قضية “جمال خاشقجي” سيكون لها تداعيات خطيرة على النظام السعودي.. و إستغلالها لتفعيل قانون “جاستا”

د. طارق ليساوي

لم أجد خيراً من قول الله تعالى {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران : 54]، لتعبير عن ما حدث للزميل الصحفي و الإعلامي “جمال خاشقجي”، و الذي لا نعلم على وجه التحديد هل هو لازال على قيد الحياة و نتمنى ذلك، أم لقي حتفه لا قدر الله ، مع العلم أن مختلف الشواهد و التسريبات تؤكد خبر وفاته .. لكن مع ذلك، فإن إحتمال بقاءه على قيد الحياة لازال واردا، مالم يتم التوصل لأدلة مادية جازمة تقطع الشك باليقين، كالعثور على جثمان الرجل، أو إعتراف الجناة بارتكاب هذا الجرم..و في جميع الأحوال فإن ما حدث يدعوا للأسف، و يعبر عن واقع الاستبداد و الطغيان الذي يعيشه الوطن العربي…فالأنظمة العربية لا تقبل بأي صوت معارض لإرادتها أو منتقد لسياسياتها، فهي تريد مسبحين بحمدها و ساجدين لإرادتها …

فهذا الصحفي لم يكن معارضا بالمعنى الدقيق للكلمة، فهو إبن النظام و مقرب من دوائر الحكم في السعودية و مدافع عن الأسرة الحاكمة و يقر بأن لها شرعية تاريخية …فقد تابعت كتاباته منذ أن رحل لأمريكا، و كنت من قرائه لما كان يكتب في جريدة الحياة اللندية، وكان – عذرا على الوصف- من “أبواق” السياسة السعودية ، و يحاول الدفاع عن سياسة بلاده حتى و إن كانت سياسة ظالمة، و بعد أن لجأ لأمريكا فإن الرجل يصعب أيضا تصنيفه في خانة المعارضين، فقد أيد تدخل السعودية في اليمن، و أيد إعتقال عدد من الشخصيات السعودية البارزة المتهمة بالفساد، بل أيد الملك سلمان بشكل مطلق، و لعل خلافه الأبرز كان مع ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” الحاكم الفعلي للمملكة السعودية…

و إعتقال جمال او إغتياله بالرغم من موقفه المعتدل جدأ، مبرر بالنظر إلى عقلية النظام الحاكم في السعودية، فهذا النظام لم يتردد، في  إعتقال علماء و مفكرين لأنهم عبروا في تغريدة عن مواقف تدعو للوحدة الخليجية، او لوقف الحرب على اليمن، وتبعا لذلك، فمن غير   المستغرب ان يقوم باغتيال “جمال خاشقجي” خاصة و أن الرجل بحكم أنه صحفي، له صلة بكبريات المؤسسة الإعلامية العالمية ، وكذلك أن موقفه العقلاني و المعتدل و إطلاعه على بواطن الأمور وخفايا النظام، فالرجل لم يكن مجر صحفي، و إنما كان في قلب المطبخ السياسي فقد اشتغل مستشارا لرئيس الإستخبارات السعودية، وهي أمور   تحرج النظام و تكشف سوءاته أكثر إذا ما غير جمال تموقعه، و إنضم إلى جناح المعارضة لتوريث الحكم لمحمد بن سلمان….

و عموما، فعلى الرغم من إقدام السلطات التركية على نشر صور المشتبه بهم ، و تناسل الروايات التي تؤكد إغتيال الرجل و ربما تقطيعه، إلا أننا لا نميل إلى هذا الرأي، فمن المستبعد أن يقدم النظام الحاكم في السعودية على مثل هذا الفعل الذي لا يمكن وصفه إلا بالغباء و السذاجة وضيق الأفق السياسي، فمن غير المتصور أن يتم إرسال 15 فردا إلى تركيا، و إستدراج الرجل للقنصلية بغرض تصفيته بداخلها، فالتحليل الموضوعي و المنطق السليم يستبعد ذلك، و إذا تم القتل فمن المرجح أن  يكون بالخطأ و لم يكن مقصودا في البداية، و قد يكون – القتل إذا تم فعلا- نتيجة لتعرض الرجل لهبوط في الدورة الدموية نتيجة للتعذيب أو الإهانة التي تعرض لها أثناء التحقيق معه..فلو إفترضنا أن النظام و تحديدا ولي العهد السعودي يريد إسكات صوت الرجل، لكان بالإمكان فعل ذلك بعيدا عن البعثة الدبلوماسية لبلاده بالخارج، فهناك قتلة مدفوعي الأجر يمكن ان يتولوا تصفية الرجل في قلب أحد المدن الأمريكية، ووفق سيناريوهات تبعد الشبهة عن النظام السعودي  …

لكن بنظرنا أن الله تعالى جعل كيد المعتدين في نحرهم، و العدالة و الحكمة الإلهية أرادت أن تنتقم لدم المظلومين الذي سفكت دمائهم ظلما و عدوانا في اليمن و ليبيا و مصر وسوريا، فالهلع الذي أصاب السعودية و معها الإمارات العربية من الثورات العربية، دفعهم إلى محاربة إرادة الشعوب و تدميرها، لكسر طوفان التحرر و الإنعتاق من قيود الاستبداد و الإستعباد..فحاولوا حماية عروشهم بالتضحية ببلدان عربية بأكملها، مع العلم أن هذه الأنظمة سارعت منذ إندلاع الثورات العربية إلى التوسيع على شعوبها و منحها حزمة من الحقوق و الإمتيازات، و إتخاذ سلسلة من الإجراءات و التذابير الداخلية، لضمان الإستقرار السياسي و السلم الإجتماعي..

 فشعوب الخليج جنت ثمار الثورات العربية و حصلت على المزيد من الحقوق و المكاسب التي لم تكن لتحصل عليها لولا إندلاع الثورة في تونس، و ما صاحبها من ثروات عربية أطاحت بأربع رؤساء دول عربية…فالشعوب الخليجية لم تتضامن مع باقي الشعوب العربية و لم تقم بواجبها في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و بتالي منع طغيان حكامها، و توظيف ثروات هذه البلدان لدعم الثورات المضادة في بلدان الربيع العربي، بدلا من أن توجه جهودها و ثرواتها للبناء و التعمير، فضلت محاربة الثورات الشعبية ودعم الإستبداد و سفك الدماء…

فإغتيال “جمال خاشقجي” أو خطفه، لا يقل أهمية عن دماء ملايين اليمنين الذي قتلوا وشردوا من قبل التحالف العربي بقيادة السعودية، لكن من دون شك أن شهرة الرجل و المكان الذي تمت فيه عملية القتل أو الإختطاف سيكون لها وقع سلبي على النظام السعودي، و لن تستطيع المملكة تحمل تبعات ما سيحدث خاصة  بداخل الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل الرئيس “ترامب” الذي لن يتورع في توظيف هذه القضية للضغط و ابتزاز النظام السعودي..

بل الأدهى من ذلك، ستوظف جمعيات حقوق الإنسان و ذوي ضحايا هجمات  11 أيلول 2001  ، هذه الحادثة لتفعيل  قانون “جاستا” والذي أقر قبل نحو عامين من قبل الكونغرس الأمريكي،  تم تعطيله ب   “فيتو”  الرئيس باراك أوباما ، لكن مع صعود الرئيس “ترامب” للحكم تم تفعيل القانون مجددا وتجدد النقاش حوله، وبعد أن حصل الرئيس ترامب على أزيد من 400 مليار دولار دفعة واحدة من السعودية بعد المؤتمر الإسلامي الأمريكي تم تجميد القانون مجددا إلى حين..

و كلمة “جاستا JASTA” اختصاراً لعبارة Justice Against Sponsors of Terrorism Act أي “العدالة في مواجهة رعاة النشاط الإرهابي”، وعلى الرغم أن  القانون لا يشير  صراحة إلى السعودية، لكنه سيخول   ذوي ضحايا هجمات 2001 من رفع دعاوى بحق السعودية، كبلد قدم الدعم بشكل مباشر أو غير مباشر للمجموعة التي نفذت العملية صبيحة الحادي عشر من سبتمبر مستهدفة أبراج التجارة العالمية، في جادة مانهاتن بنيويورك.

لذلك، فإن ما حدث في القنصلية السعودية بتركيا سيكون له تبعات خطيرة، و حليف السعودية “ترامب” سيعمل ما في وسعه لحلب و ابتزاز ولي العهد السعودي في تكرار لما حدث للعقيد “معمر القدافي” في ما عرف بقضية” لوكربي”، فقد تم توظيف هذه القضية لإستنزاف ثروات ليبيا و الضغط على نظام القدافي و في نهاية المطاف رأينا جميعا ما حصل…

فإذا كانت العدالة البشرية عاجزة أو متحيزة، فإن العدالة الإلهية تنتصر للمظلوم و لو بعد حين، و تقتص من الظالم مهما طغى وتجبر قال تعالي  في محكم كتابه:  {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)} [البلد : 5-7]، نعم فإن الله قادر على أن ينصف كل مظلوم، و يعاقب الطغاة العرب في الدنيا قبل الأخرة… و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here