قوى نداء السودان تواصل “الهبوط الناعم”.. تُلمّع حميدتي وتتجاهل حقوق الشهداء وإعادة القوات من اليمن فهل نشهد اندلاع ثورة سودانية جديدة؟

محمد مصطفى جامع

كثُر أخيراً في الساحة السياسية السودانية استخدام مصطلح “الهبوط الناعم” كوصمةٍ سيئةٍ للأحزاب التي تقبل بتقديم تنازلاتٍ كبيرةٍ لأقطاب النظام البائد أو للجنته الأمنية ممثلةً في المكون العسكري الذي يشارك في حكم البلاد خلال الفترة الانتقالية، فعندما يُقال أن هذا الحزب أو ذاك من أحزاب الهبوط الناعم تُفهم على أنها إساءة واضحة للحزب، ودلالة على أنه “باع” القضية مثلما يُقال باللهجة المحلية.

والهبوط الناعم عند أهل الطيران هو ترجمة للتعبير الإنجليزي  Soft Landing، فكلمة Landing تعني ملامسة الطائرة للأرض، وكلمة Soft تعني أن الملامسة تمت بشكل سلس، إلا أنّ المعنى في العُرف السياسي السوداني حاليّاً مختلف جداً، إذ يفهمه الثوار باختصارٍ شديدٍ أنه “تسويق الاندماج مع اللجنة الأمنية لنظام البشير والقبول بالشراكة مع العسكريين بمن فيهم حميدتي قائد مليشيا الدعم السريع والعضو الأكثر نفوذاً في المجلس السيادي”. ليس هذا فحسب، بل إن أحزاب الهبوط الناعم لا ترى مانعاً من ترشح الأخير في الانتخابات التي تعقب الفترة الانتقالية رغم الوثيقة الدستورية التي تنص على عدم ترشح أي شخص شارك في الفترة الانتقالية في الانتخابات المقبلة.

حتى يتسنى لنا شرح الموضوع بشكلٍ أفضل، نشير إلى أن عملية تنفيذ الاتفاق الدستوري السوداني الموقع في ال17 من أغسطس/آب الماضي تسير ببطء شديد لا يتلاءم مع تطلعات الشعب السوداني الذي قدّم تضحياتٍ مذهلةٍ طيلة أشهُر الثورة التي بدأت في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي.

كثيرون يرون أن الاتفاق نفسه كان “نصف انتصار” دون طموحات الثورة، إذ قبلت بموجبه قوى الحرية والتغيير بمشاركة أعضاء اللجنة الأمنية السابقة لنظام البشير ممثلةً في المجلس العسكري المحلول في الفترة الانتقالية التي تمتد إلى 3 سنوات، وأعطت الوثيقة الدستورية مكاسب عديدة للعسكريين أولها منحهم 5 مقاعد في المجلس السيادي الانتقالي بينها منصب الرئيس للنصف الأول من الفترة، كما أعطتهم سيطرةً مطلقةً على الأجهزة الأمنية بما فيها الجيش والشرطة ومليشيا الدعم السريع المثيرة للجدل التي لا ينظر إليها السودانيون إلا قوة غاشمة باطشة في الداخل، ومجرد مرتزقة في الخارج لمن يدفع أكثر في ظل النفوذ الكبير الذي يتمتع به قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”، إذ كان من مطلوبات الثورة حل هذه المليشيا وتسوية أوضاع منسوبيها مع تنفيذ الاتفاق ووقف الحرب.

اللافت أن مواقف قوى الحرية والتغيير من الشراكة مع اللجنة الأمنية لنظام البشير ليست موحدة، فبينما يقف الحزب الشيوعي السوداني مناهضاً وبقوة للتمدد العسكري وضد مليشيا الدعم السريع تسانده في هذا الموقف المتشدد لجان الأحياء والنشطاء البارزون إعلامياً خلال الثورة مثل “ود قلبا” و”مها سليمان” و”أسعد التاي” و”أسعد علي”، بينما يتبنى آخرون في قوى التغيير مواقف متماهية مع العسكر والمليشيا مثل تحالف نداء السودان الذي يضم عدداً من الأحزاب السياسية مثل الأمة وحزب المؤتمر السوداني والبعث والناصري، إلى جانب عدد من الحركات المسلحة كحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان التي يقودها مني أركو مناوي والحركة الشعبية شمال.

كما أن هناك خطاً ثالثاً بين الموقفين يتبناه دُعاة التعقل وعدم الإفراط في مواجهة العسكريين وفي الوقت نفسه يدعون إلى عدم التنازل عن مطالب الثورة مثل الكيانات النقابية المنضوية تحت لواء تجمع المهنيين السودانيين الجسم الأبرز والأقوى في قيادة الحراك الثوري منذ تفجره أواخر العام الماضي. وهذا الخط الثالث حاصل على دعم من نشطاء آخرين مؤثرين كان لهم دوراً مميزاً في أيام الحراك مثل “سيّد الطيب” و”إيمان متوكل” و”راشد عبدالقادر.”

الأيام الأخيرة الماضية شهدت تصريحاتٍ متعددةٍ من أطرافٍ في قوى نداء السودان، تتفق جميعاً في محاولة تبييض صورة مليشيا الدعم السريع وقائدها حميدتي، حيث صرّح ﺯﻋﻴﻢ ﺣﺰﺏ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﺍﻟﻤﻬﺪﻱ بأﻧﻪ ﻟﻮﻻ ﻭﺟﻮﺩ ﻗﻮﺍﺕ “ﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﺴﺮﻳﻊ ﻟﻤﺎ ﺳﻘﻂ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ”، ﻗﺎﻝ ذلك ﻓﻲ ﺍﻓﺎﺩﺍﺗﻪ ﻟﺒﺮﻧﺎﻣﺞ “ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺴﺘﺎر” ﺑﻘﻨﺎﺓ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ المحليّة. جدير بالذكر أن تصريح المهدي لم يكن الأول من نوعه في دعم المليشيا وتجاهله التام لتورطها الذي لا شك فيه في قتل الشباب واغتصاب الفتيات في مجزرة القيادة العامة وفقاً لتأكيدات شهود العيان والفيديوهات الواضحة الموثقة إضافة إلى اعتراف قائدها بنفسه، في مقابلة تلفزيونية بأنهم من أصدروا التعلميات بفض الاعتصام. هذا بالطبع إلى جانب المجازر المروعة التي ارتكبتها المليشيا بإقليم دارفور.

المهدي كذلك تجاهل تماماً أنه اعتُقل من قبل ووقف أمام النيابة قبل 5 سنوات بسبب حديثه عن انتهاكات مليشيا الدعم السريع حيث كان قد استند الى تقييد (200) بلاغاً فُتحت في مواجهتها بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، و(20) بلاغاً أخرى في منطقة أبو زبد. وأشار المهدي أثناء مثوله أمام النيابة قبل 5 سنوات الى أن رئيس بعثة (يوناميد) بن شمباس أكّد في خطاب له أمام المخلوع البشير إلى تجاوزاتٍ ارتكبتها مليشيا الدعم السريع التابعة لجهاز الأمن آنذاك.

كما نسي زعيم حزب الأمة ما كان يدعو إليه من قبل وهو عودة القوات السودانية من اليمن، وإنهاء مشاركة السودان فيها إلى جانب تقديم اعتذار للشعب اليمني الشقيق عما فعله البشير حين زجّ بأبناء الوطن في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. أذكر أن المهدي عندما كان ينادي بإعادة القوات السودانية من اليمن، كانت الصحف السعودية تطلق عليه صفة “الإخوانجي” إثر مقابلةٍ عاديةٍ له مع سفير قطر السابق لدى السودان راشد النعيمي، فأي معارض لحرب اليمن هو بالضرورة ينتمي للإخوان المسلمين في تصنيف السعوديين!

هذا عن حزب الأمة الذي تتبدل مواقفه بتبدل المصالح ويوصف بأنه قائد تسويق فكرة “الهبوط الناعم”، أما حزب المؤتمر السوداني فقد صّرح أمينه العام خالد عمر في حوارٍ مع صحيفة الجريدة قبل يومين قائلاً: ” المؤسسة العسكرية شريكة في الانتقال وقد ساهمت في نجاح الثورة، وهنالك ضرورة في أن يتشارك المدنيين والعسكريين قيم ومهام الثورة وأن يعملوا سوياً على إنجازها”.

حديث عمر وإن كان دبلوماسياً نوعاً ما مقارنة مع تصريح الصادق المهدي المعروف بمواقفه المهادِنة منذ أيام المخلوع عمر البشير، فإنه ينطوي أيضاً على نيّة واضحة لتلميع المكون العسكري والاستعداد لتقديم المزيد من التنازلات. فهذا الرجل “خالد عمر” عندما يقول أن المؤسسة العسكرية شريكة في الانتقال وساهمت في نجاح الثورة، يتجاهل ضمناً المئات الذين قتلتهم مليشيا الدعم السريع “الجنجويد” أمام بوابات القيادة العامة للقوات المسلحة، فكيف سيقتص لهم طالما يمدح فيمن أمر بفض الاعتصام؟ وكيف سيعيد المفقودين منذ يوم المجزرة “3/6/2019” الذين يُعتقد أنهم يقبعون في معتقلاتٍ تابعة للمليشيا المجرمة؟.

قد يقول قائل إن المؤسسة العسكرية بالفعل شريكة في السلطة بنص الوثيقة الدستورية التي وقّعت عليها قوى الحرية والتغيير بما فيها حزب المؤتمر السوداني، نرد على هؤلاء بأنها فعلاً شريكة، ولكن يجب الحذر من التصريحات المتماهية التي تتجاهل حقوق الشهداء والمغتصبات والمفقودين فمثل هذه الأحاديث بالصيغة أعلاه تمثل طعنةً نجلاء لأهاليهم ورفاق دربهم الذين ينتظرون تطبيق العدالة في مرتكبي المجزرة ومن أمروهم بها.

الحركة الشعبية شمال التي كانت تقاتل النظام البائد كان يُعتقد أنها ستكون متشددةً في القبول بنظامٍ يقوده أفراد اللجنة الأمنية لنظام البشير، لكنها انضمّت من البداية لجماعة “الهبوط الناعم”، وأخذت تغازل المجلس العسكري المحلول وقائد الدعم السريع، فبالأمس القريب أطلق المتحدث السابق باسمها مبارك أردول تصريحات داعمة ومتناغمة مع المكون العسكري، وأنه لا يمانع في وجود المليشيا المجرمة.

القاسم المشترك بين قوى نداء السودان وغيرها من الكيانات الداعمة والمؤيدة للثورة المنقوصة، أنها جميعاً نُظّمت لقياداتها زيارات ٍ راتبة للدول التي تدعم الثورات المضادة “السعودية والإمارات”، وحُظي المهدي تحديداً بلقاءاتٍ راتبة مع سفراء هاتين الدولتين مما يعني أن المواقف الجديدة لتحالف نداء السودان تأتي ضمن الترتيب الجديد لوضع السودان حسب مصالح الرياض وأبوظبي. حيث تسعيان معاً إلى تصعيد قائد مليشيا الدعم السريع حميدتي للعب دور كبير في المرحلة المقبلة إن لم يكن ترشيحه للرئاسة أو قيامه بانقلابٍ على الاتفاق الدستوري بدعوى فشل الحكومة المدنية إذ يتخوف كثيرون من الدور المتصاعد والتلميع المستمر لهذا المليشيا وقائدها مع التجاهلٍ الرسمي التامٍ للقوات النظامية من جيش وشرطة وأمن.

لا يفوتنا أن نشيد بالحزب الشيوعي الذي يُثبت كل يومٍ أنه حزب لا يبيع مواقفه ولا تتبدل أمام إغراءات السلطة ولا أموال الخارج اختلفنا أو اتفقنا معه، ففي الوقت الذي تسعى فيه معظم القوى السياسية للتقرب من العساكر ومن دول الثورات المضادة من أجل مصالحها الضيّقة لا يتردد الشيوعي في إرسال الرسائل التحذيرية للداخل والخارج حفاظاً على الثورة ومكتسباتها ويدعو بشكلٍ صريحٍ حتى اليوم لإنهاء مشاركة السودان في حرب اليمن، إذ يبقى ممسكاً ب “قلم التصحيح” يراقب تطورات الساحة السياسية، كما أنه لا يستبعد إمكانية اندلاع ثورة جديدة تُصحح مسار ثورة ديسمبر/كانون الأول التي يراها لا تسير نحو أهدافها الحقيقية.

ما يجب أن تفهمه قوى نداء السودان بكافة مكوناتها من أحزابٍ سياسيةٍ وحركات مسلحة، وحتى أعضاء المجلس السيادي من المدنيين وكل الذين يسعون لتلميع العسكر ومليشيا الجنجويد أنهم بهذه الطريقة يحرقون أنفسهم أمام الرأي العام السوداني، وأن الثورة السودانية محروسة بملايين الشباب الذين ليس لديهم مانع من التضحية بأرواحهم واللحاق برفاقهم الذين مضوا من ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي إلى شهداء مجزرة القيادة العامة ومليونية 30 يونيو.

صورة أعضاء اللجنة الأمنية لنظام البشير الذين يتبؤون المناصب العليا في المجلس السيادي بالإضافة إلى قوات الدعم السريع ستظل كما هي في نظر الأغلبية العظمى من السودانيين.. أنهم أكبر عائق أمام التحول الديمقراطي المنشود بل أكبر خطر يهدد استقرار السودان، فضلاً عن أنهم متورطين جميعاً في مجزرة القيادة العامة باعتراف شمس الدين كباشي المتحدث الرسمي للمجلس العسكري المحلول صاحب التصريح الشهير: “وحدث ما حدث”!

صحفي وكاتب سوداني مهتم بالشأن الأفريقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here