كريم الزغيّر: غيتو (روابي) لا (المُقاطعة)

 

كريم الزغيّر

تمظهرت علاقات الإنتاج في المجتمع الفلسطينيّ بمظهر إقطاعيّ، فكان الفلّاح الفلسطينيّ يكدُّ في الأرض الّتي يملكها السّيد الإقطاعيّ، وهذا ما يتجلّى في الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، والّتي اُقتصرت على الأرض والعرض (المرأة)، أو كما يصفها الروائيّ والمفكِّر (غالب هلسا) بـ:”الوجه الرومانسيّ للهويّة الفلسطينيّة”. ارتسمت تقاسيم الهوية الوطنيّة الفلسطينيّة بما يتلاءم مع مُخيّلة الطبقة البرجوازيّة الفلسطينيّة، وطبقة مُلّاك الأراضي (المتواطئة مع الانتداب البريطانيّ والاحتلال الصّهيونيّ)، ومن الأدلّة التاريخيّة على ذلك؛ أنّ هذه الطبقة كانت تسعى إلى تثبيط وإفشال الإضراب الوطنيّ العامّ عام 1936؛ وذلك من أجل موسم البرتقال.

بُعيد النكبة الفلسطينيّة عام 1948؛ تحوّل المجتمع الفلسطينيّ من مجتمع زراعيّ- ريفيّ إلى مجتمعٍ صناعيّ-عقاريّ، وهذا التحوّل كان اِضطراريًا وضروريًّا؛ لأنّ المكننة الزراعيّة الّتي برع الاحتلال الإسرائيليّ في استخدامها أوهنت المزارعَ الفلسطينيّ (واستلاب الأراضي أيضًا عبر قانون أملاك الغائبين،أو اعتبارها محميات طبيعية) الذي كان يستخدم الأدوات البدائيّة في الزراعة (الفأس، المحراث، الدواب)، وهُنالك أسباب أخرى أيضًا لهذا التحوّل؛ أنّ الفلسطينيين انصهروا في الممارسة الاقتصاديّة للاحتلال الإسرائيليّ (أصبح عدد من الفلسطينيين بنّائين) فأضحى المزارع الفلسطينيّ عاملًا صناعيًّا.

تأسّست طبقة برجوازيّة فلسطينيّة صغيرة منذ بداية الخمسينيات في دول الخليج (وجلّ هذه الطبقة في الكويت). إلّا أنّ هذه الطبقة لم تكن برجوازيةً وطنيّةً بل كانت برجوازيّةً محليّةً سرعان ما أصبحتْ طبقةً كمبرادوريّةً (طبقة وسيطة). تعملقت هذه الطبقة عبر الحصول على توكيلات الشركات الأجنبيّة، ويمكن الادّعاء؛ بأنّ هذه الطبقة هي التي كانت التربة الطبقيّة الّتي انبثقت منها الثورة الفلسطينيّة عام 1965، وما يدلّلُ على هذا الادّعاء؛ أنّ هذه الطبقةَ (المتنفذة) جيّرت علاقاتها مع الأنظمة الخليجية لتدعيم الثورة الفلسطينية، ناهيك أنّ مؤسّسي هذه الثورة كانوا موظّفين في هذه الدول.

في السبعينيات؛ طفقت طبقة ثريّة بالظهور في الثورة الفلسطينيّة؛ وهي الطبقة الّتي كانتْ دوافعها المصلحيّة المحرِّك السّياسيّ للتسويّة مع الاحتلال الصّهيونيّ، وتمكّنت هذه الطبقة من الاسئثار والاستحواذ على المؤسّسات الوطنيّة الفلسطينيّة؛ وذلك من خلال نفوذها الأمنيّ (قوّات الـ17، الاستخبارات العسكريّة، الأمن الموحّد، الأمن المركزيّ)، ومن خلال نفوذها الماليّ (المال الخليجيّ، العلاقة مع الكمبرادور الفلسطينيّ).

بعد عودة قيادة منظّمة التحرير الفلسطينيّة إثر اتفاقِ أوسلو (1993) والّذي كان للكمبرادور الفلسطينيّ الباع في خلقه؛ ذوِّب الفلسطينيّون في علاقة اقتصاديّة ذيليّة-تبعيّة مع الاحتلال الصّهيونيّ؛ ذلك عبر أموال المقاصة، وبروتوكول (باريس)، وغيرها من الاتفاقيات مُذذاك؛ تشكّلت السلطة الفلسطينيّة كجهاز أمنيّ-بوليسيّ ضدّ الشعب الفلسطينيّ، وليس هذا فحسب؛ بل أيضًا تشكّلت كقناعٍ للكمبرادور الفلسطينيّ الّذي يرتبط مع الاحتلال الصّهيونيّ بعلاقات اقتصاديّة-عضويّة لا تنفصم.

اتصالًا بما ذُكر آنفًا؛ ابتُكرت مدينة (روابي)، والّتي يزورها قائد الجيش الإسرائيليّ للاجتماع مع قيادات السّلطة الفلسطينيّة الأمنيّة. لقد ابتُكرت (روابي) لاستيعاب الفلسطينيين في (الغيتو)، وهذا (الغيتو) من الطراز الحداثيّ. استيعاب يضمن عزل الفلسطينيين عن أراضيهم، وعزلهم عن صيرورة الفعل الصهيونيّ (الاستيطان، هدم المباني) وهذا ما سيتبيّن خلال السنوات الآتية، وما تبيّن الآن؛ أنّ المتحكّم في الزمن الفلسطيني السياسي هي (روابي) وليست السلطة الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. إلى الأخ المحترم غسان لافي…
    “إن المتحكم بالزمن الفلسطيني السياسي هي روابي” .. يقصد الكاتب هنا أن الذي يتحكم بالسلطة الفلسطينية وسياساتها هم الرأسماليون .. الذين يمتلكون راس المال وبالطبع هم الذين تتقاطع مصالحهم مع بعض مصالح الإحتلال الإسرائيلي.
    تحياتي للكاتب الذي أصاب كبد الحقيقة.

  2. شكرا جزيلا للكاتب المبدع على هذا المقال الرائع الذي ناقش عناصر جوهرية غابت عن الكثيرين.. وأحيانا قد عمد البعض على ضرورة تغيبها واغفالها ونسيانها حتى لا ينكشف حجم جرائمهم وتؤاطهم.
    تحياتي للجميع

  3. مع محاولتي الجاده لفهم الموضوع الذي كتب باستخدام مصطلحات وكلمات دقيقه لم أتمكن من فهم كثير من الأفكار المطروحه. ليت يقوم السيد الكاتب بعمل مقالات يسهل عملية الفهم وخاصة الفقرة الاخيرة
    “أنّ المتحكّم في الزمن الفلسطيني السياسي هي (روابي) وليست السلطة الفلسطينية.”
    مع امتناني

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here