قصور الحمراء .. ديوان العمارة والنقوش العربية للدكتور محمد عبدالمنعم الجمل

 

عرض أبوالحسن الجمال

  كتاب إذا بدأت مطالعته يفرض عليك إكماله إلى نهايته وذلك فى جلسة واحدة.. وهذا ما حدث معي في كتاب  “قصور الحمراء – ديوان العمارة والنقوش العربية”، فلم أتركه حتى أتيت على أخره .. كما دفعني إلى اقتفاء أثره في بعض المراجع الأخرى – العربية والأجنبية- والتي أخذ عنها الكتاب، ودفعني أيضاً إلى مشاهدة العديد من الأفلام الوثائقية التي أعدت عن قصور الحمراء حتى اقترب من الصورة.. فالموضوع شيق وممتع ومكتوب بمنهج علمى رفيع وبأسلوب أدبى ممتع… فنحن أمام موسوعة مفصلة بدأت من العام إلى الخاص .. من تاريخ العمارة الإسلامية في الأندلس .. وخصائها وتطورها خلال ثمانية قرون، وصولاً إلى عصر بنى نصر أصحاب غرناطة الذين أسسوا هذه المملكة عقب سقوط حواضر الأندس الكبرى في منتصف القرن السابع، واستمرت حتى سقطت بأيدى الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزبيلا فى شوال 897هـ (2 يناير1492م).

    وقصور الحمراء تلك التراث الزاخر المعجز التى تحدت الزمن، وصمدت في وجه الأهوال والمحن، وهي تثير في نفس كل من يشاهدها ذكريات المجد والفخار، إذ تمثل الحمراء  بروائعها عهداً من الأمجاد والبطولات، أمجاد حضارية وبطولات عسكرية سجلها التاريخ فى هذه القصور الأسطورية التي أصبحت متحفاً لا نظير له للعمارة والفنون الإسلامية فى الأندلس.

   والمؤلف هو الأستاذ الدكتور محمد عبدالمنعم الجمل أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، ومدير مركز الحضارة الإسلامية في مكتبة الإسكندرية، وينتمي إلى مدرسة جامعة الإسكندرية التاريخية العريقة التى أنجبت العديد من الأعلام منهم: الأستاذ عبدالحميد بك العبادى، والدكتور أحمد فكرى، الدكتور جمال الدين الشيال، والدكتور السيد عبدالعزيز سالم، والدكتور أحمد مختار العبادى، ومازالت تؤدى دورها في خدمة الدراسات التاريخية والأثرية إلى اليوم.. وأثرّت بشدة في الدراسات الأكاديمية في مصر وخارجها.. ومجمل القول أنه عندما تذكر الأندلس تذكر الإسكندرية.. وهذا الكتاب هو بمثابة موسوعة ثقافية شاملة، ترصد وتحلل الأشعار والنقوش الكتابية التي تزين جدران قصور ونافورات الحمراء بالأندلس، وتطور العمارة الإسلامية بها، منذ عصر بني أمية وحتى عصر بني نصر آخر ملوك وسلاطين غرناطة والذين يرجع إليهم الفضل في إنشاء مجموعة قصور الحمراء بوحداتها المعمارية الفريدة وبساتينها التي تتخللها الجداول والبرك الصناعية الخلابة، ويستعرض الكتاب وجهات نظر الباحثين في هذه النقوش، وقيمتها الفنية والأثرية في تاريخ الفن.

      وفي تقديمه للكتاب يذكر الدكتور الجمل، أن هذه القصور كانت مصدر إلهام للكثير من أدباء الغرب في تاريخنا المعاصر، فقد اجتذبت بأجوائها الساحرة الكاتب الأميركي الشهير “أرفنج واشنطن”، ليقضي بين ربوعها فترة من الوقت يستلهم منها مادة لقصصه ورواياته، كما عاش بين ربوعها الموسيقي الأسباني “مانويل دي فابا”، وشاعر اسبانيا الشهير “جارسيا لوركا”، والأديب الفرنسي “شاتوبريان”، واستلهم من أجوائها أخيراً الروائي الاسباني “أنطونيو جالا” روايته الشهيرة “المخطوط القرمزي” التي تدور أحداثها في قصور حمراء غرناطة في أواخر عصر بني الأحمر، وكانت هذه القصور مصدر وحي لعدد من الشعراء والكتاب العرب منهم: الشاعر أحمد شوقي، والشاعر نزار قباني، والكاتبة رضوى عاشور في روايتها “ثلاثية غرناطة”، كما يذكر أيضاً: “وإلى الحمراء أقبل فى سنة 1953 جمهور من المتخصصين فى تاريخ الفن والعمارة يستلهمون منها طرازاً قومياً لعمائر مدنهم، وأصدروا قرارهم بعد ثلاثة أيام قضوها فى أبهاء القصور وقاعاتها يتأملون عناصرها الزخرفية، ويستنبطون من قيمها الجمالي والمعمارية الوفيرة مواداً لهذا الطراز”.

    ومازالت الحمراء رغم ما كتب عنها من مصنفات معيناً لا ينضب للكتاب والباحثين في المجالات الفنية والأثرية إلا أن جانباً هاماً من هذه المجالات ما يزال قاصراً، في حاجة إلى العديد من الدراسات والأبحاث.

   ويعنى به المؤلف الدراسات الخاصة بالنقوش التي تزين جدران الحمراء ونافوراتها.. ويذكر الكتاب أن كلمة الحمراء وردت لأول مرة في المصادر العربية باسم حصن الحمراء، وكان يطلق على حصن صغير لجأ إليه الثائرون الذين فروا أثناء الفتن التي شبت خلال حكم الأمير عبد الله الأموي، ويبدو أن هذا الموقع قد أصبح في نهاية القرن (الثالث هـ/التاسع م) حصنا إسلاميا، وكان هذا الحصن قد شيد فيما يغلب في نهاية القرن الثالث الهجري على أطلال رومانية وقوطية قديمة كانت تتخذ من هذا الموقع الإستراتيجي فوق تل السبيكة حصنا ومركزا دفاعيا لها، وقد هجر فيما يبدو في أيام الخلافة، حيث لم تذكره المصادر العربية إلا في عصر بني زيري الذين اتخذوه حصنا وموقعا عسكريا، ثم أضافوا إليه منشآت مدنية للسكنى..

 ويرجع الفضل في إنشاء المجموعة الحالية لقصور الحمراء إلى بعض سلاطين بني نصر أضاف كل منهم قصراً، أو ابتنى مجلساً داخل برج من الأبراج تتقدمه بركة صناعية، أو زود أحد القصور بصحن تتوسطه نافورة.. والحمراء مدينة ملكية تتخذ شكل الحصن الذي يقام في موقع مرتفع منيع يتميز بحصانته بفضل الأبراج والأسوار المحيطة به، ويبلغ ارتفاع الهضبة التي شيدت عليها القصور 736 مترا، وتشغل نحو خمسة وثلاثين فداناً، وهي في ذلك تشبه إلى حد كبير قلعة الجبل في القاهرة، وقلعة حلب في بلاد الشام، وهذا الطراز من المدن المحصنة أصبح الطابع المميز للعديد من المدن الإسلامية ابتداء من القرن الرابع الهجري.. وتضم الحمراء عدداً من الوحدات المعمارية بعضها قاعات ومجالس وبعضها أبهاء وبساتين تتخللها الجداول والبرك الصناعية خطط لها فوق تل السبيكة الذي عرف بهذا الاسم لتحوله إلى اللون الذهبي عندما تسقط عليه أشعة الشمس.. وقد اتسعت الحمراء بما أضيف من قصور وأبراج وقاعات ومرافق مختلفة ومتعددة الأغراض، حتى أصبحت بحق مدينة ملكية تضم القصور والحمامات والمساجد السلطانية والمتنزهات وصهاريج المياه، وتطوقها الأسوار والأبراج المحصنة..

 وقد بدأ المؤلف البحث فى النقوش الكتابية بقصور الحمراء منذ عام 1989، ورغم ندرة المراجع في اللغة العربية إلا أنه لم يثبط أو يصاب بالإحباط .. بل واصل الطريق بكل عزيمة واقتدار، وقد وفقه الله فحصل على منحة للسفر إلى أسبانيا عام 1991، وهناك درس مجموعة من قاعات الحمراء مع تسجيل ونشر علمى مزود باللوحات والصور التوضيحية لنقوشها وكان يصور ويدرس كل ما يتعلق بالنقوش الشعرية والنثرية المسجلة على جدران الحمراء مهتماً فى المقام الأول بالدراسة الأثرية للنقوش ومقارنتها بعد ذلك بما ورد عنها فى المصادر الأدبية والتاريخية.

 جهود من سبقه:

    واستعرض الدكتور الجمل الجهود التى سبقته فى هذا المجال والتي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر على يد المريسكي الغرناطى “ألونسو دل كاستيو” مترجم البلاط في عهد الملك فيليب الثانى، وتبعه ي وصف النقوش بعض الرحالة والسفراء العرب ومنهم أحمد بن المهدى الغزال الفاسى، والسفير محمد بن عثمان المكناسى. والدراسة الجادة التي قام بها “الفونتي القنطرة”Alcantra  Lafuante Y عن الكتابات العربية في غرناطة مدريد 1859م، ودراسة “أنطونيو الماجرو”  Antonio Almagroبعنوان دراسة عن الكتابات العربية في غرناطة، وقد صدر في غرناطة 1879م وهى دراسات تقوم على محاولة قراءة تلك النقوش وترجمة بعضها إلى اللغة الأسبانية، وقد كانت تلك الكتابات مليئة بالأخطاء وعدم تحرى الدقة، ثم صدر بحوث حاول أصحابها تصويب القراءات السابقة للنقوش وذكر منها على سبيل المثال “جاسبار روميرو”Gaspar Remiro بعنوان” نقوش الحمراءLas inscripcions de la Alhambra ونشرها عام 1911، في مجلة الدراسات التاريخية التي تصدرها جامعة غرناطة، وأستعرض المؤلف أيضا دراسات الأستاذ الأمريكى “نيكل” Nykl، وأخيراً المستشرق الفرنسى “ليفى بروفنسال”  Provencalفي كتابه “النقوش العربية في أسبانيا”، وتناول فيه نقشاً واحداً من نقوش الحمراء ..

     ثم عرج المؤلف ليتناول الدراسات العلمية الجادة عن النقوش الكتابية بالحمراء التي بدأت مع المستشرق الكبير “أميليو غرسية غومس” Garcia Gomez الذي بدأ بدراسة النقوش الكتابية وخاصة الأشعار التي تزين الحمراء وأهميتها في مجال اللغة والأدب، واهتم بدراسة أشعار الوزير الغرناطي ابن زمرك شاعر الحمراء، وكذلك المستشرقة “ماريا خيسوس روبيرا” Maria Jesus Rubiera التي حصلت على درجة الدكتوراه عام 1970، عن الشاعر ابن الجياب ..هذا من الناحية الأدبية.. أما “فرناندز بويرتاس″ Fernandez Puertas أستاذ الأثار الإسلامية في جامعة غرناطة، و”داريو كابانيلاس” Dario Cabanelas فقد وجها الأنظار إلى دراسة النقوش من وجهة النظر الأثرية والفنية، وقد نشرا بحوثهما الفنية في هذا المجال معاً في مجلة “كراسات الحمراء” Ouademos de la Alhambra التي تصدرها إدارة الحمراء وجنة العريف.

أهمية النقوش كمصدر من مصادر التاريخ:

    وتعتبر النقوش الكتابية على الآثار الإسلامية من أهم المصادر بالنسبة للدراسات التاريخية والحضارة الإسلامية؛ لأن أكثر ما وصلنا في المصادر العربية المدونة في الفترة المبكرة من العصور الإسلامية لا يعدو روايات يغلب عليها الطابع الأسطوري، وتتضمن أيضا النقوش الكتابية في معظم الأحيان أسماء العرفاء والمهندسين والمزوقين الذين أشرفوا على إنشائها وتزيينها وهي أمور غفلت الوثائق التاريخية عن ذكرها على هذا النحو من الدقة؛ لذلك تعتبر تلك النقوش مادة أساسية للكتابة التاريخية والحضارية..

*********

     وقد قسم المؤلف موسوعته إلى ستة فصول قدم لها بمقدمة تضمنت عرضاً عاماً لموضوع البحث وجهود من سبقه فى هذا المجال مع دراسة نقدية لأهم المصادر والمراجع، وزود دراسته بمجموعة نادرة من اللوحات والصور والخرائط والوثائق المتنوعة والشرائح الكروكية، ليقف القاريء على مراحل تطور العمارة الإسلامية وخصائصها، وتطور صناعة النقوش الكتابية والمواد الخام المستخدمة فيها.

    ففي الفصل الأول يركز على الطراز المعماري الأندلسي بشكل عام، مستعرضا نشأته والروافد الثقافية والاجتماعية والسياسية ومدى تأثيرها في طرق تشكيله فنياً وجمالياً. ثم يعرض لمنشآت بني نصر بقصور الحمراء، والنواة الأولى للحمراء في عهد محمد بن نصر وخلفائه وتاريخ إنشاء كل مجموعة منها، حتى بلغت قصور الحمراء أوج جمالها في عصر السلطان يوسف الأول وابنه السلطان محمد الخامس “الغني بالله”، الذي توج عمارته بإنشائه مجموعة معمارية خالدة في بهو الأسود، ثم تناول المؤلف بالتفصيل شعراء بني نصر ومعظمهم من رجال العلم والأدب الذين ترأسوا ديوان الإنشاء ووصلوا إلى منصب الوزارة في حمراء غرناطة، وأبدعوا في وصف حدائق الحمراء وقصورها ونافوراتها، وأجمل قصائدهم تزين جدران القاعات والنافورات، ومعظم هذه الأشعار نظمت لهذا الغرض الزخرفي ومن هؤلاء الشعراء الشعراء: الوزير أبوالحسن على بن الجياب الذى تزين أشعاره منشآت السلطان يوسف الأول وابنه محمد الخامس، ثم تناول أشعار ابن زمرك وأشعاره تزين منشآت الأمير محمد الخامس، فى واجهة قصر قمارش وبهو الريحان ونافورة بهو الأسود وقاعة الأختين وقاعة بنى سراج، وأوضح كيف ساد بين الباحثين لفترة طويلة أنه شاعر الحمراء الوحيد من خلال نص ورد فى “نفح الطيب” للمقرى ينسب إليه كل الأشعار التي تزين جدران الحمراء، على لسان ابن زمرك بعد نكبته على السلطان محمد الخامس حيث قال: “خدمته سبعاً وثلاثين سنة، أنشدته فيها ستاً وستين قصيدة في ستة وستين عيداً، وكل ما في منازله السعيدة من القصر والرياحين والدشار والسبيكة من نظم رائق، ومدح فائق في القباب والطاقات والطرز وغير ذلك فهو لى”، ولكن الدراسات الحديثة أفادت من المصادر الخطية ودواويين الشعر المخطوطة أثبتت وجود شعراء آخرين غير ابن زمرك تزين قصائدهم جدران وقاعات الحمراء، وقد أشار إلى اثنين هما ابن الجياب ولسان الدين بن الخطيب.

    ثم أشار المؤلف إلى الشعراء الذين اندثرت أشعارهم من على جدران الحمراء مثل السلطان النصرى يوسف الثالث الذى له ديوان شعر منشور، وقد ذكر فيه أنه أعد الكثير من الأشعار المذكورة في الديوان لتنقش على جدران مبانيه، كذلك ذكر وزيره الشاعر ابن فركون أنه أعد بعض الأشعار لتنقش على جدران يوسف الثالث بالحمراء، وقد نشر ديوانه الدكتور محمد بن شريفة. وذكر المؤلف أن نقوش الأشعار المسجلة على جدران الحمراء تتوزع في مواضع متعددة فهي تمتد في أفاريز متعددة الأشكال داخل القاعات وخارجها وعلى الواجهات والأبواب والنافورات وتتخذ شكل أفاريز طولية وعرضية أو داخل دوائر مفصصة تنحصر داخل إطارات مربعة الشكل تمتد في مساحات واسعة متناظرة ومتماثلة وتدور على جدران القاعات بحيث لا يخلو جزء من الجدران من النقوش الشعرية ومن التوريقات النباتية والزخارف الهندسية متعددة الأشكال والأنواع.

    وفى الفصل الثانى درس المؤلف الخصائص الفنية للنقوش الكتابية في الأندلس وتطورها حتى عصر بنى نصر، وبدأ بالحديث عن أهمية الخط العربي وانتشاره في الأندلس، مشيراً إلى صناعة الخط والمشتغلين به من النقاشين والخطاطين مع ذكر أمثلة من أشهر الخطاطين التي وردت في المصادر العربية مع بيان أسباب تماسك أهل الأندلس بالخط الكوفي دون غيره من الخطوط لفترة طويلة، ثم أوضح المؤلف أهمية النقوش الكتابية في الآثار الإسلامية بوجه عام بوصفها وثائق ومستندات لا يرقى إليها الشك، وكذلك بوصفها عنصراً زخرفياً يدخل في نطاق المقومات الرئيسية لفنون الزخرفة الإسلامية، ثم تتبع مراحل التطور التي مر بها الخطان الكوفى والنسخى قبل قيام دولة بنى نصر من خلال النقوش التذكارية والتأسيسية وشواهد القبور إلى أن وصل الخط العربي إلى مراحله النهائية من الاتقان والتجويد في عصر بني نصر، ثم اختتم هذا الفصل بالمواد الخام المستخدمة في تنفيذ النقوش الكتابية التي ازدانت بها قصور الحمراء من حجر ورخام وجص وزليخ مع بيان مدى توفرها في الأندلس وتوضيح الطرق المستخدمة فى إعداد النقوش وتنفيذها من حجر ونقش وصب فى قواب.

    وفي الفصل الثالث قدم المؤلف دراسة وصفية للنقوش الكتابية التي تزدان بها قاعات الحمراء وأبهاؤها وأبراجها موضحاً الأماكن التي تتركز فيها النقوش وتصحيح الأخطاء في القراءات التي اشتملت عليها العديد من المراجع، واعتمد في ذلك على الدراسة العملية التي أجراها في قصور الحمراء، وعلى الصور التوضيحية التي قام هو بتصويرها للنقوش الكتابية بقاعات الحمراء أثناء تواجده فى غرناطة، واستخدم هنا منهج المعاينة في دراسة التاريخ، وتتبع المؤلف كل ما ورد عن هذه النقوش في المصادر العربية والمغربية والأندلسية المعاصرة والمتأخرة وخصوصاً المصادر الأدبية والتاريخية بالإضافة إلى ديوان ابن الجياب، وديوان ابن الخطيب، وديوان ابن زمرك، وهي مصادر عظيمة الفائدة لمعرفة القراءات الصحيحة للنقوش، ومعرفة النقوش الأصلية التي أزالتها أعمال التشويه والترميم العشوائي في القرون الماضية، ومعظم هذه الأشعار تحتوى على أوصاف دقيقة للقاعات وما تتضمنه من زخارف وزليخ وعناصر معمارية.

     وفي الفصل الرابع الذي أفرده المؤلف لدراسة الخصائص الفنية للنقوش الكوفية التي تزين قصور الحمراء مع بيان ملامح تطورها وأنواعها ومعظمها بالخط الكوفى المضفر أو المترابط التي تتميز حروفه بتشابكها وتداخلها واتخاذها صوراً زخرفية متنوعة، فبعضها يمثل عقوداً مفصصة وأخرى أشكالاً هندسية متنوعة تشهد بطواعية هذا الخط وقدرات الفنان الغرناطي فى عصر بني نصر على التنوع والتشكيل في صور وأشكال الحروف، وقارن بين هذا النمط من الخط الكوفي الزخرفي في الأندلس وبين نماذج من المشرق الإسلامي، واتبع المؤلف في دراسة النقوش الكوفية منهجاً يقوم على التحليل الدقيق صور الحروف وأشكالها، واستخدم لذلك مجموعة من الصور والأشكال توضح ملامح تطور كل حرف.

    وفي الفصل الخامس من هذه الدراسة الفريدة خصصه المؤلف لدراسة الخصائص الفنية للنقوش المسجلة بالخطوط اللينة النسخ والثلث، وقد أوضح في هذا الفصل الأسباب التي جعلت تطور الخط اللين يظهر متأخرأً عن المشرق بفترة طويلة، ثم أوضح أشكال الخط الثلث في قصور الحمراء وملامحه ومظاهر تطوره، وقد درس أجمل الأمثله التي تزين القصور، وأجرى عليها دراسة تحليلية، كما أعد لها ولأشكالها صوراً ورسوماً توضيحية في مواقعها المختلفة مع تحليل أشكال الحروف وأوصافها على غرار ما ورد فى المصادر العربية المتخصصة في الخط العربي مثل: “صبح الأعشى”، و”تحفة أولى الألباب فى صناعة الخط والكتاب” لابن الصائغ، وجامع محاسن كتابة الكتاب” للطيبى.

     وخصص الفصل السادس لدراسة مضمون النقوش الكتابية مع دراسة لشعار (ولا غالب إلا الله) مشيراً إلى الدوافع السياسية التي دعت إلى اتخاذ هذا الشعار والمعنى الرمزي لحروفه، بالإضافة إلى مضمون النقوش الأخرى وهى لا تخرج عن عبارات دعائية، ومدائح وأخرى وصفية للقاعات والقصور بالإضافة إلى آيات من القرآن الكريم وبعض العبارات الدينية وكلمات الأمنيات الطيبة. ثم تحدث المؤلف عن الألقاب الواردة فى النقوش مثل: “أمير المسلمين” الذي تلقب به سلاطين بنى نصر وبنى مرين، ولقب “مولانا”، الذي ذاع فى المشرق واستعمل بكثرة في العصر العباسي، وقد وجد منقوشاً على العديد من الكتابات الأثرية وشواهد القبور التي إلى تعود لعصر بنى نصر وقد سبق هذا اللقب أسماء معظم سلاطين بني الأحمر فنشهده في منشآت يوسف الأول في باب الشريعة وقاعة السفراء وبرج الأسيرة وفي منشآت محمد الخامس في نقوش بهو الريحان وبهو الأسود وقاعة الأختين.

   ثم تحدث عن لقب “المجاهد”، ولقب “السلطان”، وكذلك ألقاب “الملك”، و”المؤيد”، و”الغنى بالله”، و”المستعين بالله” …مقارناً بينها وبين الألقاب التي سبقت عصر بني نصر، والألقاب والشعارات التي انتشرت في المشرق، واختتم هذا الفصل بدراسة وصفية للعناصر الزخرفية المرتبطة بالنقوش، وتشمل زخارف نباتية وهندسية ارتبطت في معظم الأحيان بالنقوش الكتابية مع توضيح القيمة الفنية والجمالية للنقوش الكتابية التي تزين جدران الحمراء، ثم ذيل المؤلف هذا السياحة الفريدة في هذه الموسوعة بخاتمة ضمنها أهم النتائج التي توصل إليها. وكذلك ملخص لها باللغة الأسبانية في حوالى 30 صفحة …

  هذا وقد زود المؤلف موسوعته هذه بمجموعة من اللوحات والصور والأشكال التوضيحية معظمها ينشر لأول مرة في هذا البحث علما بأنه قد صور النقوش بنفسه أثناء تواجده في غرناطة، وهذه اللوحات كانت الركيزة الأساسية التي اعتمد عليها في هذه الدراسة الأثرية للكتابات المنقوشة على جدران الحمراء ونافوراتها..

ــــــــــــــــــــــــ

 (*) كاتب صحفى مصرى متخصص فى الدراسات التاريخية والأدبية.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الكاتب الصحفي الأستاذ أبو الحسن الجمال

    تحياتى ، وأشكركم على عرضكم الوافى والمتميز والشيق لموسوعة ” قصور الحمراء .. ديوان العمارة والنقوش العربية ” ، المنشور فى ” رأى الْيَوْمَ ” بتاريخ ٢٠١٨/٩/٢٣ . وأود هنا أن أشير الى ما ورد فى تعريفكم بالمؤلف الاستاذ الدكتور محمد عبد المنعم الجمل ، بأنه ” ينتمى الى مدرسةجامعةالاسكندرية التاريخية العريقة التى أنجبت العديد من الاعلام ، منهم الاستاذ عبد الحميد بك العبادى ، و……” . ولعلى لا أكون مخطئا اذا قلت ان من الأصوب ان نقول إن عبد الحميد العبادى هو الذى أنجب المدرسة التاريخية العريقة فى جامعة الاسكندرية وفى غيرها من الجامعات والمعاهد إلعليا التى درس بها ، وليس العكس . ذلك أنه عند انشاء جامعة الاسكندرية عام ١٩٤٢ ، عين عبد الحميد العبادى عميدا لكلية الآداب بها ورئيسا لقسم التاريخ واستاذا للتاريخ الإسلامى بها . وقد استمرت عمادته لها تسع سنوات ، بما يعنى انه مؤسس هذه الكلية واحد مؤسسى جامعة الاسكندرية . وقبل ذلك كان عبد الحميد العبادى أستاذا للتاريخ الإسلامى بجامعة القاهرة منذ إنشائها عام ١٩٢٥ . أى انه أيضا من مؤسسى كلية اداب القاهرة منذ إنشائها . كما كان قبل ذلك أستاذا للتاريخ الإسلامى فى مدرسة القضاء الشرعى منذ عام ١٩١٧. كذلك درس العبادى أيضا التاريخ الإسلامى فى كل من كلية دار العلوم ، والازهر ، وكلية المعلمين العالية ببغداد ، وجامعة عين شمس ، ومعهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية. وتخرج على يديه العديد من كبار المؤرخين ومن أعلام الفكر فى مصر وفى غير مصر .
    فإذا سمحت لنفسى بان أقول ان عبد الحميد العبادى هو رائد المدرسة التاريخية العريقة فى جامعة الاسكندرية وفى غيرها ، فأنا لا ابالغ . فبشهادة تلاميذه من كبار المؤرخين ( من طبقة د. جمال الدين الشيال ، ود . محمد عبد الهادى شعيرة وغيرهم ) ، فان العبادى هو صاحب الفضل الأكبر فى نقل دراسة التاريخ الإسلامى والارتقاء بها من الأسلوب التقليدى الى المنهج العلمى الحديث .
    هذا ومن المعروف ان عبد الحميد العبادى ينتمى لجيل حركة الإحياء والتنوير فى مصر فى النصف الاول من القرن العشرين . ولعلى أضيف أيضا ان المؤرخين فى مصر كانوا يلقبونه ” بشيخ المؤرخين ‘ . اما فى سوريا ، فقد سمعت ان المؤرخين هناك كانوا يطلقون عليه لقب ” ابو التاريخ الإسلامى ” .
    رجاء التكرم بالنشر ، ولكم جزيل الشكر .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here