قمة ترامب – كيمْ الدرس الاكبر لأيران

د. هشام أحمد فرارجة

  ما زالت أصداء القمة الامريكية الكورية الشمالية بين الرئيس دونالد ترامب والزعيم كيم يونج أون في سنغافورا تتوالى تباعا في الولايات المتحدة وخارجها. فهناك البعض الداعم الذي يثني على شجاعة ترامب لاقدامه على عقد هذه القمة بعد تاريخ طويل من القطيعة والعداء بين البلدين. وهذا الفريق يسوق المبرر تلو الآخر لترويج وجهة نظره، خاصة عند الرأي العام الامريكي. ومن بين المسوغات التي يحاول استخدامها أصحاب هذا الرأي قولهم أن خيار القمة هو أفضل من خيار المواجهة العسكرية والحرب التي كان شبحها مخيما على الاجواء، رغم انعدام التفاصيل عما يمكن للولايات المتحدة أن تجنيه من نتائج جراء هذا اللقاء. ومن بين ما يطرحونه أيضا هو أن عملية التقارب التي ابتدأت بين زعيمي البلدين سوف تنعكس أيجابا لاحقا على العلاقة بين بلديهما، ومن ثم ستقود كورية الشمالية للامتثال لفكرة نزع الاسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية، مما سيساهم في تدعيم الامن والسلام العالميين. وأصحاب هذا الفريق من المطبلين والمزمرين يذهبون الى حد الاطراء المنقطع النظير على ترامب، والادعاء بأنه صانع سلام تاريخي، لا يستحق أقل من جائزة نوبل للسلام.

  وفي المقابل، هنالك الكثيرون من المشككين والمنتقدين الذين لا يرون في هذه القمة أكثر من فرصة ذهبية احتفائية استغلها ترامب بشكل فعال للتغطية على مآزقه الداخلية القانونية المحتدمة، من ناحية، ولتلميع ذاته كرجل المهمات الصعبة، والانجازات التاريخية، والمفاجآت البناءة، من ناحية اخرى. والذين يشكلون هذا الفريق يبرهنون على طروحاتهم بالقول أنه ما أحوج ترامب للاحتفال بصناعة انجاز ما وفبركته، خاصة في ظل ما يواجهه من أزمات داخلية وعزلة خارجية، حتى عند بعض حلفاء أمريكا التقليديين. والنقاد لهذه القمة يبيّنون أن ما صدر عنها من اعلان مشترك بين ترامب وكيم لا يعدو كونه تكرارا لعبارات فضفاضة سابقة، تمت صياغتها للاستهلاك المحلي، خاصة في الولايات المتحدة. فيقولون أن طرح فكرة النزع الكامل للاسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية، وهو المحتوى الاهم في الاعلان المذكور، تخلو بالمطلق من الدقة، من حيث معناها وجدولها الزمني وأفقها الجغرافي وأطرافها. ولربما الاهم، كما يقول أصحاب هذا الرأي، فان هذه الاشارة جاءت على شكل اعادة التأكيد على الامر، مما يعني أنه ليس بالامر الجديد قط.

  والمنتقدون يتساءلون عما قام ترامب بتقديمه لكوريا الشمالية من تنازلات دونما مقابل، كالاعلانه أيقاف المناورات والتمارين العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، كونها مستفزة لكورية الشمالية وباهظة التكاليف للولايات المتحدة، حسبما قال في مؤتمره الصحفي مباشرة بعد انعقاد القمة في 12 حزيران. وتكاد تكون أهم عناصر النقد تلك التي تبين نجاح كورية الشمالية في الجلوس كند حقيقي للولايات المتحدة، من حيث أصغر التفاصيل في اجراء البروتوكولات الى أكبرها. فعدد أعلام الدولتين في باحة الاستقبال كان مماثلا، وتفاصيل المصافحة التاريخية برهنت على وجود طرفين متكافئين بالكامل، وكذلك التماثل في عدد أعضاء طاقم كل من البلدين في المباحثات. ورغم تأكيدات ترامب على ابقاء العقوبات الاقتصادية على كورية الشمالية، اّلا أن هذه القمة، كما يجمع النقاد، قد أعطت فرصة ذهبية للقيادة في بيونج بيانج لكي تقتحم المسرح الدولي من أوسع أبوابه، ولكي تعيد التأكيد على شرعيتها، رغم كل الاجراءات الامريكية المناوئة، ولكي تخرق سقف العقوبات، لا محالة.

  ولربما هنا يكمن السؤال المهمْ ما هو العامل الاكثر حسما الذي قاد قيادتي الولايات المتحدة وكورية الشمالية للتسارع في عقد هذه القمة بعد وابل من التهديدات والاهانات؟ هل هي العقوبات الاقتصادية التي فرضها ترامب على كورية الشمالية مؤخرا؟ أم هي البرهنة من قبل كورية الشمالية على الندية التامة باجرائها مجموعة من الاختبارات النووية الناجحة في الآونة الاخيرة؟

  لا شك أن الآراء سوف تتضارب وتختلف حول هذا السؤال، اعتمادا على من تسأل. ولكن الحقيقة الدامغة هي أن العقوبات الاقتصادية على كورية الشمالية ليست بالامر الجديد. فعمرها عمر طول الصراع بين البلدين تقريبا. بل على العكسْ فبدلا من أن تثني العقوبات القيادة في كورية الشمالية، زادتها صلابة وتمسكا بمواقفها تجاه الولايات المتحدة. بل وأكثر من ذلك، فان العقوبات الجديدة دفعت بالقيادة الكورية الشمالية لكي تسارع في اجراء التجارب والاختبارات النووية والبالستية بفاعلية أكبر من ذي قبل.

  فلو كانت العقوبات الاقتصادية هي العامل الحاسم الذي أدى الى خلق الاجواء المناسبة لعقد هذه القمة، كما يحلو لترامب أن يقنع الآخرين، فلمَ الاقدام على اللقاء مع الكوريين الشماليين ما دامت هذه العقوبات تؤتي ثمارها؟ بتعبير آخر، لن تكون هناك حاجة للقاء لو كانت العقوبات قد آتت النتائج المرجوّة منها. فالقوي لا يذهب الى الضعيف ما دامت أدوات وأساليب القوي تزيد الضعيف ضعفا.

  لذلك، ورغم كل ما يمكن أن يقال عن نجاعة العقوبات الاقتصادية الامريكية على كورية الشمالية، اّلا أن نجاح الاخيرة في حيازة أدوات قوة ذات شأن هو، لا غيره ودونما منازع، الذي أرغم الولايات المتحدة على الرضوخ والاعتراف بكورية الشمالية كقوة متكافئة، حتى وان اختلفت أحجام ترسانات الاسلحة بين البلدين وقوتها التدميرية، وحتى وان لم تعلن الولايات المتحدة ذلك صراحة. وهنا يكفي قول ترامب نفسه في مؤتمره الصحفي بعد انعقاد القمة بأن أحد الدوافع التي حدت به للاقدام على عقد القمة تمثل في خشيته من موت ثلاثين مليونا في سيؤول، عاصمة كوريا الشمالية، وحولها، بمن فيهم أكثر من 32 ألف عسكري أمريكي متواجدين هناك.

  بالطبع، ليس معروفا ترامب برقة قلبه وتدفق عواطفه. وانما ببساطة شديدة، هي كيمياء القوة التي ترغم القوة الاخرى على احترامها والامتثال لارادتها. فلو كانت كورية الشمالية ضعيفة متهاوية، لكان ترامب قد أجهز عليها بالكامل باستخدام عقوباته الاقتصادية وآلته العسكرية، وبدون رحمة أو شفقة. فمستشاره للامن القومي، جون بولتون، كان قد تفوه مسبقا بامكانية تطبيق النموذج الليبي على كورية الشاملية. وباطبع، هذا كان ما پعلته الولايات المتحدة من قبل في العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها. ورغم أن ترامب تسوّل له نفسه بأنه صاحب عبقرية فذة، بحيث يستطيع الاجهاز على كورية الشمالية من خلال اغراءاته الاقتصادية عن طريق الاعمار والتنمية والتطوير، فان الحقيقة الساطعة تبقى أن أحلاما كهذه سرعان ما تبان أنها أوهام، وأن ما يعرّفه هو بالحقيقة، لا يتعدى كونه سرابا.

  فكما قيل في مكان آخر، فان كورية الشمالية لن تكون ليبيا الثانية. فتاريخ البلدين مختلف من حيث الوقائع والتفاصيل، وثقافتهما السياسية ليست متشابهة، وقيادتهما تحتكمان لمحددات مغايرة، وكذلك بيئتهما الداخلية والخارجية وتحالفاتهما. فيجدر التأكيد أن كورية الشمالية قد جلست كطرف متكافئ على قدم وساق مع الولايات المتحدة، تلك الدولة العظمى. وهذا الظهور لكورية الشمالية ليس شكليا بأهميته. ففي العلاقات بين الدول، كل أيماءة لها مدلولاتها، سواء أقر ترامب بذلك أم لم يقرّ. فهو لن يفلت من مشرحة النقاد والمؤرخين بمحاولته استبدال اتفاق نووي مع كورية الشمالية باتفاق نووي آخر تنصل منه مع أيران.

  وازاء كل ما يعتمل من تفاعلات وجدل جراء هذه القمة، فان أطرافا دولية كثيرة سوف تعمل على اعادة صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة. وبالتأكيد، فانه لن يروق للحلفاء الكنديين أن يتعرضوا أثناء وعقب قمة مجموعة السبعة للاهانة والتجريح قبل أيام قليلة من انعقاد القمة آنفة الذكر، حتى ليروا حميمية ترامب، وان كانت مصطنعة، مع رئيس دولة ليس بالصديق، كيم، والذي تصبغ العلاقات بينه وبين دول حلف الاطلسي حالة من العداء لعقود عدة.

  فالدول، صديقة كانت أم معادية، تراقب هذه الخلخلة الصارخة التي يحدثها ترامب في بنية النظام الدولي، وفي مساراته وديناميكية أقطابه. فلا يعقل، من وجهة نظر الكثيرين، أن تصبح كندا، ذلك الصديق الحليف الوفي، الذي تربطه بالولايات المتحدة أطول حدود، عدوا لدودا، بين عشية وضحاها.

  واذا ما كان الحال كذلك، فكيف لدولة كأيران أن تفكر؟ لا شك أن أكبر الدروس والعبر الكامنة في انعقاد هذه القمة سوف تتجلى في أوساط الساسة وصناع القرار الايرانيين. فلا محالة سوف يتساءلونْ هل كان سيسلك ترامب مع أيران بذات الطريقة الفجة التي تنصل فيها من الاتفاق النووي الدولي، لو كانت أيران قوة نووية ككورية الشمالية؟ واذا ما كان امتلاك كورية الشمالية للسلاح النووي هو الذي اضطر ترامب للرضوخ لارادتهم والالتقاء بهم طرفا متكافئا، فما الذي على أيران أن تفعله لخلق الاجواء المناسبة من أجل الوصول الى نتائج مماثلة؟ فهل يا ترى سوف تدفع عقوبات ترامب الاقتصادية الجديدة، غير المسبوقة تاريخيا على أيران، النظام السياسي الايراني لكي يحذو حذو القيادة في كورية الشمالية، خاصة اذا لم يقتنع الايرانيون بما قد يقدمه أطراف الاتفاق الآخرون الأوروبيون من ضمانات للمحافظة على الاتفاق النووي؟ وماذا اذا ما أصبحت القواعد العسكرية الامريكية في الخليج مستفزة لأيران وسواها وباهظة التكاليف، خاصة في ظل ارتفاع نسبة المديونية لدى بعض الدول المضيفة وتراجع قدراتها الاقتصادية؟

  بالفعل، ان ترامب يرسي قواعد جديدة جدا في العلاقات الدولية، قواعد يبدو أنه لا يعنيه كثيرا الآن ما قد يكون لها من دلالات وأبعاد على كافة الصعد. فنشوة اللحظة عنده هي التي تحكم وتملي عليه سلوكه. وسيكتب المؤرخون أن سلفه الاسبق، وودرو ويلسون، كان قد فتح الباب على مصراعيه للولايات المتحدة لكي تعتلي مسرح النظام الدولي، بينما هو، ترامب يوصد أبوابا يفترض أن يفتحها، ويفتح أبوابا قد لا تجلب اّلا مزيدا من الخلخلة في النظام الدولي، وحالة من عدم الاستقرار والامان للجميع. فعالم العلاقات الدولية المتشابك المعقد ليس بازارا تجاريا يستعرض فيه ترامب مهاراته ومواهبه، كما قام بعرض شريط الفيديو على قيادة كورية الشمالية أثناء القمة ليجذبهم لمشاريعه الاستثماراية ومقاولاته. فبشكل مغاير لمنظومة القيم التي يحملها ترامب، ما يهم الكثير من الشعوب والامم هو كرامتها وأنفتها الوطنية، لا ما قد يغدق عليها باليمين حتى ليأخذ باليسار.

د. هشام أحمد فرارجة – استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

www.hishamahmed.com

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

2 تعليقات

  1. مقال جيد، قوي ومتوازن…
    لكن أستميحك عذرا،
    حيث لا يسعني هنا إلا أن أخرج عن سياق موضوع المقال،
    وأقول: شكرا لأمريكا التي سمحت بدولتها وبقوانينها
    وبديمقراطيتها لك ولغيرك من الكتاب، ليعبروا عن آرائهم
    وأفكارهم بكل قوة ووضوح وحرية، وهم داخل أرضها،
    ويعتاشون من خلال العمل فيها.
    أمريكا بهذا دولة عظيمة حقا.
    والخزي والعار لممالك ومشيخات الغدر الصحراوية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here