قواعد واشنطن العسكرية المُعلنة والمخفية… تغلغل الأخطبوط ومضاعفاته!

د. نبيل نايلي

“تمتلك الولايات المتحدة 95٪ من القواعد العسكرية في أنحاء العالم، بالإضافة إلى انتشار عسكرييها في أكثر من 160 دولة. إلاّ أنّ البنتاغون يُخفي مئات المواقع في تقاريره الرسمية”!!! نيك تارس، Nick Turse.

تمتلك الولايات المتحدة 95 في المائة من إجمالي عدد القواعد العسكرية الأجنبية في العالم. الباحث ديفيد فاين، David Vine، أكّد لـتارس إنّ “التكتّم على معظمها يحول دون النقاش الداخلي حولها وحول نفقاتها ومضاعفاتها من خطر وموت، بالإضافة إلى تجنّب التوتّرات الدبلوماسية والاستفسارات الدّولية”.

أخيرا أعلن الجيش الأمريكي أنّه سينسحب -أم لا- من قاعدته في التنف. المكان الذي تطالب به الحكومة السورية وتؤكّد منذ فترة طويلة أنّه ساحة تدريب لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية –داعش-. والممرّ البرّي الذي وصفته روسيا بأنه مرتع إرهابي. في غضون ساعات من إعلان الرئيس ترامب عن انسحاب قواته من سوريا، تمّ بالفعل حصر المعدّات في تلك القاعدة من أجل إزالتها.

ومنذ افتتاحها سنة 2015، وحتى وقت قريب، كانت قاعدة التنف موطنًا لمئات من عناصر القوات الأمريكية، كما كانت واحدة من القواعد العسكرية العديدة غير المثبّتة في قائمات البنتاغون الرّسمية.

وزارة الدفاع الأمريكية توثّق رسميا 775 موقعا عسكريا ، منتشرة في الـ 58 منطقة أمريكية، وفي 45 دولة أجنبية. وتنتشر حوالى 514 من هذه القواعد في جميع أنحاء العالم وفقا لما يقوله البنتاغون. وتشمل هذه القواعد دييغو غارسيا بجزيرة المحيط الهندي ، وفي جيبوتي بالقرن الأفريقي، وفي بيرو والبرتغال والمملكة المتحدة وبالإمارات العربية المتحدة. ويعدّد البنتاغون قائمة ممتلكاته الرسمية ومنها 4.775 موقعاً، بما في ذلك 514 مركزاً خارجياً يقعون في 45 دولة أجنبية!

إلاّ أنّ أحدث إصدار صدر أوائل عام 2018 تحت اسم the Base Structure Report (BSR) ، لا يتضمّن أيّ إشارة لـقاعدة التنف سواء في سوريا أو القواعد الموجودة في العراق أو في أفغانستان أو النيجر أو تونس أو الكاميرون أو الصومال.

نقلا عن ديفيد فاين مؤلّف كتاب “الأمة القاعدة”: كيف تضرّ القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج بأمريكا والعالم، Base Nation: How U.S. Military Bases Abroad Harm America and the World” إنّ “القواعد غير المعروفة هي انعكاس لنقص الشفافية..و”لا أزال أقدّر أن يكون حوالى 800 قاعدة عسكرية أمريكية خارج الولايات الخمسين والولايات المتحدة كانت تحاصر العالم خلال الحرب العالمية الثانية”.

يرفض البنتاغون ولا يريد التحدّث كثيرا عن هذه القواعد، المتحدثة باسمه اللفتنانت كولونيل ميشيل بالدانزا، Michelle Baldanza، تخبر – حين سئلت عن أسباب غموض وزارة الدفاع- ردّت: “لقد تحدّثت إلى الضابط الصحفي المسؤول عن كتابة التقرير، وأفادت أنّه “لا يوجد لديها ما تضيفه”!

أين توجد هذه القواعد؟

تجدر الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة تمتلك ما يباغ 95٪ من القواعد العسكرية الأجنبية في العالم، بينما تمتلك كلّ من فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة فقط 10 إلى 20 قاعدة بالخارج كما أنّ الصين لديها واحدة فقط.

تفخر وزارة الدفاع الأمريكية أنّ قواعدها منتشرة بـ: 164 دولة! وبوجودها العسكري في ما لا يقلّ عن 84٪ من الأمم على هذا الكوكب. وما لا يصرّح به البنتاغون هو تعريفة لل”انتشار”! فالرقم 164 على وشك الاختفاء من إحصائيات وزارة الدفاع المُعلنة، والتي تركّز فقط على عمليات انتشار محلّية لا على عمليات في العراق أو سوريا مثلا حيث كان حجم القوة أكثر وأهمّ، حتى لو لم يكن غير مدرج ومُعلن. فقد ادّعى البنتاغون أن هناك 5200 جندي في العراق وأنّ 2000 جندي أمريكي فقط موجودين في سوريا رغم أنّ هذا العدد غير صحيح.

ومع ذلك، فإن قائمة وزارة الدفاع تحصي القوات الأمريكية مثل تلك المنتشرة في ساموا، American Samoa ، وبورتوريكو، Puerto Rico ، وجزر فيرجن الأمريكية وجزيرة ويك، the U.S. Virgin Islands and Wake Island. كما تمّ نشر العشرات من الجنود، وفقا للبنتاغون، في “أكروتيري” الواقعة في اليونان.

يتجاوز عدد تلك القوات “غير المعروفة” -في التقارير الأخيرة- الـ 44.000!!!

القواعد المخفية:

بالكاد إفريقيا هي المكان الوحيد الذي لا تتطابق فيه قائمات البنتاغون الرسمية مع الواقع. على مدار ما يقرب من عقدين من الزمان “تجاهلت” تقارير البنتاغون قواعد ” مناطق الحرب النشطة”. وفي ذروة الاحتلال الأمريكي للعراق، على سبيل المثال، كان للولايات المتحدة 505 قاعدة هناك، تتراوح بين البؤر الصغيرة إلى المرافق الضخمة ولم تظهر طبعا أي منها على القائمات الرسمية !

و في أفغانستان كانت الأرقام أعلى. ففي عام 2012 كان لدى القوة الدولية للمساعدة الأمنية بقيادة الولايات المتحدة (ISAF) حوالي 550 قاعدة ووصل العدد إلى 1500 موقع. إلاّ أن نصيب أميركا الكبير منها كان غائباً بشكل غامض.

تماما مثل العراق حيث لم يعد هناك أكثر من 500 قاعدة أمريكية في السنوات الأخيرة. إذ مع عودة القوات الأمريكية تمّ إعادة بناء بعض الحاميات أو إنشاء أخرى من نقطة الصفر. من بينها مجمع Besmaya Range، و Firebase Sakheem، و Firebase Um Jorais، وقاعدة Al Asad الجوية، وكذلك Qayyarah Airfield West – وهي قاعدة تبعد 40 ميلاً جنوب الموصل وتُعرف باسم “Q-West”. طبعا لن تعثروا على أيّ منها مُدرجة في التقارير الرسمية!

فهل أنّ قرار الرئيس ترامب بسحب قواته من سوريا يعني أن تقرير الهيكل الجديد لعام 2019 سيكون أكثر دقة؟ إذ وللمرّة الأولى منذ عام 2015 لن يكون هناك جرد للمواقع العسكرية خالية من قاعدة التنف. لكن هذا يحتمل أن تترك مئات القواعد مغيّبة عن القائمات الرسمية؟؟

.باحث في الفكر الاستراتيجي، جامعة باريس.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here