قضية خاشقجي.. واشنطن لا تدرك ان حقوق الانسان كل لا يتجزأ

اسيا العتروس

لايختلف اثنان أن جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي جريمة بشعة وان مرتكبيها يتفوقون على الشيطان في القدرة على التوحش في أسوإ مظاهره وأنهم لا يتساوون فيما أقدموا عليه إلا مع الدواعش والإرهابيين المتعطشين للدم والذين لا يترددون في قطع ونحر الرقاب وتقطيع الأوصال الآدمية… ولكن ما يمكن أن يختلف بشأنه متتبعو الأحداث منذ تاريخ تلك الجريمة قبل سنتين أن تتحول إلى ورقة مقايضة والى كلمة حق لا يراد بها حق بل يراد بها باطل ومواصلة لعبة الابتزاز…وها انه وبعد كل ما جناه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من صفقات واتفاقات عسكرية وسياسية وغيرها على خلفية الجريمة فان الرئيس بايدن يسجل حضوره على الخط في الملف ليقطف بدوره ما أمكن من ثمار الجريمة التي يبقى من حق الضحية ومن حق عائلته وحق السعوديين أيضا معرفة الحقيقة الكاملة بشأنها ومحاسبة المسؤولية محاسبة عادلة حتى لا تكون جريمة خاشقجي مجرد  شماعة لأطراف متنفذة لتجعلها مغارة علي بابا للإدارات الأمريكية التي لا تخفي جشعها وطمعها في ثروات المملكة مرة برفع ورقة حقوق الإنسان وأخرى برفع راية ضمان امن المملكة…ومن هذا المنطلق كان من الطبيعي أن يكون الرد السعودي الرسمي رافضا للتقرير الأمريكي بشأن جريمة خاشقجي الذي  يحمل ولي العهد المسؤولية فيها والأكيد أن المخابرات الأمريكية  لا يمكن أن تكون عنوانا للعدالة الدولية العرجاء ولا أن تنصب نفسها حارسا عليها.

والأكيد أيضا أن قائمة الملفات والجرائم التي تورط الإدارات الأمريكية المتعاقبة من بنما إلى فيتنام وليبيا والعراق وأفغانستان وسوريا لا يتسلل إليها الشك وهو ما جعل الإدارات الأمريكية تحرص على  ضمان الحصانة لقواتها حيثما تكون وترفض مساءلتها أو محاسبتها تحت أي ذريعة كانت.. طبعا ونحن هنا لا نتحدث عن كل الجرائم الإسرائيلية وكل الاغتيالات المنظمة التي اقترفت بضوء اخضر أمريكي ولم يكتب لأي منها أن تمثل أمام العدالة الدولية..

لسنا في إطار توزيع صكوك البراءة أو رفع أصابع الاتهام عن أي طرف متورط في جريمة اغتيال خاشقجي الذي كان احد اقرب المقربين من دائرة سلطة القرار في المملكة واحد صناديقها السوداء المطلعة على كل أسرارها قبل أن يتحول إلى معارض وينتقل إلى واشنطن ثم يخطط للوصول إلى تركيا حيث ستكون نهايته المشينة..

عاد ملف اغتيال الصحفي جمال خاشقجي إلى سطح الأحداث مع تدشين إدارة الرئيس جو بايدن مهامها..وإذا كان الرئيس السابق دونالد ترامب تعاطى على طريقته مع الجريمة واعتمد سياسة البقرة الحلوب لفرض كل أنواع الصفقات والاتفاقات العسكرية على المملكة وضمان مزيد التمويلات للخزانة الأمريكية فضلا عن تحقيق أهداف صفقة القرن التي ستقود لاحقا لإطلاق قطار التطبيع المجاني مع خمس دول عربية بينها بلدان خليجيان وهما الإمارات والبحرين عل أمل التحاق المزيد لولا فشل ترامب في الانتخابات الرئاسية ونهاية مرحلة الشعبوية المفرطة التي قادته إلى البيت الأبيض… الرئيس الأمريكي بايدن أصر ومنذ بداية عهدته على انه سيتصل بالعاهل السعودي الملك سلمان وانه لا مجال للتواصل مع ولي العهد تاركا المجال واسعا لكل التأويلات والتوقعات بنشر البيت الأبيض تقريرا للاستخبارات الأمريكية حول ما خفي من تفاصيل بشان الجريمة البشعة التي كان مسرحها القنصلية السعودية باسطنبول  ولمزيد التشويق غاب عن الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي والعاهل السعودي أي إشارة عن ملف خاشقجي وانحصر الاهتمام حول العلاقات بين البلدين وهي علاقات مصالح بامتياز بالنظر إلى الدور الأمريكي المتنفذ في المنطقة منذ اكتشاف الثروات النفطية التي تزخر بها والتي ستتحول من نعمة إلى نقمة على مدى العقود ..

المهم أنه بعد شهر على تولي الرئيس بايدن مهامه ظهر التقرير الاستخباراتي الأمريكي الجديد ليفرض قائمة جديدة من القيود والعقوبات وذلك بمقتضى قانون «ماغنيتسكي الدولي للمساءلة حول حقوق الإنسان» باستهداف مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد في جميع أنحاء العالم…

من حق السعودية ألا ترضخ للابتزاز والمساومات وإلا تظل البقرة الحلوب المدرة للذهب لكل من أراد ذلك ولكن هذا أيضا لا يمكن أن يتحقق دون استعادة المملكة قراراها في هذا الملف وغيره من ملفات حقوق الإنسان ودون كشف الحقيقة في هذه الجريمة التي اهتز لوقعها العالم.. والأكيد أنه أمام المملكة فرصة للدفع باتجاه تغيير البحث عن طريق ثالث غير السائد والمألوف في لعبة المصالح الديبلوماسية سواء مع دول التعاون الخليجي أو غيرها وإعادة النظر جديا في ملف اليمن وفي العلاقات مع طهران والانتباه إلى حقيقة واحدة لا تقبل التشكيك في كل الأزمات ومنذ عقود وأن إسرائيل كانت ولا تزال المستفيد الأول والأكبر من كل ما يحدث ومن كل الصراعات والانشقاقات وحروب الاستنزاف وان تتجه الى تغيير العقليات وتقبل بجرأة على الإصلاحات الموعودة ومعركة  تحرير العقول وإطلاق التطوير الحقيقي ورفع القيود المجحفة عن الأجيال وإخراج الإصلاحات المعلنة من الشعارات إلى ارض الواقع… طبعا لن يكون الأمر هينا ولكن لا مفر من ذلك حتى لا تبقى المملكة رهينة الابتزاز المعلن لملف حقوق الإنسان الذي يدعي الغرب الدفاع عنه..

كاتبة تونسية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. شكرا على كل التعاليق و ك الافكار مهمة نحن مع الاسف نعيش في عالم تقوده العدالة العرجاء و الدول العربية ليست صاحبة قرار …

  2. تحية وبعد …
    لقد أعجبني مقالك هذا، واسمحي لي إبداء بعض الملاحظات …
    … جاء في العنوان “واشنطن لا تدرك ان حقوق الانسان كل لا يتجزأ”، أرى بأنها تدرك ذلك تماماً، ولكنها تكيل بمكيالين أو أكثر.
    … تقولين “كان من الطبيعي أن يكون الرد السعودي الرسمي رافضا للتقرير الأمريكي”، ولا خلاف على ذلك، ونأمل، ولا نتوقع، أن يتمكنوا من رد كيدهم إلى نحورهم.
    … تقولين “تورط الإدارات الأمريكية المتعاقبة من بنما إلى …” كنت أفضل أن تكون البداية من إبادة الهنود الحمر وأما النهاية فهي مفتوحة والعداد لا يتوقف.
    … تقولين “الثروات النفطية التي تزخر بها والتي ستتحول من نعمة إلى نقمة على مدى العقود” كنت أفضل بأنها تحولت “بدلاً من ستتحول”، ومنذ عقودٍ مضت، ولا نعلم متى تنتهي.
    … ذكرتِ “قانون «ماغنيتسكي”، فمن منحه الشرعية، ومتى نستطيع مواجهتهم بقانون “العدل أساس الحكم”.
    … تقولين “لا يمكن أن يتحقق دون استعادة المملكة قراراها” … ولا خلاف على ذلك، وهو القاسم المشترك الأعظم بين دول العالم الثالث عامة، ودولنا العربية خاصة، فما السبيل الى ذلك، ومن لها، فلن تقوم لنا قائمة دون استعادة دولنا قرارها، ولو بالحد الأدنى.

  3. معذرة سيدة اسيا انا ضد قتل الابرياء او للاختلاف بالراي من قتل خاشقجي لا يهمني فنحن نعيش في منطقة كل يوم يقتل ابرياء في اليمن و سوريا و العراق و فلسطين وهذا الكم من القتل لا يهم لا امريكا و لا اوروبا لانهم هم المحركون للقتلة في كل هذه الاماكن و ايضا لا يعنيهم من قتل و كيف قتل الخاشقجي و لا فرق بين القتل في فلسطين و اليمن و سوريا و العراق و ليبيا او قتل الخاشقجي من الناحية الانسانية اما من المنظور المادي في الفلسفة الرأسمالية الابتزازي هناك فرق فالمتهم بقتل الخاشقجي يمكن ابتزازه ماديا كما فعل سيدهم ترامب اما ضحايا اليمن و ليبيا و العراق و فلسطين و سوريا فقاتلهم و يبتز قاتل الخاشقجي واحد و التحول في الموقف الامريكي في قضية الخاشقجي والخرب على اليمن يؤكد ان امريكا قبضت الثمن. فهذه الدول تدعي الديمقراطية و الحرية لكن ان كان ذلك يخدم مصالحها.

  4. الى الاستاذه اسيا العتروس
    بعد التحيه و الاحترام

    الأمريكان مش حاصلين على حقوقهم و قضية
    حقوق الانسان هيا قضية تجاره مربحه جدا
    عند السياسين و الي بيصدقها سيكون ولي العهد .
    و أكرر الاحترام

  5. ________
    لماذا تحرك الإدارة الأمريكية قضية إإغتيال خاشوقجي و كأنها في طورها الأول _ أي التحقيق _ ؟؟؟ طبعا الجواب في السؤال و هو لأن رافع الدعوى صاحب مصلحة . قد لا أتفق مع أستاذتنا الفاضلة لما تقول بأن واشنطن لا تدرك بأن حقوق الإنسان كل لا يتجزء / بل هي على دراية تامة بهذه القاعدة لكنها تتعامل بما تراه ملاءما من مكاييل تخدم مصلحتها أولا . لكن العيب ليس في أمريكا و ليس في القوانين … فينا العرب .. لا تذهب بعيدا .

  6. بوركت على هذا المقال المتوازن الذي أعطى كل ذي مثلبة أو حق ما عليه باستثناء العدالة والتي ما زالت ضائعة والسؤال هو متى وكيف ومن سيهديها للطريق ..؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here