قيس السعيدي: من يسعى للحرب في الشرق الأوسط

قيس السعيدي

طبول الحرب في المنطقة تتعالى اصواتها. لكن هل ستحدث الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

لا تحدث الحرب إلا في حال ضمان نتيجتها بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر لأحد طرفي المواجهة. أو أن أحد الأطراف لم يعد لديه خيار سواها.

لكن تعالوا نفكر بصوت عالي ونبحث عن المستفيد من هذه الحرب إن وقعت، وما هي حسابات كل طرف.

لنبدا بالطرف الامريكي.

في حال انتصار الولايات المتحدة فهي ستبسط سيطرتها على المنطقة بشكل مطلق لعقود عديدة بعد تنصيب إدارة جديدة لإيران لتكون شرطي المنطقة وتنفذ الأوامر الأمريكية كما كانت تفعل في عهد الشاة. وبذلك تقطع الطريق أمام الطموحات الصينية وتقلم اضافر الدب الروسي. وقد ينشاء تحالف يشبه حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي.

لكن هل ستخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب بدون خسائر- هذا مستحيل- فيجب ان تدفع ثمن تهورها في قواعدها المغروسة وعتادها المبثوث وجنودها المنتشرون ومصالحها المتشعبة في المنطقة. قد تفيد الحرب ترامب في برنامجه الانتخابي لولاية ثانية وقد يستخدمها للهروب إلى الأمام في مواجهة الاستحقاقات الداخلية التي يضغط بها الديموقراطيون عليه في الكونجرس. فهل ستكون الحرب في المنطقة هي الورقة التي سيستخدمها ترامب لتنفيذ اجندته وخصوصا بعد أن فشلت مغامرته في فنزويلا.

قد يكون قرار الحرب بيد ترامب لكن حسابات الحرب ليست حصرية عليه. فمواجهة الرأي العام ودافع الضرائب الأمريكي تعمل له الإدارة ألف حساب. ولأن إيران لن تتلقى الضربات بصمت ولكن سكون لها فعل وأثر، فإن جثث الجنود الأمريكيين ستشعل الشارع الأمريكي ضد ترامب. ولنا في خسارة جورج بوش الأب للانتخابات بعد حرب الخليج الثانية دليل على ذلك.

قد تدفع الولايات المتحدة حلفائها في المنطقة لشن حرب على إيران وفي مقدمهم الكيان الصهيوني بالإضافة إلى السعودية ودولة الإمارات. لكن هل تستطيع هذه الدول شن الحرب بدون الانخراط المباشر للقوات الأمريكية. هذا الإحتمال يبدو ضعيفاً للغاية.

قد يبدو الكيان الصهيوني هو المستفيد الأكبر من هذه الحرب، إن لم يكن الوحيد، ففي حال اندلاع الحرب ستعمل على تحقيق هدفها في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، كما يوحي بذلك علمها بخطيه الازرقين الذين يرمزان للنهرين.

لكن زمان جيش إسرائيل الذي لا يُقهر قد ولى. وأصبح الكيان غير قادر على إدارة حرب على مقاومة محاصرة منذ ثلاثة عشر عاماً في غزة. ولا يستطيع الكيان مجرد التحرش بحزب الله في ميدانه بجنوب لبنان.

لن يكون الكيان في مأمن من صواريخ ايران التي تُعدها لمثل هذه المواجهة. ولن يقف حزب الله موقف المتفرج وهو الذي يمتلك العدة والعتاد والعقيدة لهذه اللحظة.

الشعب العربي، وإن كان يبدو مستكيناً مستسلماً في الفترة الأخيرة بعد أن أنشغل بلقمة عيشه وجرى على مدى عقود تمييع قضيته المركزية ولم يتونى المستعمر عن تجريف وعيه وإلهائه بتنازع طائفي واثني داخلي، لكن ما إن تنطلق الطلقة الأولى حتى تنقشع الغشاوة عن عينيه ويثوب الى رشده ويلتقط قراره وتتوحد رؤيته ويساند قضيته. وسيجاهد ليثأر لشهدائه ويعمل على استعادة ارضه ويحرر مقدساته.

أما عن دولة الإمارات والمملكة السعودية فأعتقد أن المواجهة الخشنة مع ايران ليست واردة في حساباتهما إطلاقاً. فالدرس الذي يلقنه لهما الجندي اليمني يجعلنا على يقين بأنهم ومنذ الأيام الأولى للحرب، سيستخدمون الإبل للتنقل والخيام للسكن كما كان يفعل اجدادهم قبل ستون عاما.

هذا على مقلب المحور الامريكي. فماذا نرى في الجهة الإيرانية. إيران تمتلك كثافة سكانية وتقدم علمي يجعلها ذات نفوذ ولاعب مركزي في الشرق الاوسط، فقد نسجت تحالفات في المنطقة واستغلت ظروف واخطاء الآخرين منذ الاجتياح الأمريكي للعراق وعززت نفوذها في المنطقة.

إيران لن تسعى للحرب فهي تعي جيداً اكلاف الحرب ومواجهة القوة العضمى في العالم، كما لن تهرب منها. لانها لو هربت فقد قدمت للولايات المتحدة المنطقة على طبق من ذهب، وانتصار مجاني وفوز غير مكلف لترامب.

إيران لن تتنكر لمبادئ ثورتها التي ظلت متمسكة بها منذ اربعين عاماً رغم كل الظروف التي مرت بها، ولن تتنازل عن طموحاتها ولن تتخلى عن اهدافها لأنها إن فعلت ذلك فقدت شرعيتها ومشروعها. كما إنها تستند إلى تاريخ يغذي شعورها القومي وفكر التضحية الذي يشحذ همة أبناءها. بالإضافة إلى أنها أصبحت في موقع تستطيع أن تُحدث ضرراً بليغاً في من يعتدي عليها. هذا لو افترضنا أنها ستقف في الميدان لوحدها.

ماذا عن تركيا وحساباتها والصين وطموحاتها وروسيا ومركزها?

أما تركيا في تعي أن غياب إيران المقاومة للمشروع الأمريكي سيجعلها بلد هامشي ليس له تأثير أو وزن في الحسابات الأمريكية. ولهذا ستكون في الصف الإيراني.

الصين لن تتردد في دعم ايران أولا لأنها بوابتها نحو أوروبا ولأن موقع إيران محوري في المشروع الصيني (طريق واحد حزام واحد). ثانيا ستتخذ الصين هذه المواجهة فرصة لكسر الهيمنة العسكرية الأمريكية. وتأجيل المواجهة في بحر الصين الجنوبي.

روسيا في سعيها الحثيث لتثبيت موقعها في القطبية الدولية لن تقف موقف الحياد وستجعل من هذه الحرب فرصة لتثبيت وجودها في منطقة الخليج والمياه الدافئة وعقدة طرق التجارة الدولية، كما انها ستسعى للثأر للإتحاد السوفيتي وما حدث في افغانستان في ثمانينات القرن الماضي.

مما سبق نجد أن كلا الطرفين لا يسعى للحرب، وأن ما يحدث هو تهويل بالقوة من أجل تمرير صفقة لبيع القضية الفلسطينية وتقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية من جانب المحور الصهيوني ومقاومة هذا المشروع من جانب محور المقاومة.

فهل سندخل في مرحلة حرب باردة تتسرب فيها الصفقات من تحت الطاولة وفي الغرف المظلمة بين اللاعبين الكبار على حساب الشعوب العربية ويعيد التاريخ نفسه.من يسعى للحرب في الشرق الأوسط.

قيس السعيدي

طبول الحرب في المنطقة تتعالى اصواتها. لكن هل ستحدث الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

لا تحدث الحرب إلا في حال ضمان نتيجتها بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر لأحد طرفي المواجهة. أو أن أحد الأطراف لم يعد لديه خيار سواها.

لكن تعالوا نفكر بصوت عالي ونبحث عن المستفيد من هذه الحرب إن وقعت، وما هي حسابات كل طرف.

لنبدا بالطرف الامريكي.

في حال انتصار الولايات المتحدة فهي ستبسط سيطرتها على المنطقة بشكل مطلق لعقود عديدة بعد تنصيب إدارة جديدة لإيران لتكون شرطي المنطقة وتنفذ الأوامر الأمريكية كما كانت تفعل في عهد الشاة. وبذلك تقطع الطريق أمام الطموحات الصينية وتقلم اضافر الدب الروسي. وقد ينشاء تحالف يشبه حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي.

لكن هل ستخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب بدون خسائر- هذا مستحيل- فيجب ان تدفع ثمن تهورها في قواعدها المغروسة وعتادها المبثوث وجنودها المنتشرون ومصالحها المتشعبة في المنطقة. قد تفيد الحرب ترامب في برنامجه الانتخابي لولاية ثانية وقد يستخدمها للهروب إلى الأمام في مواجهة الاستحقاقات الداخلية التي يضغط بها الديموقراطيون عليه في الكونجرس. فهل ستكون الحرب في المنطقة هي الورقة التي سيستخدمها ترامب لتنفيذ اجندته وخصوصا بعد أن فشلت مغامرته في فنزويلا.

قد يكون قرار الحرب بيد ترامب لكن حسابات الحرب ليست حصرية عليه. فمواجهة الرأي العام ودافع الضرائب الأمريكي تعمل له الإدارة ألف حساب. ولأن إيران لن تتلقى الضربات بصمت ولكن سكون لها فعل وأثر، فإن جثث الجنود الأمريكيين ستشعل الشارع الأمريكي ضد ترامب. ولنا في خسارة جورج بوش الأب للانتخابات بعد حرب الخليج الثانية دليل على ذلك.

قد تدفع الولايات المتحدة حلفائها في المنطقة لشن حرب على إيران وفي مقدمهم الكيان الصهيوني بالإضافة إلى السعودية ودولة الإمارات. لكن هل تستطيع هذه الدول شن الحرب بدون الانخراط المباشر للقوات الأمريكية. هذا الإحتمال يبدو ضعيفاً للغاية.

قد يبدو الكيان الصهيوني هو المستفيد الأكبر من هذه الحرب، إن لم يكن الوحيد، ففي حال اندلاع الحرب ستعمل على تحقيق هدفها في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، كما يوحي بذلك علمها بخطيه الازرقين الذين يرمزان للنهرين.

لكن زمان جيش إسرائيل الذي لا يُقهر قد ولى. وأصبح الكيان غير قادر على إدارة حرب على مقاومة محاصرة منذ ثلاثة عشر عاماً في غزة. ولا يستطيع الكيان مجرد التحرش بحزب الله في ميدانه بجنوب لبنان.

لن يكون الكيان في مأمن من صواريخ ايران التي تُعدها لمثل هذه المواجهة. ولن يقف حزب الله موقف المتفرج وهو الذي يمتلك العدة والعتاد والعقيدة لهذه اللحظة.

الشعب العربي، وإن كان يبدو مستكيناً مستسلماً في الفترة الأخيرة بعد أن أنشغل بلقمة عيشه وجرى على مدى عقود تمييع قضيته المركزية ولم يتونى المستعمر عن تجريف وعيه وإلهائه بتنازع طائفي واثني داخلي، لكن ما إن تنطلق الطلقة الأولى حتى تنقشع الغشاوة عن عينيه ويثوب الى رشده ويلتقط قراره وتتوحد رؤيته ويساند قضيته. وسيجاهد ليثأر لشهدائه ويعمل على استعادة ارضه ويحرر مقدساته.

أما عن دولة الإمارات والمملكة السعودية فأعتقد أن المواجهة الخشنة مع ايران ليست واردة في حساباتهما إطلاقاً. فالدرس الذي يلقنه لهما الجندي اليمني يجعلنا على يقين بأنهم ومنذ الأيام الأولى للحرب، سيستخدمون الإبل للتنقل والخيام للسكن كما كان يفعل اجدادهم قبل ستون عاما.

هذا على مقلب المحور الامريكي. فماذا نرى في الجهة الإيرانية. إيران تمتلك كثافة سكانية وتقدم علمي يجعلها ذات نفوذ ولاعب مركزي في الشرق الاوسط، فقد نسجت تحالفات في المنطقة واستغلت ظروف واخطاء الآخرين منذ الاجتياح الأمريكي للعراق وعززت نفوذها في المنطقة.

إيران لن تسعى للحرب في تعي جيداً اكلاف الحرب ومواجهة القوة العضمى في العالم، كما لن تهرب منها. لانها لو هربت فقد قدمت للولايات المتحدة المنطقة على طبق من ذهب، وانتصار مجاني وفوز غير مكلف لترامب.

إيران لن تتنكر لمبادئ ثورتها التي ضلت متمسكة بها منذ اربعين عاماً رغم كل الظروف التي مرت بها، ولن تتنازل عن طموحاتها ولن تتخلى عن اهدافها لأنها إن فعلت ذلك فقدت شرعيتها ومشروعها. كما إنها تستند إلى تاريخ يغذي شعورها القومي وفكر التضحية الذي يشحذ همة أبناءها. بالإضافة إلى أنها أصبحت في موقع تستطيع أن تُحدث ضرراً بليغاً في من يعتدي عليها. هذا لو افترضنا أنها ستقف في الميدان لوحدها.

ماذا عن تركيا وحساباتها والصين وطموحاتها وروسيا ومركزها?

أما تركيا في تعي أن غياب إيران المقاومة للمشروع الأمريكي سيجعلها بلد هامشي ليس له تأثير أو وزن في الحسابات الأمريكية. ولهذا ستكون في الصف الإيراني.

الصين لن تتردد في دعم ايران أولا لأنها بوابتها نحو أوروبا ولأن موقع إيران محوري في المشروع الصيني (طريق واحد حزام واحد). ثانيا ستتخذ الصين هذه المواجهة فرصة لكسر الهيمنة العسكرية الأمريكية في ظل التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة.

روسيا في سعيها الحثيث لتثبيت موقعها في القطبية الدولية لن تقف موقف الحياد وستجعل من هذه الحرب فرصة لتثبيت وجودها في منطقة الخليج والمياه الدافئة وعقدة طرق التجارة الدولية، كما انها ستسعى للثأر للإتحاد السوفيتي وما حدث في افغانستان في ثمانينات القرن الماضي.

مما سبق نجد أن كلا الطرفين لا يسعى للحرب، وأن ما يحدث هو تهويل بالقوة من أجل تمرير صفقة لبيع القضية الفلسطينية وتقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية من جانب المحور الصهيوني ومقاومة هذا المشروع من جانب محور المقاومة.

فهل سندخل في مرحلة حرب باردة تتسرب فيها الصفقات من تحت الطاولة وفي الغرف المظلمة بين اللاعبين الكبار على حساب الشعوب العربية ويعيد التاريخ نفسه.

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here