قلولي بن ساعد: “الفيلسوف والإمبراطورية في تنوير الإنسان الأخير” لفتحي المسكيني  أية إنسانية تريد؟

قلولي بن ساعد

في كتابه ” الفيلسوف والإمبراطورية في تنوير الإنسان الأخير ” يعود المفكر التونسي فتحي المسكيني إلى حدث عالمي هو تحطيم برجي التجارة بالولايات المتحدة الأمريكية  من طرف ما سمي آنذاك بالإرهاب الدولي كاشفا عن ما يسميه  بالعدمية الحقوقية التي فكك بنياتها التاريخية والنفسية والعقلية حيث يرى أن ” العقل الحقوقي الذي سيطرعلى معنى الشرعية الحديثة قد أصابته هزة بنيوية حين عاد العنصر غير الحقوقي أو الجماعوي بوصفه مصدرا حاسما للمشروعية التاريخية لشعوب بأكملها ”  والمسكيني لا يرى في هذا الحدث المؤلم مجرد عمل إجرامي نتج عن رد فعل نفسي وتاريخي وإجتماعي  لفئة ضالة كما قرأته مختلف وسائل الإعلام العالمية والمحلية بسذاجة  بل هو ” كابوس تاريخاني أيقظ أمريكا من حلم إمبراطورية الديجتال من جهة الإستيلاء العدمي على آلة الديجتال وتوجيهها ضد الهائل التقني “.

ومثلما أن هناك  موت رقمي هو  المعادل الموضوعي  لموت الحداثة الذي أعلن عنه خطاب ما بعد الحداثة والنظرية ما بعد الكولونيالية التي قام بالتمكين لها في الفضاء الأكاديمي الغربي بعض مثقفي العالم الثالث الذين درسوا في الجامعات الغربية على غرار إدوارد سعيد وهومي بابا وغياتري سبيفاك وغيرهم وإتخذوا  من الفضاء الثقافي الإمبراطوري منصة لهم هناك أيضا يقول المسكيني ” موت ذكي للجسد يوصفه كمينا رقميا ”  وسواء تعلق الأمر بجسد البوعزيزي أو بجسد آخر فهذا الجسد هو الذي يفرض على المسكيني أن يفرق بينه وبين أشكال أخرى من تجليات الجسد كالجسد المريض أو المعتقل أو البدائي أو الهامشي أو جسد الدعاية أو حتى الجسد الصوفي الذي لم يشر إليه المسكيني المختلف تماما عن (الجسد الطيع أو الأمين) الذي تحدث عنه ميشال فوكو وعن عمليات  الترويض التي مر بها كنوع من الحصر في معنى وبعد واحد هو البعد الإنتاجي  فيكون من واجب الفرد حسب فوكو ” الحامل لهذا الجسد من وجهة نظر الدولة  هو العيش والعمل والإنتاج حسب أنماط معينة  وأحيانا  يجب عليه أن يموت حتى يضاعف الإنتاج و يضاعف من قوة الدولة”.

وعلى هذا الأساس يقول المسكيني فهو “جسد كمين جسد تدرب بشكل عدمي على تدمير الأجساد الأخرى  هذا هو معنى العدمية الجسدية في منظور المسكيني حين ترد بعنف على عدمية آخرى هي عدم الغرب غير الحقوقية ومع ذلك فالمسكيني يحذر من إعتبار المقاومة موقفا عدميا من عصر الديجتال فالديجتال شئنا أم أبينا هو ” الصيغة القصوى من نمط وجود الحيوان التقني الذي إستنسخته الحداثة الغربية من الحيوان العاقل بوصفه إستفزازا رقميا لقوى الطبيعة ” وطالما أن التصادم هو تصادم ما بين حضارتين حضارة الجليل في السياق العربي والإسلامي وحضارة الهائل التقني  في مسار الحداثة الغربية والسؤال المطروح هنا هل تمكننا حضارة الجليل وحدها من مقاومة حداثة الغرب المتوحشة والإستيلائية …. ؟

 يجيب المسكيني قائلا ” مقاومة العولمة المتوحشة للدولة العالمية ليست أبدا إنحباسا في ميدان الجليل بل لا بد من تدرب أصيل على إستعمال تاريخاني للهائل  التقني من أجل إنسانية مابعد غربية وما بعد إسلامية أيضا ”  ولكن لا يبدوا أننا أجبنا عن السؤال الأهم وهو ما علاقة كل هذا الكلام بما يدعوه إدوارد سعيد المقاومة الثقافية من الداخل أو المقاومة الداخلية لإعادة ترتيب البيت الداخلي…. ؟

بما يعني الشروع في تأسيس مشروع مجتمع يأخذ بعين الإعتبار  بنائين البناء الثقافي والبناء الإجتماعي في سياق ما بعد الكولونيالية لتجاوزآثار نظرية “الإستقلال السياسي ” كما وقف عليها السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في جوهرها وفي دلالتها الإجتماعية من أجل حلحلة أزمتين يراهما عمار بلحسن ضروريتين هما ” أزمة المشروعية ثم أزمة التبعية والهيمنة الغربية خصوصا بعد صدمة حرب الخليج ”  بأتجاه نقلة نوعية تنتقل بنا من حيز الامكان الى حيز الفعل ضمن تصور عام  يقوم أساسا على العدالة و الديمقراطية و تحدي القيم النفعية التي ميزت الأداء السياسي للنخب الحاكمة منذ بدايات تشكلها وإلى الآن.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here