“كفاف” الأردنيين و”لطمية” الرزاز- كناكرية: الكباريتي تحدث عن “المليونير الفقير” والرفاعي يطالب عبر “رأي اليوم” بإنعاش”الطبقة الوسطى”.. لا يوجد بيانات ولا ارقام لـ”خط الفقر” والحكومة تائهة في التفاصيل.. ولأول مرة: الإعفاء من الضريبة أعلى من غالبية الرواتب

 

برلين – “رأي اليوم” – فرح مرقه:

يتحسس الأردنيون جيوبهم وهم يستمعون لما اسماه نشطاء “لطمية” الدكتور عمر الرزاز ووزير ماليته عز الدين كناكرية حول عجز الموازنة في الدولة والتي تزداد بفعل زيادات المعلمين الناجمة عن فك الاضراب الأخير. بالأثناء تقتنص النائبة الدكتورة ديمة طهبوب الفرصة الاثنين وتصر على إفصاح حكومي عن خط الفقر، ومجدداً لا تلقى جوابا.

قد تكون طهبوب عمليا، تحاول إبعاد شبح أي زيادات على الضرائب والرسوم وغيرها والذي يمكن أن تختاره الحكومة ضمن خطتها لسد العجز في الميزانية وبحجة اضراب المعلمين اليوم، ولاحقاً بحجج إضرابات أخرى نجمت عمليا عن عدم التكافؤ بين ما يتقاضاه المواطنون في الأردن من رواتب وبين ما هو مطلوب منهم دفعه للدولة.

بكل الأحوال من الواضح أن الحكومة الأردنية لا تملك فعليا أية أرقام تمنحها دليلا على الخط المذكور، ووفق معلومات “رأي اليوم” فقد استندت الحكومات السابقة طوال الفترة الماضية على إحصاءات مما قبل عقد تقريبا في تقييماتها، والاحصاء الرسمي الوحيد الذي حصلت عليه “رأي اليوم” من جانب الحكومة قبل نحو 10 أيام كان إحصاء يزعم ان “معدّل رواتب الأردنيين هو 350 دينارا” (أي ما يقارب نحو 500 دولار امريكي).

الرقم المذكور لم تستطع الحكومة ان تمنح “رأي اليوم” معه أية تفاصيل: لا حول عدد من يتقاضون اقل من هذا الراتب ولا اعلى ولا حتى اعداد من يتقاضون عمليا 350 دينارا، ولكن الرقم المذكور بالضرورة لا يقدّم كفاف اليوم للأردنيين، وبغياب الأرقام يمكن ببساطة الاعتماد على الرقم الوحيد المعلن من قبل الحكومة وهو حدّ الاعفاء من ضريبة الدخل.

حد الاعفاء الضريبي يمكن اعتباره “خط الفقر الحكومي” ببساطة (يعادل عام 2019 نحو 1200 دولار امريكي شهريا او 833.5 ديناراَ أردنياً، بينما ينخفض في عام 2020 وفق القانون الجديد)، ويمكن اعتماده وببساطة أيضا كإحصاء لما يمكن تسميته “حد الكفاف”، إذ تعترف الحكومة ضمنيا أن من هم دونه لا يستطيعون دفع ضريبة الدخل، وانه يكفيهم فقط لشراء قوت يومهم والخدمات التي يضطرون للدفع لقائها، رغم انها ووفق النظام الضريبي المشوه الحالي تنهش راتب كل من هم دونه بأكبر نسبة ممكنة بالضرائب المباشرة بين مبيعات ورسوم وغيرها.

بهذه الصيغة يمكن فهم الأسباب التي تجعل الشرائح الأقل دخلا اليوم تتملل، إذ ترزح عمليا تحت “خط الكفاف” بمراحل، حيث الحد الأدنى للأجور في الأردن 220 دينارا اردنيا (نحو 300 دولار امريكي)، أي ان الأردني يحتاج لنحو 4 دخول ليصل حد ضريبة الدخل او ليصل إلى “خط الكفاف”، كما يدفع هذا الأردني النسبة الأعلى قطعا من اجره على الضرائب والخدمات.

الحساب ذاته يظهر أسباب تراجع ضرائب الدخل وغيرها اذ يعيش معظم الأردنيين تحت كل الخطوط التي تعفيهم من ضريبة الدخل، وتجعلهم غير قادرين على الاستهلاك أصلا لدفع ضرائب مقطوعة أخرى، في ضوء عدم توفر أي خدمات مجانية او رخيصة لهم.

أمام هذه الحقيقة تظهر فعليا مظاهر عجز الحكومات المتعاقبة في تحقيق أي تقدّم في سياق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا وان الأردن فيه رواتب مرتفعة وبصورة خيالية لفئة محددة من الموظفين بينما يرزح المعلمون والجنود والشرطة والممرضون وحتى الأطباء وصغار الموظفين كلهم تحت خط الكفاف الذي يمكن ارتضاؤه كحكمٍ بين الأردنيين وحكومتهم.

بهذا المعنى، يمكن فهم وإدراك إصرار رئيس الحكومة الأسبق سمير الرفاعي على ضرورة “تصفية حساب” أصحاب الأجور المرتفعة من الدولة مقابل رفع الحد الأدنى للأجور في محاولة لإنقاذ المتبقي من الطبقة الوسطى، وهنا عدة أفكار سيتم عرضها في تقرير لاحق لـ “رأي اليوم”.

الرفاعي تحدث لـ”رأي اليوم” عن أهمية اتخاذ خطوات تعيد للطبقة الوسطى المزيد من القدرة الشرائية في وقت اعتبرها فيه قد اختفت، بالإضافة إلى تأكيده على أن النظام الاقتصادي في الأردن وتحديدا في القطاع الحكومي يتخذ أسوأ الممكن من أي نظام آخر ولا يعرّف نفسه، مطالباً بإعادة تعريف السياسة الاقتصادية للدولة إذا ما كانت محافظة أو ليبرالية أو ماركسية وغيرها، باعتبار ذلك قد يسهل إيجاد الحلول وفق نظام محدد وطريقة تفكير منظمة.

بالعودة لخط الكفاف المذكور، والذي يعيه بالضرورة مفكر اقتصادي من وزن رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، فإن المبلغ الذي تعفيه الحكومة من ضريبة الدخل سيتقلص بعد ثلاثة أشهر أي بدخول عام 2020 وفق قانون الضريبة الذي كان اول ما مررته الحكومة الحالية ليصبح أكثر بقليل من 1000 دولار أمريكي، نحو 750 دينارا أردنيا كل شهر.

بهذا المعنى، وهذه ارقامٌ دار عليها جدل بين “رأي اليوم” وأعضاء في الحكومة، يغدو من المطلوب من الدولة ككل القيام بأمرين وبصورة سريعة جدا، الأول هو اعفاء من هم دون “خط الكفاف” من الضرائب المباشرة جميعا (وهذا كان احد مقترحات شجعها رئيس لجنة التربية النيابية الدكتور إبراهيم البدور في نقاش مع “رأي اليوم” اثناء المفاوضات مع المعلمين)، وهو ما تتهرب الحكومة من الاعتراف به ولا تريد المخاطرة في سياقه باعتبار ان أصحاب الدخول المتدنية هم القوة الحقيقية الدافعة للضرائب المباشرة.

الضرائب المباشرة كانت أول ما انتقده الرزاز عمليا في مرحلة حكومته الأولى باعتبارها الأسوأ اثرا على المواطنين وعلى الدولة.

الامر الثاني هو إعادة هيكلة الرواتب وفقا لقواعد بسيطة أساسها خفض الرواتب المرتفعة والامتيازات الخاصة التي يحظى بها شريحة كبار الموظفين لصالح رفع الحد الأدنى للأجور وامتيازات الموظفين في شريحة ما دون “خط الكفاف”، وذلك لتسهيل عودة بعض النشاط للشرائح المتدنية من جهة، وتخفيض اعداد المرحّلين من الطبقة الوسطى للفقراء، مقابل مساعدة الطبقة العليا من الموظفين على وقف تجميد أموالهم في البيوت والعقارات وغيرها لصالح استخدامها في السوق.

عمليا، تدرك الحكومة جيدا ان البلاد اليوم تقف امام مأزق ازدياد الفقير فقرا والغني غنىً، وغياب أي مرحلة بينهما بعد ان انتهجت هي وسابقاتها ذات الطريقة التي تزيد من أعباء الطبقة البسيطة وترفع مزايا الطبقات العليا.

مثل هذا الاختلال في الاقتصاد الأردني جعل رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي يطلق مصطلح “المليونيرية الفقراء” على الأردنيين ممن يمتلكون الأراضي والبيوت وغيرها، باعتبارهم يمتلكون ذلك النوع من العقارات والأصول بينما لا يرغبون في بيعها ولا التصرف فيها، ويشكون الحال مع الفقراء ما يضعف قدرة السوق.

لهذه الصيغة التي استخدمها الكباريتي بعدٌ سياسي، باعتبار الأردنيين اليوم لا يرون ان دولتهم عمليا استنفذت وسائلها بينما هم لا يزالون يرون غيابا في العدالة من جهة، ويستمعون لخطابٍ سياسي اعلامي تقسيمي من جهة ثانية.

بكل الأحوال، الحكومة اليوم امام المأزق الحقيقي مع تهمهم نقابات الممرضين والمتقاعدين العسكرين للتحرك على غرار ما حصل مع المعلمين، وهذا يتطلب معالجة شاملة وهي ما تأخرت به حكومةٌ تدرك اثر الضرائب والرسوم على المواطنين، بهذا المعنى لن يكون غريبا ان تجد الدولة شعار “بدي ادفع ضريبة دخل” قريبا في الشوارع ومترافقا مع الإضرابات باعتباره مطلبا عماليا لتحسين الظروف المعيشية السيئة لهم.

هذا تحديدا يحتاج منها ان تتخذ الإجراءات اللازمة في تقليص ما تمنحه للطبقات المرتفعة من جهة وان تعيد النظر بالحد الأدنى للأجور بصورة معقولة، وتعالج الضرائب المقطوعة المباشرة وان تتراجع عن الخطابات التقسيمية، لصالح الجميع ولصالحها قبل أي طرف اخر، والإجراءات المذكورة من شأنها طبعاً ضخ بعض الانتعاش بالطبقة الوسطى ليس فقط لينتعش اقتصاد المملكة، ولكن لتستعيد شرائح فقدت ثقتها بإدارة الدولة ككل (ووصلت حالة فقدانها الثقة لأبعد مما يعتقد الجميع) بعضاً من الإيمان بالإدارة وبالحكم.

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. خردة سياسية ترسل إشارات تشير فيها إلى قابليتها إلى إعادة التدوير و العودة الرابع

  2. المقال سهل ومفهوم وليس فيه طلاسم وهو يعرض الوضع المعيشي المتردي للشعب الاردني بينما هناك فئه قليله تنعم برواتب فلكيه وامتيازات كثيره

  3. اول مرة يعجبني تعليقك يا استاذ مغترب.

    اخت فرح. اتمنى أن تراعي السهولة و البساطة في الكتابة. انا متأكد أنك تستطيعين أن تكتبي بطريقة تجذب كل الفئات.

  4. بغض النظر عن تصريحات المسؤولين السابقين الذين كانوا جزءا من سلسلة التآكل الاقتصادي والطبقي في الاردن…. فإن الحل الوحيد لمشكلة اقتصاد وطني هي تحريره من طغمة صندوق النقد والبنك الدولي عليه… وذلك يكون بتحررنا من الطغمة الفاسدة المنفذة والعاملة لديهما ….
    الملقي اعترف بها انه لا يستطيع إلغاء ضريبة مدخلات الإنتاج الزراعي بدون موافقة صندوق النقد… واي رئيس حكومه يستمر في التعامل مع الصندوق لن يخرج عن هذه المعادله

  5. البلد بكل امانة واقولها للاسف الى انهيار واللي ما بشوف من الغربال اعمى نقطة انتهى الكلام ….. ما لم يتم اخذ خطوات جادة في محاربة الفساد واعادة الهيكلة لكثير من المؤسسات التي يرى المتنفعون منها ان انهيار البلد اسهل عليهم من التضحية بمكاسبهم ورواتبهم فيجب الغاؤها وفورا دون النظر لاي عواقب وطالما هناك وزارات متخصصة ………..وطالما الامر لا يعنيهم اقصد الذين سرقو البلد وجب ان يكون القرار من راس السلطة وبكلمة واحدة في ليلة ظلماء يجمعون هؤلاء ويؤخذ منهم كل ما نهبوه وتحل المؤسسات المستقلة ويتم اعادة ادارة ثروات البلد بطريقة شفافة جدا من الشرفاء في وطني وهم كثر ويتم الغاء الضرائب التي اهلكت البلاد والعباد ولنبدأ معتمدين على انفسنا غير هيك كلو دوران في حلقة مفرغة

  6. لم اقرأ كل المقال واالمتابع لحال الاردنيين فهو من سيء الى اسوأ لان جهابذة الاقتصاد في البلد ليس لديهم الا الضرائب ثم الضرائب الى يوم القيامه وجميعهم فاشلون مع سبق الاصرار والاسوأ يأتي من مجلس النواب المفترض انه جاء من رحم الشعب الا انه اصبح اكبر عدو للشعب ويتسلح ببعض المنتفعين والمسحجين من ابناء الشعب الذين سيطر عليهم الجهل وتفضيل المصلحه الخاصه والمنفعه الانيه على الحفاظ على مصالح العامه

  7. السؤال الذي بات مطروحة بعد اضراب المعلميين لماذا لا يكون من يتولى زمام امر بصلابة معلم بسيط جاء من قلب الريف الأردني وقارع مفاصل الدوله جميعا ولم تكن قوته الا بفعل الإخلاص وحب الوطن والصدق في الفعل والقول. لو قدر لأي مواطن أردني مسك زمام الأمور لاودع كل الفاسديين واللصوص وسارقي المال العام في السجون بخلال ٤٨ ساعه ولاستعاد الدوله كامله والشعب يشد على يديه. مصلحة الملك العليا الان بزج كل من تطاول على المال العام بدأ من روؤساء الحكومات إلى أصغر موظف فاسد. وفي هذه الحاله لا تستطيع قوه في العالم قهر الشعب الأردني او التاثير على قراره في محبته للملك والوطن من كافة مكونات الشعب.

  8. ١- مجلسي النواب والاعيان لم يكن لهم دور يذكر في اضراب المعلمين فالافضل الغائهما وفائض الرواتب يستفاد منه لسد عجز رواتب المعلمين. ٢- الحكومة تستخدم سيارات فاخرة جدا مثل مرسيدس وتسلا وهذه الانواع لا تليق بمستوى اداء الحكومة فالافضل شراء انواع كورية تتماشى مع الوضع الاقتصادي . ٣- سيارات الشرطة لازم ياباني ولازم اقتصادية . انحل الموضوع

  9. الاردن فيها رواتب حكوميه لبعض الناس لا توجد في امريكا. يوجد تفاوت كبير جدا في الرواتب وبحاجه الى اعادة النظر في الامر وجعل المعيار للكفائه وليس للنسب والقرابه والصحبه واسم العائله.

  10. .
    — بصراحه ، والله ما فهمت شيء من المقال ، يا أستاذه فرح أنتي كتبتي عن الكباريتي والرفاعي وليس عن فوكوياما وكنزي . كلام الصالونات الذي يصدر عن طبقه الرؤساء السابقين ليس للاستهلاك الشعبي لان الناس يعرفون مواقفهم عندما كانوا بالسلطه ، هذه التصريحات هدفها البقاء تحت الضوء لما في ذلك من ميزات تسهل أعمالهم لدى الدوائر الرسمية فلا يعطلها موظف خشيه من عوده احدهم لمنصبه السابق .
    .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here