقد شعرت بالحزن والألم لأوضاع الناس ونفسياتهم المحطمة. الله يصلح الحال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here