قوى “14 آذار” في لبنان.. 14 عاما من التنازلات

بيروت/ الأناضول

بين 14 فبراير/ شباط و14 مارس/آذار 2005، تجمع قطاع كبير من اللبنانيين تحت مطالب خروج الجيش السوري من لبنان، ورفض الاغتيال السياسي والمطالبة بالدولة المدنية، والحرية، والسيادة، والاستقلال.

14 عاما مضت على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، بتفجير موكبه في العاصمة بيروت، يوم 14 فبراير/ شباط من ذلك العام، وهو الحدث الذي وحد هؤلاء اللبنانيين، وشكل آنذاك تهديدا لـ”حزب الله” (شيعي)، الذي يواجه اتهامات ينفيها بالضلوع في عملية الاغتيال.

يرى خبيران سياسيان أن مسارا انحداريا رافق قوى “14 آذار” في مواجهة “حزب الله” وحلفائه، بسبب سياسات ارتجالية من “14 آذار” وداعميها الخارجيين، فضلا عن سلاح “حزب الله”، واندلاع صراعات إقليمية، وكذلك تضارب المصالح بين مكونات في “14 آذار”.

تنقسم القوى السياسية في لبنان بين تیارین أساسيين، هما “14 آذار” و”8 آذار”، وتعود التسمية إلى تاريخ الحدث المؤسس لكل تيار.

أقام التحالف الأول تظاهرة كبرى في 14 مارس/ آذار 2005، بعد صدور دعوات تطالب سوریا بالخروج من لبنان، إثر إغتيال الحريري، فرد التحالف الثاني بتظاهرة مضادة.

وكنتيجة لانتخابات برلمانية في 2005، حصلت “14 آذار” على أغلبية نسبية من مقاعد البرلمان، علما بأنها خاضت الانتخابات بالتنسيق مع “حزب الله” في بعض المناطق، تحت شعار “منع الاحتقان المذهبي”.

كما حصلت “14 آذار” على الأغلبية في انتخابات 2009، واستمرت حتى 2018، حيث انقلبت موازين القوى، وأصبحت الأغلبية في البرلمان والحكومة لصالح “حزب الله” وحلفائه.

** زعامة آل الحريري

وفقا للخبير السياسي اللبناني، منير الربيع، فإنه “لا يمكن إخراج لحظة اغتيال الحريري عن سياقها ضمن الصراع الإقليمي والدولي، وخاصة اجتياح العراق، في 2003، واغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (2004)”.

الربيع أضاف للأناضول أن “قوى 14 آذار، المدعومة من دول الخليج والغرب، ولدت بعد اغتيال الحريري، إذ جرى تغيير استراتيجي في موازين القوى السياسية بلبنان، حيث خرجت تظاهرة مليونية (في 14 مارس) أُطلق عليها انتفاضة الاستقلال ضد النظام السوري وتدخله في الشأن اللبناني”.

وأشار إلى أن “المتظاهرين طالبوا بانسحاب الجيش السوري من لبنان، حيث كان يتمركز منذ عام 1976، إثر اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975: 1990)، وبالتالي تغيير الموازين السياسية والاستراتيجية بلبنان”.

وتابع أن “دماء الحريري لم تُخرج فقط النظام السوري من لبنان، بل كرست مبدأ أساسيا لدى السُنة، وهو تسييد آل الحريري على الزعامة لدى الطائفة، وتم ضرب كل الحواضر السنية المناطقية الأخرى”.

واستطرد الربيع أنه “طوال هذه السنوات بدأ يظهر التراجع بشكل كبير من خلال عودة زعامات سنية مناطقية، بالاستناد إلى ضعف رئيس الوزراء الحالي سعد الحريري، شعبيا، وضعف الخيارات السياسية لمحور 14 آذار، وضعف الرؤية السياسية”.

ورأى أن “عدم وجود مشروع، وتقديم تنازل تلو الآخر، أدى إلى خروقات نيابية في كتلة الحريري البرلمانية من خلال بروز نواب معارضين له في مختلف المناطق”.

وأردف أن “ذلك أدى إلى تكوّن كتلة سنية، وإن لم تكن متوائمة في الرؤية السياسية الموحدة، لكنها كتلة سنية مناهضة للحريري تقاسمه حاليا أكثر من ثلث مقاعد مجلس النواب”.

واعتبر أن “الانحدار الذي أصاب قوى 14 آذار كان بسبب سياسات انفعالية وارتجالية لا ترتكز إلى خطة مسبقة، ما أدى إلى ضعف الحاضرة السنية في لبنان، والتي ضُربت أكثر من الحاضرة السنية في سوريا من خلال ضرب الثورة السورية عبر تقسيمها على أساس ديموغرافي مذهبي، ومن خلال عميات النقل (التهجير)”.

ورأى أن “الشارع كان في 2005 لصالح قوى 14 آذار، حيث كانت لهم الأكثرية في البرلمان والحكومة، بينما اليوم أصبح ميزان القوة مختلا ومختلفا اختلافا جذريا، فالأغلبية في البرلمان والحكومة لصالح حزب الله وحلفائه، رغم ترؤس الحريري للحكومة”.

وزاد الربيع بأن “الشارع أصبح في مكان آخر، فبيئة جمهور الحريري أصبحت مشتتة متوزعة على قوى مختلفة، والقوة القادرة على التغيير في الشارع أصبحت في صف حزب الله والتيار الوطني الحر، بزعامة رئيس الجمهورية ميشال عون”.

وتابع أن “الجانب السني في المعادلة أصبح مستلحقا بمعادلة أساسية عرابيها هما التيار الوطني الحر وحزب الله، وذلك بسبب عدم وجود رؤية عربية ولا احتضان عربي للبنان، كما حدث بسوريا وأماكن أخرى بعد اندلاع الربيع العربي (أواخر 2010)”.

وأضاف أن “المسار الانحداري تجلى أيضا في الرؤية العربية والطلب السعودي من الحريري الذهاب إلى سوريا ولقاء بشار الأسد في 2009، والتسوية السعودية السورية في تلك الفترة انطلاقا من نظرية سعودية بضرورة الانفتاح على بشار لسحبه من الحضن الإيراني”.

وأردف: “تبين لاحقا أن وجهة النظر العربية كانت خاطئة، فبشار لدى إيران أكثر منه عند العرب، والدليل الانقلاب لاحقا على حكومة الحريري وإقالة الحكومة بعد انسحاب 11 وزيرا، من أصل 30، كانوا تابعين لعون وحزب الله وحركة أمل”.

وعما يتردد عن احتجاز الحريري في السعودية عام 2017، قال الربيع: “كانت محاولة لشد عصب وإعادة إبراز الحضور السعودي على الساحة اللبنانية، عبر التواصل مع الحريري والضغط عليه والدخول باتفاقات جديدة”.

ورأى أن “الحريري كان يعلم أن حساباته تقتضي مسايرة إيران وحزب الله للوصول إلى رئاسة الحكومة، وهو ما دفعه إلى تقديم تنازل كبير من خلال انتخاب عون رئيسا للجمهورية (في 2016)”.

واعتبر أن “اختلال موازين القوى أزعج السعودية والخليج من تصرفات الحريري، وكان لا بد من الضغط عليه لتقديم استقالته (من الرياض) آواخر 2017، لكن المسار انقلب عكسيا أيضا بسبب عدم وجود خطة ورؤية سياسية واضحة تنطلق من تلك الاستقالة لاستعادة الشارع والمبادرة”.

وتابع: “انقلبت الأمور، وأسهم ذلك في ذهاب الحريري بعيدا عن العرب باتجاه الخصوم، للحفاظ على موقعه وعلى دوره داخل البنية السياسية والنظام اللبناني” .

** سلاح “حزب الله”

بينما رأى طوني بولوس، خبير سياسي مقرب من “14 آذار”، أن “وراء انحدار قوى 14 آذار أسباب عديدة، منها عوامل داخلية بينها وجود سلاح مع حزب الله، الذي عرقل مسار قيام الدولة”.

واعتبر أن “نهج حزب الله يختلف عن قوى 14 آذار، لأن مفهومه (حزب الله) هو مفهوم مليشيات وليس دولة ومؤسسات”.

وأضاف بولوس للأناضول أن “حزب الله عمل منذ اغتيال الرئيس الحريري على عرقلة عمل الحكومات المتعاقبة، التي كانت تسيطر عليها قوى 14 آذار، منذ 2005، ما أدى إلى تراجع دورها”.

وتابع أن “14 آذار اكتسحت الانتخابات عام 2005، وشكلت الحكومة منفردة، فبدأت مسيرة الاغتيالات لقيادات 14 آذار السياسية من جانب حزب الله وداعميه، وهما النظامين السوري والإيراني”.

ورأى أن “هذا المحور جر لبنان إلى مواجهة إسرائيل في حرب (يوليو) تموز 2006، التي دمرت لبنان اقتصاديا، وجاءت بعدها سياسية التعطيل واجتياح مسلحي حزب الله لبيروت واحتلالها، في 2008، ثم إسقاط حكومة الحريري بقوة السلاح عام 2009” .

وأضاف أن “أعباء الحرب السورية (منذ 2011) على الاقتصاد اللبناني، وضرب المؤسسات اللبنانية عبر مشاركة حزب الله بالحرب السورية (بجانب قوات النظام) هذا كله قود الدولة اللبنانية، التي تسعى 14 آذار إلى الوصول إليها”.

ورأى أن “الهدف من التعطيل والابتزاز من حزب الله لقوى 14 آذار هو إما انتخاب رئيس يقوده الحزب وإما لا رئيس، وبالتالي اضطرت 14 آذار إلى تقديم تنازلات للحفاظ على الحد الأدنى من المؤسسات واستمراريتها”.

وتابع: “لاحقا فرض حزب الله قانون انتخابي هو السبب المباشر على المستويين الداخلي والإقليمي، الذي جعل 14 آذار تصل إلى هذه المرحلة”.

ورأى في الوقت نفسه أن “قوى 14 آذار ارتكبت أخطاء كثيرة تكتيكية في الداخل، منها تناقض المصالح بين بعض فرقائها بين القوات اللبنانية والتقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل (بزعامة الحريري)، وهذه القوى كانت تشكل العامود الفقري لـ14 آذار”.

ورأى أن “السبب الآخر لإضعافها هو الصراعات الإقليمية، التي جعلت الداعمين الإقليميين، والخليجي خاصة، ينشغلون بمشاكلهم القريبة في اليمن عن لبنان، فاستغلت إيران هذا الفراغ”.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. اثبتت الدراسات في وزارة المال اللبنانية أنه جرى صرف ٥٧مليار دولار بشكل غير قانوني من قبل ٢٤ آذار خلال توليهم الحكم..ويأتي أناس مثل بولوس هذا محاولا تشويه الحقائق
    اما الاعباء من جراء الحرب السورية هي من الاعداد الكبيرة من النازحين (الاردن وتركيا وضعوهم في مخيمات مذلة)الذين يرفض الحريري ارجاعهم لمنع مشاركتهم في أعمار سورية بناء على أوامر أسياده من عرب وغير عرب

  2. شئنا أو أبينا فإن العقل الإيراني عقل هاديء وله سياسة ببعد إستتراتيجي وتشغيلي واضح يسوده المنطق لتحقيق مصالحه وإنعكست هذه السياسة على حلفائهم , وجتى الغرب والولايات المتحدة الأمريكية يفهمون السياسة الإيرانية لكن لا يتفهمونها , على النقيض من ذلك فإن السياسة العربية لا يمكن أن يفهمها أي مطلع على السايسة والتخطيط الإستتراتيجي لكن قد يتفهمها ذو المصالح مع الدول العربية , وهذا إنعكس على الواقع اللبناني وفدرة حلفاء إيران على المناورة والتخظيط لتحقيق مصالحهم ومصالح إيران ومسكوا بأيديهم أهم موضوع يتغلغل في الوعي الجمعي العربي وهو العداء للعدو الإسرائيلي ونصرة فلسطين أو على الأقل هذا ما يبدو . إضافة إلى جمهور صخري لا يتزعزع مهما تزلزلت الأرض تحته . في المقابل إستخدم بعض اللبنانيين الشعور والكلمات الطائفية والإعلام المسيس الهجومي , وهذا أدى الى نجاح حلفاء إيران في ترسيخ قوتهم وقواعدهم . هي معركة عقول وسياسات نجحت بها إيران بسبب عدم وجود خطط للاولويات أو سياسة رصينة وثابنة وموضوعية للحفاظ على اللحمة العربية بعيدا عن التفوئ الإيراني أو التركي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here