“قرية أهالي الأسرى” وسط بيروت ..المصيبة تجمع‎

bc8b2010-1c64-4860-b24e-5301f64e8f3c

بيروت/ خديجة العمري/ الأناضول

تحولت “ساحة رياض الصلح” في وسط بيروت إلى “قرية صغيرة” تمثّل لبنان بمصائبه وتعقيداته الأمنية والسياسية والطائفية، بعدما نصب فيها أهالي العسكريين اللبنانيين الأسرى لدى كل من تنظيمي “النصرة” و”داعش” منذ أغسطس/ آب الماضي خيامهم على بعد أمتار من مقر الحكومة للضغط على السلطات لتأمين عودة أبنائهم سالمين.
الملفت أن هؤلاء الآتين من كل مناطق لبنان وطوائفه، شيعة وسنة ودروز ومسيحيين، باتوا يشكلون عائلة كبيرة تجمعهم “المصيبة” من دون أن ينعكس قلقهم على فلذات أكبادهم المهددين بالقتل في كل لحظة، عنفا في تحركهم أو طائفية في تصريحاتهم لوسائل الإعلام التي حولتهم إلى قوتها اليومي في نشراتها المسائية.
يجتمع اهالي العسكريين الاسرى، الذين بدأوا اعتصاما مفتوحا منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتقت “الأناضول” بعضهم، على طاولة واحدة نصبوها على الرصيف حول ركوة القهوة الصباحية التي تعدها عادة آمنة زكريا، والدة العسكري الاسير لدى “داعش” حسين عمار من منطقة عكار شمال لبنان.
ويبدأ اليوم بتبادل آخر المعلومات حول مستجدات قضية أولادهم الأسرى ليناقشوا الخطوات التالية، وإذا حضر أي مسؤول سياسي لتفقد أحوالهم، تراهم يتحلقون حوله ليسألونه بحرقة “هل من أخبار مبشّرة عن أولادنا؟” و”هل من ايجابية جديدة في الملف؟”، فيعودون بخيبة من أجوبة مكررة لا تشي بأي لقاء قريب مع الأحبة.
“فرقنا السياسيون، وجمعتنا المصيبة”، هكذا يختصر أحد الأهالي المعتصمين واقع حالهم، لافتا إلى الألفة التي تكرست بينهم لأن مصيبتهم “أكبر بكثير من أي حسابات فئوية ضيقة”.
ينعكس ذلك جليّا في صور الأسرى المعلقة على كل الخيم دون تمييز. كل عائلة لديها خيمتها الخاصة، لكن الصور المرفوعة عليها لا تقتصر على ابنها الأسير بل تتضمن صور زملاءه الأسرى الأخرين على اختلاف طوائفهم.
أهالي الأسرى أصبحوا اليوم “أكثر من عائلة”، بحسب آمنة، والدة العسكري الأسير حسين عمار. فهي تشتاق لـ”جيرانها الجدد” كلما اضطرت لعودة إلى بلدتها في شمال لبنان للإطمئنان على زوجها وأولادها الست.
في مكان الاعتصام، هم يتشاركون الخبز والطعام وحتى وسائل التنظيف، كما تروي آمنة المصرة على أن “الشعب اللبناني يريد العيش بسلام وما يحكى عن حرب سنية شيعية غير صحيح…نحن كأهالي ليس بيننا أي بغض أو حقد”.
ويشاركها الرأى أهالي الأسرى الأخرين، الذين شددوا على أن حدة الخطابات السياسية والمذهبية أحيانا بين الفرقاء السياسيين، لم تنعكس عليهم، وهم المنتمون لمختلف الطوائف والاتجاهات السياسية، لأن قضيتهم الإنسانية “كسرت كل حواجز الاختلاف”.
ويختصر الشيخ عمر حيدر، مسؤول العلاقات العامة في لجنة متابعة قضية العسكريين المخطوفين، المشهد اليومي والتضامن بين أهالي الاسرى، بالقول إن مكان اعتصامهم تحول إلى ما يشبه “القرية الصغيرة”.
وروى حيدر خلال حديثه مع “الأناضول”، كيف أن الأهالي هبوا لنجدة وإسعاف والدة العسكري الأسير خالد حسن، من بلدة فنيدق في عكار شمال لبنان والمحتجز لدى “داعش”، عندما حاولت أن تضرم النار في نفسها أواخر الشهر الماضي. وقال “الكل قدم المساعدة من دون السؤال عن طائفتها …. هذا مثال وعلى السياسيين اللبنانيين أن يشعروا بالخجل ازاء الرقي الذي يتصرف به الأهالي”.
وكانت والدة حسن حاولت إضرام النار بجسدها بسبب تعثر المفاوضات الخاصة بإطلاق سراح الاسرى، الذين لا تزال جبهة “النصرة” تحتجز17 منهم و”داعش” 7 أخرين منذ المعارك التي خاضها التنظيمان مع الجيش في منطقة عرسال اللبنانية الحدودية أوائل أغسطس/ آب الماضي. وقد اعدم 3 منهم، اثنين ذبحا وثالث بإطلاق النار على رأسه.
وحين تنتهي أزمة العسكريين الأسرى، يؤكد حيدر أن الأهالي لن ينسوا “الدموع التي ذرفناها سويا ولا الخبز والملح الذي أكلناه معا”.
بدوره، قال والد الجندي المخطوف محمد حسين يوسف، من البقاع شرق لبنان، أن “الأمل الذي يبقينا صامدين هو التآلف الذي نعيشه رغم اختلاف طوائفنا وانتمائاتنا السياسية”، مضيفا “نحن نتشارك الطعام، والمحبة التي نعيشها اليوم كانت محجوبة بسبب المواقف السياسية للزعماء”.
وأشار إلى أنه يبكي على أي عسكري مخطوف قد يصيبه أذى “بعيدا عن اسمه أو كنيته”، واصفا علاقة الأهالي بعلاقة “مبدأ” غير قائمة على المصالح.
هذا الأمر شاركه فيه والد الجندي المخطوف علي البزال، الذي روى كيف أن أهالي الأسرى الأخرين عملوا على مواساته طوال الليل يوم تلقى خبر تهديد جبهة “النصرة” بقتل ابنه الأسير لديها وتحديد فجر يوم 27 أكتوبر / تشرين الأول/ الماضي لتنفيذ الاعدام.
وقال “حين أخبرت أن ابني مهدد بالقتل وقف أبو محمد (والد الجندي محمد حسين يوسف) إلى جانبي وبكى معي، وبدا يصبّرني كي لا أنهار…لن انسى له ذلك”.
أما شقيقة الجندي بيار جعجع، فأشارت إلى انها تصلي ليس لشقيقها الأسير فحسب، بل لرفاقه الأخرين فـ”هم جميعهم أخوتي”.
هذا التآخي عززه قيام والد الرقيب في الجيش علي السيد، من منطقة عكار الشمالية ذات الغالبية السنية، وهو كان أول عسكري ذبح على أيدي “داعش”  في 28 اغسطس/ آب الماضي، بزيارة والد الجندي عباس مدلج في مدينة بعلبك ذات الغالبية الشيعية في شرقي لبنان، وهو العسكري الثاني الذي اعدمه “داعش” ذبحا ايضا في 6 أيلول/سبتمبر الماضي، حيث أدى الوالدان المفجوعان الصلاة سويا للتأكيد على “حرمة الدم والعيش المشترك بين اللبنانيين”.
من جانبه، أعرب شقيق أحد الجنود الأسرى الذي رفض الظهور أمام الكاميرا، عن خوفه من أن انتهاء الازمة والاعتصام سيجعل السياسيين يعودون الى بث الخلافات بين الناس، مضيفا “نحن فقراء من قرى محرومة، نجلس (اليوم) مع بعضنا البعض ونتشارك الوجع، لكن الخوف حين تنتهي الأزمة، فنعود إلى بيوتنا وطائفيتنا وكرهنا للاخر لأننا شعب مخدر بالطائفية”.
منذ شهر يعتصم الأهالي من دون تعب ولا كلل وكل همهم أن يحافظوا على تحركهم وهم عائلة واحدة جمعها الأهمال والفقر والمصيبة، ويبقى الخوف من أن لا يتحولوا وأولادهم الأسرى إلى قضية منسية أو مجرد خبرعادي من يوميات الاعلام اللبناني.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here