كاظم ناصر: العمالة المنزليّة في الدول العربية والاخطار المتوقعة

كاظم ناصر

من الظواهر التي تستدعي الاهتمام في العالم العربي تلك المرتبطة بالخادمات والعمالة المنزلية والتي تتّخذ أشكالا عدّة، وتجاوزت الدول الخليجيّة النفطيّة الغنيّة إلى غيرها من الدول العربية الفقيرة، ولم يعد وجود الخدم في المنازل العربية مرتبطا بتلبية حاجة سيدة البيت في وجود من يساعدها على انجاز أعمالها من تنظيف وترتيب وطبخ واهتمام بالأطفال فقط، بل تعدّدت وظائف الخدم وعمالة المنازل فأصبح هناك خادمة للتنظيف، وأخرى للطبخ، وأخرى لتربية الأطفال، وسائق، ومزارع.

يقدر عدد العمالة المنزليّة في الدول العربية بأربعة ملايين وثمانمائة وخمسة وعشرون ألف (4825000) عاملة وعامل تم استقدام معظمهم من بلدان فقيرة كالهند وسيريلانكا وبنغلادش وباكستان والفلبين واندونيسيا وأثيوبيا، وقلة من الدول العربية حيث لا تتجاوز نسبة العربيات 1 %؛ وتتصدّر المملكة العربية السعودية قائمة هذه العمالة، فحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء في المملكة فإن إجمالي عددها في السعودية وصل خلال عام 2017 إلى 2418000 تليها الكويت 667000، الإمارات العربية المتحدة 268000، قطر 200000، لبنان 190000، عمان 130000، البحرين 100000، الأردن 45000.

وتقدر نسبة هذه العمالة في دول مجلس التعاون الخليجي ب 18 % من العدد الإجمالي للمواطنين الخليجيين، وإن 23 % من الأسر الخليجية تجاوز رقم الخدم لديها عدد أفرادها كما ذكرت صحيفة الخليج، وتكلّفها ما يزيد عن 21 مليار دولار (21000000000) سنويا، وتعتبر الدول الخليجية من أكثر بلدان العالم التي تلجأ للعمالة المنزلية؛ فالمملكة العربية السعودية تحتل المركز الرابع بعد الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا، علما بأن العمالة المنزلية في هذه الدول والعديد من الدول الصناعية الأخرى غير مقيمة، حيث تعمل الخادمات ساعات محدودة يوميا أو أسبوعيا حسب الاتفاق لمساعدة النساء العاملات، ويخضعن لقوانين واضحة تحمي حقوقهن، ولا يمكن مقارنة وضعهن بوضع اللواتي يعملن في الدول العربية.

ما يزيد عن نصف الخادمات العاملات في الدول العربية أميّات أو شبه أمياتّ، ولهنّ جميعا عادات وتقاليد وقيم ومعتقدات مختلفة ويواجهن صعوبات جمّة في فهم الثقافة العربية وفي التفاهم والتعامل مع أفراد الأسر التي يخدمنها؛ إضافة الى ذلك فإنهن يعانين من العمل ساعات طويلة قد تصل إلى 20 ساعة يوميا في أسر قد يزيد عدد أفرادها عن عشرة، ومن تدني الرواتب وعدم دفعها في مواعيدها، والإهانة، والتعذيب، وأحيانا الاغتصاب الجنسي، ويحرمن من حقّهن في الحصول على إجازات.

 فقد أدّت هذه الانتهاكات إلى احتجاج منظمات دولية مهتمّة بحقوق الإنسان، واحتجّت حكومات الدول المصدّرة للخادمات كالفلبين واندونيسيا واثيوبيا وسريلانكا على هذا النوع من المعاملة اللاإنسانية التي يتعرّضن لها في بلداننا، وطالبت بتغيير القوانين وإجراءات الاستقدام التي تجعل من منهن عبيدا تحت رحمة “الكفيل” المخدوم.

المجتمع الخليجي يعاني من الأضرار التي تنتج عن معاملة العائلات الخليجية اللاإنسانية للعمالة الوافدة خصوصا الخادمات، وقد سجلت المحاكم الجنائية في دول خليجية عدة حالات اعتداء قامت بها خادمات ضدّ ربات بيوت وأطفال تنوعت بين الإحراق والإغراق والضرب والقتل، وكان السبب الرئيسي وفقا للتحقيقات سوء معاملة الأهالي لهن مما دفعهن للانتقام، إضافة إلى ارتكابهن جرائم أخرى كالسرقة والإهمال والاتلاف والهروب.

لكن الضرر الأكبر على تلك المجتمعات قد ينتج عن تأثير الخادمات على الأطفال وينعكس على مستقبل تلك الدول؛ وبما أنه يوجد خادمات في الأغلبية الساحقة من بيوت دول الخليج، وتعتمد عليهن معظم الأسر في رعاية الأطفال وتربيتهم وتدبير شؤونهم، ولأنهن يأتين من ثقافات مختلفة وغير مؤهلات علميّا وتربويّا للعناية بالأطفال وتربيتهم، فقد يتعوّد الطفل الذي يقضى معظم وقته مع الخادمة على النمط الكسول الاعتمادي، ويميل إلى الانطواء والعزلة، ويواجه مشاكل نفسية نتيجة غياب والديه تؤثر سلبا على حصيلته اللغوية ونموه الإدراكي والعاطفي، وقد يتعرض للإيذاء البدني نتيجة لضرب الخادمة له عند رفضه الانصياع لأوامرها، وقد تكون النتيجة وبالا عليه فيفشل في تطوير نفسه، ولا يستطيع المساهمة في بناء مجتمعه وتقدّم بلده.

الإحصائيات تشير الى أن نسبة البطالة بين النساء العربيات لا تقلّ عن 75 %، ممّا يعني أن العمالة المنزلية لا لزوم لها إلا في حالات محدّدة، لكن وجود الخادمات في دولنا العربية أصبح شكلا من أشكال الوجاهة الاجتماعية الزائفة التي تسبب مشاكل تربوية وثقافية، وخلافات عائلية، ومخالفات قانونية، وانتهاكات لحقوق الإنسان تسيء إلى سمعتنا كأمة عربية.

إضافة إلى ذلك فإن العمالة المنزلية غير منتجة، ومن ثم فهي لا تحقق فوائد حقيقية لاقتصاد تلك الدول بل تكلفها مبالغ طائلة يمكن توفيرها بالتخلّص من هذه العمالة، أو على الأقل استبدال معظمها بعمالة عربية توفّر دخلا لملايين العائلات الفقيرة، وتساهم في خفض نسبة البطالة ودعم الاقتصاد في بعض الدول العربية!

إسرائيل استقطبت مليون مهاجر من الاتحاد السوفيتي بعد انهياره بينهم 330 ألفا يحملون شهادات جامعية معظمها في التقنية المتطورة، ونحن استوردنا ملايين الخادمات من الدول الفقيرة، ومئات آلاف .. الراقصات والمدلّكات والمتسكّعات ..  في شوارع وفنادق عواصمنا ومدننا الكبرى.

نحن أمّة مجدّدة! في دول العالم المرأة تنجب وتربي أطفالها، وفي بعض الدول العربية، وخاصة في دول النفط الغنية المرأة تنجب والخادمة الأجنبية تربي! إبداع وطني وثقافي مميّز يبشّر بمستقبل زاهر!؟

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

  1. أبدعت في طرح المشكله والنتائج المترتبه عليها وأثرها على البنى الاقتثصادية والاجتماعية للدول العربية النتائج ظهرت منذ عقدين من الزمن وما الاوضاع المتدنية من انهيار منظومات التربية والتعبليم والاخلاق في مجتمعاتنا العربية الا نتيجىة مباشرة لاستقدام العمالة الاجنبية المنزليىة وتحميلها المسؤؤلية عن خلق و تربية المواطنين الصالحين للبلدان المستقدمة لهم. منطق لم يسمع به احد من قبل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here