د. طارق ليساوي: قرار “ترامب” برفع الرسوم الجمركية..  إخلال بأهم مبادئ النظام الاقتصادي العالمي…

د. طارق ليساوي

“إن هذه الكلمة المشبوهة جدا، و الممقوتة جدا، يجب أن يعاد لها اعتبارها، بإعطائها معناها الحقيقي” (ج.دوكاسترو)…

والكلمة التي نعنيها بهذا الاقتباس هي “التجارة الحرة” وما يقابلها من مصطلحات تجارية كالحمائية و الحروب التجارية، وذلك على خلفية الجدل العالمي حول القرار الأمريكي بفرض رسوم جمركية مرتفعة، على عدد من السلع القادمة من الصين والتي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 50مليار دولار، وهو ما حدا بالحكومة الصينية بالرد بالمثل، وفق “مبدأ المعاملة بالمثل”، والذي تجيزه الاتفاقيات و اللوائح المنظمة للتجارة البينية ومن ذلك اتفاقية “الغات” والاتفاقيات المنشئة ل”منظمة التجارة العالمية”…

ومقالنا هذا سيحاول قدر الإمكان مقاربة هذا الموضوع عبر محورين : الأول تطور التجارة الحرة، وتوسعها إلى درجة أنها أصبحت آلية من أليات التنمية و الإقلاع الاقتصادي..وثانيا توظيفها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لتوسيع نفوذها الإقتصادي و السيطرة على الاقتصاديات الناشئة، لكن عندما أصبحت موازين القوة الاقتصادية والتجارية في غير صالحها ، تحاول العودة للحمائية و الحواجز الجمركية وغير الجمركية..

أولا: التجارة الحرة من التنظير إلى التنمية:

شهد العالم في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية،نموا سريعا في التجارة الدولية، فزادت صادرات السلع و الخدمات بين 1950و 1986 بمعدل 10% ، وهي نسبة تفوق نسبة الزيادة في الناتج القومي الإجمالي خلال المدة نفسها، و كنتيجة لذلك،ارتفعت حصة التجارة في النشاط الاقتصادي الكلي، فأصبحت صادرات السلع و الخدمات تحتل مكانة سامقة في الناتج المحلي،في البلدان الصاعدة و المتقدمة على السواء،ارتفعت تلك النسبة خلال العقدين مابين 1960و1980، إذ ارتفعت في الأولى من 10% إلى 20%، وفي الثانية من 16% إلى 27% .

والواقع أن هذا التوسع في حجم التجارة الدولية كان نتيجة حتمية لسلسلة من التدابير و الإجراءات التي اتخذت على المستوى الدولي، واستهدفت تقليص الحواجز الجمركية، في وجه حركة السلع و رؤوس الأموال، وجاءت مناطق التجارة الحرة كثمرة لهذا التوجه، ذلك أن أغلب الدول انخرطت في هذا التوجه التحريري للصادرات و الواردات، عبر التوسع في المناطق الحرة التي تهدف إلى إزالة كافة القيود الجمركية وغير الجمركية على التجارة في السلع و الخدمات ، بغرض رفع حجم التبادل التجاري و رفع معدلات النمو الإقتصادي..أو عبر الاتفاقيات المتعددة الأطراف و التي توجت بإنشاء “منظمة التجارة العالمية”..

فالعالم يعيش على وقع تشابك في الاتفاقيات المنظمة للتجارة الحرة شبهه البعض بوعاء ” معكرونة سباغيتي كبير” حيث تختلط فيه المعكرونة على نحو غير مفهوم و معقد…

وعلى العموم ، فإن المنطلق النظري الذي يحكم هذا التوجه، هو أن “التجارة تجلب التنمية”، ويعني أن الازدهار الاقتصادي يتم عبر استراتيجية التجارة الحرة، وقد دار نقاش واسع خول هذه الفكرة، ابتداءا من نظريات التبادل الحر والامتيازات المقارنة ل “دافيد ريكاردو”، ومقترحات “أليست” في القرن 19، و تصور”آدم سميث”حول أهمية تقسيم العمل ودور التجارة الحرة، وتطور الأمر فيما بعد عبر منظمة ” الغات” و”منظمة التجارة العالمية”…

وفي الوقت الراهن أصبح من المسلم به الانخراط في هذا التوجه التجاري الكوني، فأي دولة مهما بلغت قوتها لن تستطيع العيش بمعزل عما يجري في الساحة الدولية، فالكل يسعى للحصول على حصة في التجارة العالمية،وهذا المتغير جعل من الحجم الكبير يأكل الحجم الصغير، لذلك نرى مزيدا من التكتلات الإقتصادية الكبرى غلى سبيل المثال “الاتحاد الأوروبي” ، ” الأسيان”، “النافتا”..فالدول التي يفوتها قطار التكامل الاقتصادي تعجز عن تحقيق الاقلاع الاقتصادي…

فالدراسات القياسية أوضحت أن التكامل الاقتصادي و تحرير المبادلات التجارية، يترتب عنه زيادة ملموسة في إنتاجية عناصر الإنتاج، وحجم الاستثمار والتجارة البينية، فضلا عن تنوع النشاط الاقتصادي وزيادة معدل نمو الدخل القومي…

و بقدر ما هناك حجح مؤيدة لفعالية التجارة الحرة في النمو الاقتصادي، فهناك بالمقابل دلائل تجعل من التجارة الحرة أداة للتحكم في النمو و إعاقته، لكونه يوجه بعض الدول إلى التخصص في بعض القطاعات الهامشية، بينما دول أخرى _لاسيما المتقدمة إقتصاديا_تتخصص في إنتاج منتجات عالية القيمة، وهو ما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية فرضه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها اليوم تريد الانقلاب على ما أسست له منذ أزيد من نصف قرن، وهذا هو موضوع  المحور الموالي ..

ثانيا: دور الولايات المتحدة في ترسيخ قواعد التجارة الحرة،عبر “الغات” و”منظمة التجارة العالمية”

شهدت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، اختلالا شديدا في النظام العالمي، إذ خرجت معظم دول العالم من الحرب، وهي تعاني من أزمات إقتصادية.ولم يستثني من هذا المصير إلا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تفوقت على بقية دول العالم إقتصاديا، ومال الميزان التجاري مع باقي بلدان المعمورة لصالح واشنطن..وانتشرت في أعقاب ذلك الحروب التجارية،وهو ما هدد بإشاعة الفوضى في الاقتصاد العالمي، لهذا حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين ، إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد يقوم على ثلاثة أضلاع:

استقرار سعر الصرف

حرية انتقال رؤوس الأموال وتوفير مناخ استثمار عالمي

ضمان حرية التجارة الدولية.

و لتحقيق الضلعين الأول و الثاني ، تم إنشاء “صندوق النقد الدولي” و ” البنك الدولي” وهي المنظمات التي تعرف ب “منظمات بريتون وودز″، أما فيما يتعلق بالضلع الثالث و المتعلق بضمان حرية التجارة العالمية، فقد انتقدت سلسلة من المؤتمرات بدأت بمؤتمر “هافانا” عام 1948 إلى مؤتمر “مراكش” 1994 والذي انبثقت عنه “منظمة التجارة العالمية”.

فما يعيشه العالم اليوم من حرية التجارة و العولمة المالية، هو نتاج لتركمات و اتفاقيات يصعب على مقال كهذا حصرها، لكن من المؤكد أن جل الاتفاقيات و المؤتمرات كانت بإرادة أمريكية فقد شهد العالم سلسلة من الجولات و المؤتمرات المتعددة الأطراف منها مؤتمر هافانا 1946 و جولة كينيدي و جولة طوكيو و الأرغواي تم مؤتمر مراكش 1994 الذي أنهى اتفاقية “الغات” لتحل محلها  منظمة التجارة العالمية باعتبارها راعية للتجارة الحرة.

 وترتكز فلسفة “المنظمة العالمية للتجارة” على أن أن التحرير العادل للتجارة العالمية هو السبيل لتحقيق نمو اقتصادي عالمي، يسرع من آلية رفع مستويات المعيشة فب البلدان النامية و المتقدمة على السواء..

وتهدف إلى جمع الدول في شبه منتدى يتباحث الأعضاء فيه شتى الأمور التجارية، ويتفاوضون ضمن جولات متعددة الأطراف، فهي من جهة تؤمن لقاءات دائمة بين ممثلي الدول الأعضاء عبر اجتماعات اللجان الفرعية و الدورية ، وهي فرصة لمناقشة المشاكل الناشئة. ومن جهة أخرى تجمع المنظمة الدول الأعضاء في جولات محادثات دورية بشأن علاقاتهم التجارية المستقبلية…

كما تلعب “منظمة التجارة العالمية” دور أساسي في فض المنازعات التجارية وأهمها النزاع التجاري بين أمريكا و الاتحاد الأروبي حول ما عرف بقضية الصلب. ويرجع أصل النزاع إلى قيام الرئيس الأمريكي في مارس 2002، بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 30% على واردات الصلب من الخارج. و قد أثار القرار استياء العديد من الأطراف الدولية لاسيما الاتحاد الأوروبي و عدد من الدول الآسيوية، التي تقدمت بدعوى إلى منظمة التجارة العالمية، مع التهديد باتخاذ إجراءات انتقامية..

فما أشبه  اليوم بالأمس، فالموقف الأمريكي الحالي  والجدل الدولي حول حرب تجارية عالمية، ستنتهي بتوافقات داخل “منظمة التجارة العالمية”، لأنه ليس في مصلحة الولايات المتحدة _تحديدا_إسقاط هذا النظام التجاري المتعدد الأطراف، و الذي سعت لتأسيسه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية..

قد تحاول الضغط عبر التهديد و التصعيد، بغرض تحصيل مكاسب تجارية، خاصة من الصين و الاتحاد الأروبي، لكن لن تستطيع إسقاط النظام ككل، لأنها لم تعد الوحيدة المهيمنة على الملعب ، فهناك شركاء يملكون من القوة ووسائل الضغط ما يجعلهم قادرين على التأثير و الإضرار بالاقتصاد الأمريكي…وما رأيناه من انخفاض في مؤشرات أسواق المال الأمريكية وردود فعل بعض رجال الأعمال و الصناعة بداخل أمريكا بداية الغيث، والقادم أصعب إذا ما استمر “ترامب” في سياساته العدوانية ضد حرية التجارة…و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here