قصائد “شاعر المليون”: الشاعر العُماني حسن علي المعمري يتأهل للمرحلة القادمة

أبو ظبي: عدنان حسين أحمد

انطلقت وقائع الحلقة السادسة من مسابقة الشعر النبطي لـ “شاعر المليون” في موسمه الثامن على خشبة مسرح “شاطئ الراحة” حيث احتدمت المنافسة بين ستة شعراء وهم على التوالي ياسر الزلَباني من الأردن، حسن علي المعمري من سلطنة عُمان، حمد الجودان العازمي من الكويت، راشد بن قطيما وعكّاش العتيبي من السعودية، وسالم بن كدح الراشدي من الإمارات. وقد جمعت قصائدهم بين الموضوعات الوطنية، والحُب العذري، والتأمل في فلسفة الحياة والموت، إضافة إلى ثيمات تنطلق من الذات إلى الموضوع لتُعبِّر عن هواجسهم الداخلية، ونظرتهم العميقة إلى الحياة في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها الأمة العربية. وقد تمّ نقل هذه المنافسة الشعرية نقلاً حيًا عبر قناتي بينونة والإمارات كي تتيحا لأكبر قدر ممكن من المُشاهدين العرب متابعة هذه المسابقة الشعرية الأولى من نوعها في الوطن العربي والتي تُعنى بالشعر النبطي على وجه التحديد. يعتمد تأهيل الشاعر الفائز على كسب بطاقة لجنة التحكيم مباشرة أو على تصويت الجمهور في تكريس واضح للثقافة الديمقراطية التي تحترم رأي الجمهور وتمنحة الفرصة لأن يرشّح الأسماء الشعرية التي يعتقد أنها تستحق الفوز عن جدارة لأنها تداعب مشاعره وأحاسيسه الداخلية العميقة. وقد أحرز الشاعر العُماني بطاقة التأهل التي منحتها لجنة التحكيم الممثَلة بالدكتور غسان الحسن، والناقد سلطان العميمي، والشاعر حمد السعيد. أما بقية الشعراء الخمسة فعليهم الانتظار كي تظهر نتيجة تصويت الجمهور في الأسبوع القادم مع بدء الحلقة السابعة. وفيما يلي قراءة نقدية للقصائد الست المتنافسة.

تعالق نصّي

استهل الشاعر الأردني ياسر الزلَباني الحلقة السادسة من مسابقة “شاعر المليون” بقصيدة “زايرة ليلي” التي استوحى بعض أفكارها، وصورها الشعرية من قصيدة “الحمّى” للمتنبّي، وقد ذهب الناقد د. غسان الحسن إلى أبعد من الاستيحاء، وقال بأنّ هناك تناصًا مع قصيدة المتنبي، وأورد ثلاثة أبيات لا غُبار على تعالقها مع ثلاثة أبيات للمتنبي، وقد أيّده في ذلك الناقدان سلطان العميمي وحمد السعيد. وقبل البدء بتحليل قصيدة “زايرة ليلي” لابد من الإشارة إلى أنّ ثيمتها عاطفية وذات صلة مباشرة بالحُب العذري، أما قصيدة “الحمّى” للمتنبي فتتمحور حول عِلّة أو عارض صحي يصحبه ارتفاع في درجة حرارة الجسم لكن الشاعر شبّه هذه الحمّى بفتاة خجولة لا تأتي إلاّ بعد حلول الظلام خشية من أعين الرقباء. لم ينكر الزلَباني هذا التناص الذي أشار إليه غسان الحسن، بل تبيّن لنا أن يعرف قصيدة “الحمّى” ويحفظ بعض أبياتها. ومن خلال قراءتي لكلا القصيدتين اتضح لي بالدليل القاطع أن هناك “تعالقًا نصيًا” أفاد منه الشاعر لينسج صوره الشعرية على غرار صور المتنبي مُركِّزًا على مشاعره الداخلية التي تنتابه في أثناء قدوم زائرة ليله. يمكن للقارئ أو السامع أن يلتقط بسهولة هذا التعالق بين عبارة “زائرة ليلي” سواء في العنوان أو في البيت الخامس من قصيدة الزلَباني وبين البيت الآتي للمتنبي الذي يقول فيه: “وَزائِرَتـي كَـأَنَّ بِهـا حَـيـاءً / فَلَيـسَ تَـزورُ إِلّا فـي الظَـلامِ”. أما التعالق الثاني فيتعلق بالضيق النفسي الذي يعاني منه الشاعر بسبب مآلات الحُب وعذاباته في بيئة تضيّق عليه الخناق دائمًا حيث يقول:” ضاكَت صدور المباني واشتكى لي طوبها /  واختنق كل الفضا من هالكَلوب السارحه”. لعل أجمل ما في هذا البيت هو أنسنة المباني التي أصبحت بفعل هذا التشبيه المجازي العذب تمتلك قلوبًا مُرهفة بدأت تضيق بالعُذال والمتربّصين، وأكثر من ذلك فإن أحجار البناء بدأت تشتكي أيضَا لتعزّز فكرة القلوب الضيقة التي أشرنا إليها سلفًا. أما المتنبّي فقد قال:”  يضيق الجلد عن نفسي وعنها / فتُوسعه بأنواع السقامِ” ويبدو أنّ الزلَباني قد امتحّ صورته الشعرية من فكرة “ضيق الجلد” وتعالق معها ليجترح صورته الخاصة التي تُحيل إلى المتنبي لكنها تختلف في التفاصيل. أما التناص الأخير من وجهة د. الحسن فقد حصره بصدر البيت الآتي الذي يقول فيه الزلَباني:” من وفاها  ما توخر عن وعد محبوبها  /  كل ليل مع كفوفها والخناجر جارحه” فهي وفية ولا تتأخر عن المواعيد التي تضربها له على الرغم من المخاطر المُحدقة بالعشّاق والمحبّين.

أما الناقد الإماراتي سلطان العميمي الذي أكدّ على وجود التناص لكنه يعتقد بأن الزلَباني قد ذهب إلى أطراف أخرى من الصراع مع تلك الزائرة من بينها صراع الليل والنهار، الظلمة والنور، ورؤية المشهد برمته من منظور سينمائي يُفاقم هذا الصراع، ويزيد من حدّته. يعتقد العميمي بأن هذه القصيدة تنطوي على قدر كبير من الإبداع، وأعرب عن إعجابه باللباس المجازي المتمثل بالصياغات الشعرية الموفّقة مثل “خيوط الشمس، ثوب المدينة، جلباب الظلام” وما إلى ذلك.

فيما اعتبر الناقد الكويتي حمد السعيد بأن الشاعر ياسر الزلَباني أحد أهم شعراء الأردن الذين يكتبون الشعر النبطي، فلاغرابة أن يقدّم لنا هذا النص المحكم الذي تعالقَ فيه مع قصيدة المتنبّي، وركزّ فيها على فكرة الضيق النفسي وتمنى لو أن الشاعر قد أحاط متلقّيه بأسباب هذا الكرب النفسي شعرًا عندها سيكون النص أقوى مراسًا، وأكثر إقناعًا لكن الشاعر فضّل لُعبة النص المفتوح الذي يتيح للمتلقي أن يملأ الفراغات على وفق مخيلته التي تُكمل ما يظنهُ البعض ناقصًا أو ضبابيًا أو عصيًا على التأويل. ويرى السعيد أيضًا بأن قصيدة “زايرة ليلي” تُذكِّره بقصيد “عْصير” للشاعر القطري محمد بن فطيس المرّي حامل لقب “شاعر المليون” لعام 2007 حيث تناول ثيمة الضيق والاختناق النفسيين اللذين ينتابان الشاعر في بعض الأحايين.

قصيدة مُبهرة

تأهل الشاعر العُماني حسن علي المعمري بسبب جمالية القصيدة التي قرأها وكانت بعنوان “الفجر الأخير” وقد أجمع النقاد الثلاثة على أهمية الجوانب الفنية التي يتوفر عليها هذا النص الشعري الذي استحضر الشاعر من خلاله صورة النبي يوسف الذي أسقطه أخوته في غيابة الجُب. تُصوِّر هذه القصيدة علاقة الابن بوالده، وكيف يقتدي به، ويتعلّم منه منظومة القيم الأخلاقية التي تُعينه على مواصلة الحياة، وتساعده على تحمّل أعبائها ومشقاتها. لم يُخفِ العميمي إعجابه ببناء القصيدة وانتقالات الشاعر من حالة أخرى رغم طغيان مسحة الحزن على النص الشعري.

 أما الناقد حمد السعيد فقد لفت الانتباه إلى عجز البيت الآتي الذي اعتبره أجمل ما في القصيدة حيث يقول الشاعر: “ما كنت أظن الموت يلوي ساق ويهدّ الشجاع/ والنجم ما كنت أحسبه يفنى على كف السرير” وهو محقٌ في ذلك فإذا كان صدر البيت يتمحور على فكرة الموت بوصفه قاطعًا للأنساب، ومشتتًا للأحباب فإن عجز البيت يشير إلى فلسفة الفناء التي لا تتجاوز أحدًا لأنها تشمل الجميع بما فيها النجوم والكواكب التي تتساقط ذات يوم وتتحول إلى حجارة ميتة منطفأة. كما أُعجب السعيد بأبيات أخر نذكر منها البيت الآتي الذي يقول فيه الشاعر:” يا بوي فيني عيش دام إني تكَدّيتك طباع/ أنا هنا بسمك أفلّ جناحي الأشقر وأطير” ولاغرابة في ذلك لأنه اقتدى بوالده، واتخذ منه أنموذجًا يُحتذى به. فيما لفت الدكتور غسان الحسن انتباه الحاضرين إلى محاور عدة لعلها تبدأ بانتقاء المعجم اللفظي، وحلاوة الكلمات، ثم جمال الصورة الشعرية التي اجترحها الشاعر في معظم الأبيات قبل أن ينتقل إلى الموضوع الرئيس الذي تعالجه القصيدة وهو علاقه الولد بأبيه التي صاغها الشاعر بشكل فني يؤكد على موهبته الشعرية، وبراعته في خلق الصور الجديدة التي تُدهش السامع، وتهزّه طربًا كما اهتزّ الناقد نفسه وهو يقرأ النص ويستمتع به. أشار الحسن إلى جمالية البناء المعماري لهذه القصيدة حيث يتنقل الشاعر من موضوع إلى آخر دون أن يقع في فخ التكرار. وقد ذكر أكثر من مثال على انتقاله السلس من موضوع يزخر بالكلمات العنيفة إلى موضوع آخر مليء بالرقة والرهافة بعد أن أوحى الشاعر لمتلقيه بأن والده كان بحّارًا أو أنه زجّنا في هذه الصورة التي تَعلّم منها الجدية والاتقان في العمل. ويمكن أن نضيف في هذا الصدد أن الشاعر العُماني حسن المعمري هو مبدعٌ مجوّد في شعره، ولا يقرب الصور الشعرية المُستهلكة التي استنفدت دهشتها، وقدرتها على الإبهار. ولو تمعنّا في النص الشعري برمته لوجدناه فصيحًا أو أقرب إلى الفصحى من بقية القصائد الخمس التي شنّفت سمع الجمهور في “شاطئ الراحة”، بل أن عنوانها فصيح مئة بالمئة وهو “الفجر الجديد” ولو أعمل الشاعر بعض التعديلات في قصيدته لتحول بسهولة إلى نص شعري فصيح ينتمي إلى النمط الكلاسيكي الرصين الذي لما يزل يحتفظ بجمهور واسع في عالمنا العربي والإسلامي على وجه التحديد.

صور سريالية

لم يختلف الشاعر الكويتي حمد الجودان العازمي عن أقرانه الذين سبقوه في ذاتيته ونفَسه الرومانسي ولكنه خلق عالمًا خاصًا به أثثه باللغة والمشاعر الإنسانية الجيّاشة حيث استهل قصيدته بالبيت الشعري الذي يبرز أهمية اللغة حيث يقول:” فكّيت للحرف باب وفك في الجو باب /  ما عادت الأرض لحروف المشاعر رحوب” وقد اعتبر الناقد حمد السعيد هذا المدخل مناسبًا جدًا لهذه المسابقة الشعرية التي تحتل فيها قوة الكلمات، وجمالية الصور الشعرية، وفرادة الصياغات الجديدة التي لم تُجترح من قبل مكانة مهمة تُؤخذ دائمًا بنظر الاعتبار. ثمة أمكنة أخرى ما بين الأرض والسماء هي التي اختارها الشاعر العازمي بعد أن تحولت المدينة إلى حطب وأهلها إلى ألسنة نيران حيث قال:” تعانق البرق ما بين السما والتراب/ هبّ الهوا من شمال وضم غيم الجنوب”، ثم يمضي السعيد في إعجابه ببقية أبيات القصيدة القادرة على جذب المتلقين وإيقاعهم في دائرة الدهشة.

توقف الناقد غسان الحسن عند الخيال الشعري الذي استقاه العازمي من مشارب متعددة، وأشار إلى أن النصف الثاني من هذه القصيدة مكتوب أصلاً عن المسابقة واستدل على ذلك من البيت الشعري الذي يقول فيه الشاعر “والفرصة اللي تمر سنين مثل السراب/ صافحتها من غلا وأكرمتها من وجوب” وكأن كل السنوات التي مرّت سابقًا كانت محض سراب.  ومن الأبيات الأخر التي جذبت انتباه الناقد نذكر البيت الآتي الذي يقول فيه:” تشوفني فارس لافرّعت لا يهاب/ وأشوفها توبة تغسل جميع الذنوب”. وتجدر الإشارة إلى ملحوظة غسان الحسن المتعلقة بتراسل الشاعر مع سيرة أبي زيد الهلالي التي يمكن أن نتلمّسها في هذا البيت الشعري الذي يقول فيه:”إن طحت من دونها قد طاح قبلي ذياب/ وإن جيت في صفّها فاسمي يسد وينوب”.

أكدّ سلطان العميمي على أهمية بناء هذا النص الشعري الذي يتوفر، من وجهة نظرة، على صور شعرية سريالية نذكر منها الشطر الآتي الذي يقول فيه: “وعلقت نفسي على الآمال من كل صوب”. ثم ركزّ العميمي على تدرّجات القصيدة التي بدأت مع الحرف، ثم انتقلت إلى المشاعر قبل أن ترسو في خاتمة المطاف على متن القصيدة وجوهرها. لا يخلو حديث العميمي من ملحوظات سلبية فالوقت بين الشفق والغروب لا يدلّ على السرعة، وتقدير الزمن بينهما يظل نسبيًا في البيت الآتي:”حجم المسافات ما بين الخطا والصواب/ أقصر من الوقت ما بين الشفق والغروب”.

السهل الممتنع

لا تخلو القصيدة التي ألقاها الشاعر السعودي راشد بن قطيما من رمزية ميسّرة يستطع القارئ أو السامع أن يفكّ مجازها ودلالاتها اللغوية التي تتمحور على واقعنا العربي الراهن وما يمرّ به من أزمات حادة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذكرَ الحسن بأن الرمز اللغوي يتمثل في كلمة “مطر” التي تتقارب مع مفردة أخرى وهي “سجّيل” التي يرميها طير أبابيل. ومن الملحوظات الأخر التي أغنت هذا النص الشعري وأثْرته هو استحضار شخصيتين من التاريخ الإسلامي اللتين ظهرتا خلال حروب الردّة وهما سِجاح ومُسيلمة الكذّاب وقد وظّفهما الشاعر بطريقة محترفة جدًا منحت النص مستويات متعددة جعلته يترجّح بين الحقيقة والخيال. تأتي أهمية هذا القصيدة من موضوعها السياسي الراهن الذي يحيلنا مباشرة إلى حرب التحالف العربي والإسلامي من أجل إعادة الشرعية في اليمن. وقد كان إيقاع القصيدة جميلاً، ومموسقًا، وخفيفًا على آذان السامعين.

فيما ذهب الناقد سلطان العميمي إلى حضور الشاعر راشد بن قطيما وتفاعله مع القصيدة وبدت الأبيات الشعرية وكأنها منبجسة من قلبه وأعماقه مُحققًا بذلك نوعًا من التوازن الجميل بين الشعر  والثيمة التي يعالجها ويتعاطى معها بالرمز تارة وبالواقع تارة أخرى. نوّه العميمي إلى أهمية استعمال الشاعر للمحسِّنات البديعية من طباق وجناس ناقص مؤكدًا على البيت الشعري المهم الذي أنهى به الشاعر قصيدته حينما قال:”دون حدّ البيت ياسارق آل الرسول / كلنا سجّيل أبابيل دون أم القرى”، كما أشار إلى توظيف الشاعر لشخصية ثالثة لم يذكرها الناقد غسان الحسن وهي أبرهة الحبشي الذي حضر بطريقة غير مباشرة لكن حضورة يتضح جيدًا إذا ما تأمل القارئ الصور الشعرية التي تُترى على مدار النص الشعري.

أما الناقد حمد السعيد فاعتبر النص جزلاً وينتمي إلى مدرسة السهل الممتنع الذي يصعب مجاراته وتقليده لأنه ينطوي على البساطة والعمق في آنٍ معًا. كما أشار إلى تدرّج الموضوع الذي هيأ المتلقي لتتبّعه منذ مستهل القصيدة حتى نهايتها. وأشاد السعيد بدور الشاعر في الدفاع عن بلده ومقدساته ووطنه فلاغرابة أن تأتي القصيدة سلسة، ومنسابة استطاع الجمهور أن يتفاعل مع صورها الشعرية التي داعبت الهاجس الوطني لدى المتلقين جميعًا وجعلتهم يستمتعون بهذا النص الشعري الجميل الذي لا يخلو من السخرية اللاذعة أيضًا.

الثيمة السياسية

لم يغادر الشاعر الخامس وهو الإماراتي سالم بن كدح الراشدي فضاء السياسة وإنما ظل يدور في فلكها مُمجدًا الشيخ حمدان بن زايد وذياب بن محمد اللذين قاتلا في سوح الوغى وكانا أنموذجين للتضحية والفداء من أجل الوطن، ومن أجل عودة الشرعية إلى اليمن الذي تطاولت عليه الأذرع الإيرانية المتمثلة بالعصابات الحوثية التي تنفذ الأجندة الفارسية في الخليج والعالم العربي. ووصف العميمي هذه القصيدة بالتقليدية لكنها تنتمي إلى السهل الممتنع أيضًا لما فيها من التماعات ودلالات وطنية.

أما الناقد حمد السعيد فقد أشاد بحضور الشاعر المتميز، وبوعيه الحادّ، وموضوع قصيدته الذي يمثل الواقع العربي الراهن. وقد أعرب عن إعجابه ببعض الأبيات الشعرية مثل “يدور الوقت وعجاف الليالي تطحن الأيام/ مثل ما تنطحن حَب الرحا فردي وملتمّه” وأثنى على القصائد التي تحفِّز المواطنين العرب للدفاع عن أوطانهم في الخليج وفي عموم العالم العربي.

فيما توقف الدكتور غسان الحسن عند موضوع الساعة وانتقد الشاعر على بعض الاستعمالات غير الموفقة مثل “يا تاريخ العرب نام وتهنّى” فالتاريخ العربي نائم أصلاً وعليه أن يخاطب الواقع بدلاً عنه. وكذلك الأمر فيما يتعلق بلغة الضاد حيث قال: “توارى ليلك وأسفر صباح الضاد والإسلام” فالمشكلة كما يرى الناقد في العرب أنفسهم، وليس في لغة الضاد. كما لم يستسغ الحسن الانتقال غير السلس في الحديث عن أبو ظبي الذي أحدث شرخًا في بناء القصيدة، وأربكَ معمارها الفني.

توظيف العرضات التراثية

ومثل الشاعرين السابقين راشد وسالم ظل الشاعر السعودي عكّاش العتيبي يدور في موضوع الساعة لكن الناقد الحسن يرى أن نصّ العتيبي ظل يترجح بين المباشرة والشاعرية، فالأولى أضعفت القصيدة لأنها ليست من الشعر في شيء، وقد أورد البيت التالي لتأكيد صحة ما يذهب إليه حينما يقول: “جيتكم مديون والدين محصى ومحسوب/ من شهادات ووطن من قبيلة وأقربا”، لكنه تألق في أبيات أخرى، وبلغ حدًا عاليًا من الشاعرية، والعمق، والبلاغة اللغوية كما في البيت الآتي الذي يقول فيه:”الخيانة غاية الكذب وقيود الدروب/ اللسان اليا عثر والحصان اليا كبا”. وفي الختام أبدى الناقد إعجابه الشديد “بقدرة الشاعر على توظيف العرضات والجولات والعزمات التراثية المرتبطة بالحماسة”.

فيما انتقد العميمي الشاعر على افراطه في استعمال الصياغات الجاهزة، وقال كلما قلّل الشاعر من استعمال هذه القوالب الجاهزة ارتفعت شاعريته. ومثلما أعرب عن إعجابه بمستهل القصيدة أشاد بخاتمتها أيضًا لما تتوفر عليه من جمال، وعمق، وبراعة فنية.

جدير ذكره أن الشعر النبطي يتواجد في دول الخليج العربي كلها إضافة إلى الأردن والمنطقة الغربية من العراق. وقد أحدثت مسابقة شاعر المليون حراكًا واضحًا في هذا النمط الشعري الذي يتابعه الملايين من أبناء أمتنا العربية وقد أفرزت أسماءً ومواهب شعرية عديدة ما كان لها أن تُعرف لولا هذه المنافسة التي استمرت على مدى ثمانية مواسم متتالية، ولعل أجمل ما في هذه المواسم أنها أفرزت شاعرات نبطيات مهمات أمثال زينب البلوشي التي مجدت الأبطال والشهداء في مستهل الحلقة السادسة، وهناك العشرات من الشاعرات النبطيات اللواتي وجدن طريقهن إلى الشهرة والذيوع بفضل هذه المسابقة الشعرية التي تشحذ المخيلة، وتستفز الأذهان.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here