قضيّة “سليماني” بين عقدة السفارة وخط الدّم

د. عباس مزهر

تصاعدت مؤخّرًا وتيرة الصراع الأميريكي الإيراني في الشرق الأوسط بدرجة حادة، بلغت أعتاب الأعمال الحربية، بدءً من اغتيال قيادات لمحور المقاومة في “سوريا” على يد جيش الكيان الإسرائيلي، وما تلاها من ردود فعل عسكرية لهذا المحور، مرورًا بالعمليات الإيرانية ضدّ ناقلات النفط في الخليج، واعتراض أربعة سفن تجارية، واحتجاز الباخرة البريطانية، وإسقاط الطائرة الأميريكية المسيّرة، والهجوم الخطير على منشأتين نفطيّتين من مرافق شركة “أرامكو” في “السعودية”، وصولاً إلى سلسلة الهجمات الصاروخية المحدودة على القواعد العسكرية الأميريكية في “العراق”، واغتيال كبير المقاولين الأميريكيين المتعاقد مع قاعدة “كركوك”، ممّا دفع أميريكا إلى اتهام إيران” بالوقوف وراء العمليات الأخيرة التي نفّذها الحشد الشعبي العراقي، فقامت بقصف مقرّاته ومخازنه وقتل عدد من مقاتليه. وما لبث أنْ تطوّر النزاع ليبلغ حدًّا هائلاً لا تطيقهُ “أميريكا”، وهو محاصرة سفارتها في “بغداد” واقتحامها وإشعال أسوارها وإحراق العلم الأميريكي الذي كان يعتليها، وإطلاق شعارات طرد الأميريكيين من البلاد. وقد بدا المشهد مشابهًا لاقتحام السفارة الأميريكية في “طهران” عام 1979 أثناء إندلاع الثورة الإسلامية في “إيران”، وهي العقدة التي لم تتعافَ منها “واشنطن” حتى اليوم، حيث لم تتحمّل تكرارها مما لها من تبعات مقلقة على هيبة “الولايات المتحدة الأميريكية” ومفهوم قوّتها ونفوذها، فأرادت رسم خط أحمر بدماء “قاسم سليماني”، على اعتبار أنّه الرجل الإيراني الثاني بعد المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” وقائد العمليات العسكرية لمحور المقاومة في “الشرق الأوسط”.

لقد كان اللواء “سليماني” هدفًا للرصد والمتابعة الأميريكية منذ فترة طويلة، لكنّ قرار اغتياله لم يكن واردًا على الإطلاق لما له من تبعات وخيمة وعواقب تفجيريّة. لذلك يأتي تنفيذ هذه العملية المعقّدة كدلالة على مدى شدّة المأزق العميق للوجود الأميريكي في المنطقة، وعلى هول مهاجمة سفارتها في “العراق”. وقد وضعت الاستخبارات العسكرية الأميريكية كلّ إمكاناتها التكنولوجية الضخمة من أقمار اصطناعية ووسائل التعقّب وتقنيات التجسس لتصفية “سليماني”، فاستهدفت – بطائرة مسيّرة – موكبَهُ المؤلّف من مركبتين على طريق مطار “بغداد” الدولي، بالتنسيق مع عامل بشري على الأرض ساهم في تسهيل العمل التجسّسي والوصول إلى دائرته الضيّقة، مما يضع “العراق” والمنطقة في زاوية قاسية وحامية يُمكن أنْ تُبدّل أوجه الصراع والموازين الاستراتيجية فيه، خاصةً وأنّ هذه العملية تُعتبر انتهاكًا سافرًا لسيادة الدولة العراقية وللأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، وقد أودت بحياة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المعترف به رسميًّا من الحكومة العراقية “أبو مهدي المهندس”، الذي ساند الجيش العراقي في محاربة تنظيم “داعش” ومكافحة الإرهاب.

مارست “إيران” عبر السنوات الأخيرة ضغوطًا عسكرية وسياسية تُهدّد الوجود الأميريكي في المنطقة، حيث دعمت الرئيس السوري “بشار الأسد” – عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا – في مواجهة المشروع الأميريكي، وبدأت بتصعيد الضغط على الأميريكيين في “العراق” بهدف إخراجهم منه: بدءً من دعم وتدريب الحشد الشعبي وتزويده بالمال والسلاح الذي ينفّذ بهِ عملياتهِ العسكرية ضدّ الأميريكيين، مرورًا بالمناورة البحرية المشتركة التي أجرتها مع “روسيا” و”الصين” في المحيط الهندي، وصولاً إلى طرح مشروع في مجلس النواب العراقي ينصّ على خروج القوات الأميريكية من “العراق”. وهذا ما ترفضه “أميريكا” جملةً وتفصيلاً، لأنّه يكشف ظهرها في “سوريا” ويُفقدها القدرة على اللعب بالمتناقضات كورقة “الأكراد” والفتن المذهبية، ويُضعف نفوذها في المنطقة، وبالتالي يُهدّد كامل وجودها في “الشرق الأوسط”. بِيدَ أنّ “الولايات المتحدة الأميريكية” ضاقت ذرعًا بالإكراهات الاستراتيجية التي تفرضها “طهران” على وجودها في المنطقة، خاصةً وأنّ المشروع الجيوبوليتيكي الأميريكي يقتضي تثبيت وتكريس وجودها في “العراق”، وذلك لأهداف عديدة: حماية مصالحها في “الشرق الأوسط”، ضمان أمن “الكيان الإسرائيلي”، السيطرة الكاملة على مصادر الطاقة وحركة تجارة النفط، ومحاصرة دول الممانعة، تهميدًا لعزل “روسيا” وقطع طريق الحرير على “الصين”. وقد قامت “أميريكا” بجهود جبّارة لدخول المنطقة عسكريًّا باحتلال أفغانستان عام 2001 بعد استغلال أحداث 11 أيلول وتدمير برجَي التجارة العالميَّين، وكذلك خوض حرب على “العراق” لاحتلاله في العام 2003، فلن ترضى بذهاب جهودها هباءً. لذلك أرادت رسم خط أحمر جديد يتعلّق بوجودها في “العراق”، فقامت باغتيال “سليماني” لتغتال بهِ مشروع محور المقاومة – باعتباره رأس الحربة فيه – القاضي بإخراج “أميريكا” من الأراضي العراقية والسورية، وتوهين وجودها في المنطقة لاحقًا.

وبناءً على ما تقدّم كانت أولى الخطوات الأميركية – بعد اغتيال “سليماني” وتذرّعًا بأيّ ردّ إيراني – تعزيز تواجدها في “العراق” عبر إرسال 3500 جندي أميركي، حيث سينضمّ إليهم 750 آخرين يتمّ استقدامهم من “الكويت”. فقد جاءت هذه العملية رسالةً صارمة إلى “طهران” بأنّ الوجود الأميريكي في “العراق” خطٌّ أحمر لن تسمح “واشنطن” بتجاوزه، وقد ظهر ذلك واضحًا في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الأميريكية “مايك بومبيو” مع مسؤولي بعض الدول: روسيا، فرنسا، باكستان، السعودية والعراق نفسه، حيث اعتبر هذا الحدث عملية دفاعية بهدف التصدي لهجمات يُخطّط لها “سليماني” ضد أهداف أميريكية، وأنّ إيران تقوم بأنشطة تُهدّد استقرار المنطقة، مؤكّدًا أنّ “واشنطن” عازمة على حماية مصالحها ومنشآتها في المنطقة. ويبدو أنّ “أميريكا” تريد إخضاع “إيران” لإرادتها ودفعها خارج الجغرافيا العراقية، ورسم خرائط جديدة للصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

من المُلفت أنّ هذا النوع من العمليات التصفوية هو أسلوب جيش الكيان الإسرائيلي والموساد، وليس الأسلوب العسكري والاستخباراتي الأميريكي. فالولايات المتحدة الأميريكية عندما تُشخّص حالة عدائية لمصالحها تقوم بالتخطيط لعمليات عسكرية يتمّ تنفيذها عبر القوات الأميريكية بشكل مختلف عن الاغتيالات المعتمدة إسرائيليًّا. وغالبًا ما تستهدف “أميريكا” – وفق هذه الطريقة – قادة تنظيمات وليس قادة عسكريين لدول، علمًا أنّ محاولات اغتيال “سليماني” السابقة كانت إسرائيلية، لاسيما محاولة اغتياله في “إيران” خلال مراسم عاشوراء الفائتة. لذلك يبدو التأثير الإسرائيلي واضحًا في طريقة اغتيال قائد فيلق القدس الفريق “سليماني”، ورغم التصريحات الإسرائيلية بعدم سعي “تل أبيب” إلى استهدافه إلّا أنّ بصماتها واضحة فيه، وكذلك تأييد الحكومة الإسرائيلية للعملية الأميريكية يكشف رغبتها فيما حدث. وفي كلّ الأحوال يُعتبر حادث الاغتيال الأميريكي جريمة دولية وإرهاب دولة، ومخالفًا لقوانين ومواثيق الأمم المتحدة.

إنّ اغتيال اللواء “قاسم سليماني”، الرجل الأقوى في المنطقة ومهندس محور المقاومة كان مفاجئًا وصادمًا، ليس ل”طهران” فحسب، بل للعالم بأسره، فيما لهذا الاغتيال من كسر لنسق المواجهة التقليدي. لذلك جاء حضور المرشد الأعلى السيّد “علي خامنئي” اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لأول مرّة دلالةً على فداحة الفعل الأميريكي الذي هزّ العالم، ورسالة واضحة لرأس الهرم الأميريكي “ترامب” الذي اتخذ شخصيًّا قرار الاغتيال من رأس الهرم الإيراني الذي تولّى شخصيًّا اتخاذ قرار الردّ. ومن الصعب جدًّا التنبّؤ بهذا الردّ، كونهُ مرتبطًا بالبيئة الاستخباراتية العسكرية وطبيعة تقييم الأهداف ومآلات استهدافها، ولكن هناك ساحات عديدة وواسعة أمام الإيرانيين قد تكون في دائرة الاستهداف، منها: القواعد الأميريكية في “العراق” و”سوريا” و”الخليج”، ناقلات النفط أو السفن التجارية في مضيق “هرمز”، أو السفارات الأميريكية في المنطقة، أو مهاجمة حلفاء “واشنطن” عبر حلفاء “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، الأمر الذي سيكون الأكثر دراماتيكية في حال تمّ التنسيق معها للقيام بردّ فعل عابر للحدود. وسيكون محور المقاومة أمام فرصة لإقرار قانون خروج الأميريكي المقدّم في مجلس النواب العراقي والذي اتخذ مسوّغًا أقوى ليتقرّر بعد الاعتداء السافر على السيادة العراقية بالعملية الأميريكية، وكذلك اشتداد المقاومة العراقية ضد الأميريكيين باعتبارهم قوة احتلال، أضف إلى ذلك إعادة محاصرة السفارة الأميريكية في “العراق”، وربّما توسيع رقعة الاحتجاجات ضد سفارات أميركية في المنطقة.

بالعودة إلى ما أسميناه “عقدة السفارة”، تشكّل السياسة الخارجية “للولايات المتحدة الأميريكية” أسُس حضورها العالمي وهيبتها وشخصيّتها المعنوية، وسفارتها تُعتبر أرضًا أميريكية وفقًا للقوانين الدولية. ولا يزال اقتحام الثوار الإيرانيين السفارة الأميريكية في “طهران” خلال الثورة “الخمينيّة” يُشكّل عقدة في الوعي السياسي الأميريكي وفشلًا ذريعًا غير مسبوق للدبلوماسية الأميريكية، حيث تمّت مصادرة الوثائق السرية للسفارة واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن ممّا سبّب آنذاك أزمة دولية كبيرة، وكذلك مشكلة في الداخل الأميريكي جعلت الرئيس “جيمي كارتر” عام 1980 يقوم بعملية “مخلب النسر” في الأراضي الإيرانية لكسب الانتخابات الأميريكية، لكنّ العملية فشلت واستتبعت نتائج عكسية أدّت إلى خسارته لصالح “رونالد ريغان” الذي استغلّ حادثة السفارة في حملتهِ الانتخابية، وقام بحلّ الأزمة بالتفاوض الدبلوماسي الذي انتهى إلى التوقيع على اتفاقية “الجزائر” عام 1981 بين “طهران” و”واشنطن” لتُفضي إلى الإفراج عن الرهائن الدبلوماسيين الأميريكيين بعد دقائق من أداء الرئيس “ريغان” قسم اليمين أمام الكونغرس.

لقد فجّر مشهد اقتحام السفارة الأميريكية في “بغداد” ذعرًا وجوديًّا ل”أميريكا”، حيث أعاد إلى أذهان الأميريكيين مشهد اقتحام سفارتهم في “طهران”، وهذا ما يُوجع “الولايات المتحدّة الأميريكية” ويصيبها في مقتل، خاصة أنّ مكانتها في العالم تعتمد على هيبتها ونفوذها، فلن تتحمّل أيّة ضربة في مركّب القوّة لديها. واليوم تُعاني “أميريكا” من أزمة تدبير قوّتها في “الشرق الأوسط” والعالم، ويواجه “ترامب” أزمة داخلية يسعى إلى الخروج منها. وقد تكون إهانة السفارة الأميريكية في “بغداد” سببًا لإنهاء عهد “ترامب” مثلما كانت إهانة السفارة الأميريكية في “طهران” سببًا لإنهاء عهد “كارتر”، الذي زاد درامية الأزمة بعملية “مخلب النسر”. وقد تُسفر عملية “البرق الأزرق” التي أطلقها “ترامب” لاغتيال “سليماني” عن عواقب وخيمة على عهدهِ، وتكون سببًا لخسارتهِ الانتخابات المقبلة أمام رئيس آخر يُعيد معالجة الأزمات مع “طهران” بالدبلوماسية. كلّ ذلك مرهون بالردّ الإيراني الذي لا مناص من أنّه آتٍ بقسوة وحزم، إنطلاقًا من خط الدمّ الذي حدّدته “الولايات المتّحدة الأميريكية”.

مركز الأنتروستراتيجيا للأبحاث والدراسات

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here