قراءة لمصطفى لغتيري لديوان ” في صمت” للشاعر العربي الحميدي عن غاليري الأدب

 مصطفى لغتيري

تنتهج القصيدة الحديثة سبلا عدة في الانكباب، فبعد انفتاح الشعر العربي على التيارات الشعرية العالمية، وبعد أن أثرت فيه موجة الحداثة بإيجابياتها وسلبياتها، وغزاه منطق العصر وتحولاته العميقة، أصبح للقصيدة معالم مختلفة تميزها عن القصيدة التقليدية، وقد طال ذلك معناها ومبناها.

ولعل أهم التحولات التي عرفتها القصيدة في عصرنا الحالي هو اعتمادها شبه الكلي على الصورة الشعرية، من خلال التوظيف الكبير والمبالغ فيه للمجاز، الذي أضحى متسيدا على القول الشعري في عمومه، فلا نكد نعثر على مقطع في القصيدة يسترسل فيه الشعر  بمعناه المعجمي المعروف، بل أضحى التأويل الوسيلة الوحيدة تقريبا للتعاطي مع هذا الشعر، حتى كاد ينغلق معناه على المتلقي العادي، الذي اعتاد القصيدة الواضحة، تلك التي يكتفي بشرح معجمها المستعصي ليفهم معناها، بل أصبحنا مع القصيدة المعاصرة أمام ظاهرة ملفتة للنظر، وتتجلى في أن معجم القصيدة واضح لا يحتاج شرحا، لكن العبارات يطالها الغموض لأسباب عدة، من بينها الإغراق في المجاز.

والنصوص التي بين أيدينا في ديوان ”في صمت” للشاعر العربي الحميدي لا تشذ عن هذه القاعدة. فالقصائد تزخر بالصور الشعرية المتراكمة في مساحات ضيقة، فلا يكاد القارئ يفك ألغاز صورة شعرية، حتى يجد نفسه وجها لوجه مع صورة شعرية أخرى.

وبتأملنا لهذا المقطع يمكننا الوقوف على هذه السمة البارزة، يقول الشاعر:

 أركض على خطى ذبذباتك

جمرك

لهيب على طريق شفتيك

التيه

بين أزقة أحلامك

شوق

نداء

صرخة

كلما اقترب صبحي

من عنادك

فتنة اللوعة

تسبقني إلى هواء أبراجك

ففي هذا المقطع الصغير تصادفنا كثير من الصور الشعرية تبدأ بالركض على خطى الذبذبات، وتستمر بطريق شفتيك وأزقة الأحلام وانتهاء بفتنة اللوعة  وأهواء الأبراج، إنها سمفونية الصورة الشاعرة التي يرى بعض النقاد أنها تعوض إيقاع القصيدة، بما يسمى إيقاع الصورة الشعرية.

وتتنوع الصورة الشعرية في الديوان رغم اشتراكها في خاصية الغرابة، التي تجعل من التعاطي معها غير متاح للجميع.

وتجد الصورة الشعرية تنوعها من خلال طرق بنائها تركيبيا، فهناك الصورة الشعرية التي تعتمد على الأفعال، مما يجعلها صورة تتميز بالحركية، من قبيل:

 تعوي أحلامك

بقايا ريحها .

 أَلَم

يوزع بين جيوب العدم

 مع الانتظار

يطبق العماء

غبار رقصة الموت.

كما أن الصورة الشعرية تتوسل أحيانا بالاسم ، ربما لتدل عل  الثبات والاستمرار، يقول الشاعر:

 كوابيس ألوان

متعددة الأبعاد

طيف ألحان

 مصايف

على ثوب أكفان

كما أن الشاعر اعتمد بشكل ملحوظ على الحقل المعجمي للانسان في إنشاء صوره الشعرية مما جعل القصائد تميل نحو أنسنة الظواهر الطبيعية والجماد وكل ما له علاقة بالوجود الإنساني. يقول الشاعر:

بائسة الأفكار

على انبطاح عري

سوداء مقنعة

بدون جسد

بدون قلب

مستكينة كالقيظ في خطوره .

وتمضي القصائد على هذا المنوال محاولة أن تجعل من الصورة الشعرية ركنا مكينا في كتابة الشعر، منسجمة في ذلك مع منطق العصر، وخاصة فيما يتعلق بقصيدة النثر، التي لم يعد الإيقاع يغريها، بل أضحى المعنى العميق والمستغلق عن الفهم ضالتها، وقد وجدت في المجاز بغيتها فأغرقت به القصيدة.

وكتعبير عن رؤيا مستقبلية تداعب عقل الشاعر ووجدانه نجد كلمات النور أو ما يدل عليها حاضرة بقوة في الديوان، وهي في أحد مستويات التأويل انتصار للمعرفة والحياة والتطلع إلى المستقبل اللامع والمشع،  ومن ذلك قول الشاعر:

 كُهُوف تطاردها

شُعُلاَت نَار متمردات

تجاورني فِي كُلِّ مَكَان

نَظَرَات لَهَب

ألسنة تكنس الكلمات

حين

يَذُوبُ اللَّيْل في الليل

لكل ذلك، تحتاج كل قصيدة من الديوان وقفة تأمل عميقة لاستجلاء معانيها الخفية، وإن استغلق ذلك على القارئ فيكفيه ذلك الإحساس الذي تولده النصوص في دواخله، حين يتتبع ذبذبات الكلمات، وهي تنسج عبارات تتوشى في مجملها بالمجاز.

كاتب من المغرب

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here