قراءة في الفيلم المصري  “عيش حياتك”

لحسن ملواني ـ المغرب

منذ بدايات السينما وهي تحاول أن تعالج مشاكل اجتماعية ونفسية ، فلم تكن تقتصر على الفرجة والإمتاع فحسب ، بل كانت تروم إيصال رسائل يحددها التركيب الفيلمي مما يجعل السينما في الأخير ضمن الخطابات الإبداعية الفاعلة في النقد ، وفي التفسير ، وفي التغيير .

والأمراض النفسية من الموضوعات التي تنبني عليها أفلام كمادة تستحق أن يُلتفت إليها ، وكما تعمل على تقديم تفسيرات لها عبر البحث في مراجع الطب النفسي ،تحاول في ذات الوقت تقديم حلول لها عبر قوالب إبداعية جاذبة تجعل المشاهد يستفيد منها بعمق ،علما أن السينما لها القدرة على الإثارة بشحنات عاطفية مؤثرة على النفوس عبر التعاطف أوعكسه مع الشخصيات المديرة للأحداث بنفسياتها وتصرفاتها وتوجهاتها المختلفة.

و”يوجد عدد لا نهائي من مجالات السلوك البشري التي يمكن تجسيدها في الحبْكات والشخصيات ومواقع الأفلام، فإن كل تلك السلوكيات لا تتطلَّب نظريات معقَّدة  لفهمها. وقد توغل علماء الاجتماع بالتفصيل في دراسة عدد كبري من الموضوعات السلوكية التي تظهر في الأفلام؛ مثل الجنس، والعنف، والسياسة، والمقامرة، والنوع، والأمومة، والتدخين، وتعاطي الخمور، والرياضة، والكلية، والجريمة، وجنوح النشء، والأحلام، والفقر، والثروة، والغراميات، والغضب، والعنف الأسري، والشيخوخة، والعلاج النفسي، والدراسات التي تركز على نوع معين من السلوك أو الأشخاص تهتم عادةً باتجاهات مشتركة بين عدد من الأفلام. وفي حين أن تلك التجسيدات السينمائية لا تِصف بالضرورة الواقع الموضوعي بدقَّة، يمكننا أن نفترض أنها تضع يدها على  تَتصورات شائعة حول سلوكيات معيَّنة، بل وحتى على توجهات المشاهدين حيال تلك السلوكيات.”1

وكل القضايا الإنسانية بكل أبعادها منهل تمتح منها السينما لتطرحها للتأمل والنقاش وتبادل الرأي بصددها. ويمكن ـ بدرجة نسبية ـ  إدراج فيلم “عيش حياتك” في هذا المجال .

في هذا الفيلم يسند دور البطولة إلى موظف بشركة، و يدعى إبراهيم المتسم بمزيح من ترددات وأوهام وتخوفات مرضية  لا مبرر لها ستجعله منغلقا منطويا لا يعرف في حياته سوى الشغل ومتاعبه فقط ، وقد حذا به ذلك إلى أن تضيق امرأته بتصرفاته وسلوكاته ، لينتهي بهما الامر بالطلاق ، وهنا سينشأ اهتمامه بابنه خوفا من مستقبله ، ولن يتخلص من كل ذلك كله  سوى بـ”داليا” الموظفة التي اختارتها الشركة كي تصطحبه في رحلة ممتعة لأداء المهمة التي أشرنا إليها ضمن قصة الفيلم.

تتعلق أحداث الفيلم بحياة إبراهيم المتردد الخائف خوفا مرضيا ، يعيش حياة رتيبة جعلت امرأته تحكم عليه بالفشل ، وهو حكم ظل منقوشا في نفسيته زمنا طويلا …ويسافر مع زميلته داليا إلى سينا وسيوى لتصوير حملة دعائية وإعلانية تحت شعار “عيش حياتك” وقد نجح في ذلك بمساعدة زميلته التي صارت زوجته في نهاية الفيلم.

الفيلم من إخراج تامر بسيوني ، وتأليف وسام حامد ، ومن بطولة ساندي وإدوارد وسامية الطرابلسي وآخرين.

يبدأ الفيلم بحوار داخلي يسترجع فيه بطل الفيلم إبراهيم مشاكله مع امراته التي فارقته لتصرفاته التي يطبعها الوسواس والخوف والرتابة القاتلة . ثم يظهر في مكتب شغله وهو يحمل هديته لابنه بمناسبة عيد ميلاده ، وقبل أن يبدأ عمله يفتح حاسوبه كي يقف على صورة ابنه ويظل يفكر بعمق وقد فارق أمه ، فيعاتبه مديّر الشركة على ذلك ، ويلومه لتخوفاته من كل شيء ويأمره بأن يأخذ إجازة ليعيش ليستعيد توازنه، فعليه أن يركز في عمله حتى لا يفشل فيه بعد أن فشل في حياته الزوجية…هنا ستظهر زميلته في العمل بوجه مشرق ، ويقابلها بخجل وتحاول أن تجره للانخراط في العمل كما سبق فيحدثها عن انفصاله عن امرأته وعن همومه الأخرى ، وتقول له بأن الدنيا قد تخفي له أشياء جميلة فعليه بالتفاؤل. وقد كانت رحلته مع “داليا” رحلة ماتعة أعادت إليه توازنه ليستمتع بحياته بعيدا عن استحضار المنغصات الماضية والآنية التي تستبد به من حين إلى أخر حيث سيكتسب الثقة بنفسه شيئا فشيئا ، وقد تم ذلك عبر محطات منها :  انتقاد داليا لملابسه التي لها علاقة بالعمل الإداري لا بالسفر وقد رد عليها ردا يحمل عنفا ، خوفه خوفه من حادث سير وداليا تسوق بسرعة وسرعان ما استساغ الأمر. توجيه داليا له بكون العمل ينبغي أن يمارس بحب،معاتبته لداليا على التوقف من أجل مساعدة سائق شاحنة ، فقد يكون السائق لصا أو مجرما فيحثها مكرهة لتمضي وتواصل الطريق، تصويره وهو يخاف من صعود المرتفعات لكنه نجح في صعودها بعد ذلك ، ركوبه على متن مناد بعد تردده وخوفه ،إسناد سياقة السيارة له وهنا يبدأ انشراحه وإحساسه بمتعة الحياة ، فصار يمزح ويضحك ويتواصل بغمق مع ذاليا ، عودة التفكير السوداوي إليه وهو في مطعم ، يفكر في علاقته بامرأته التي قالت له وهي تحمل السكين في وجهه بأن الروتين يقتل العلاقة بين الاثنين مهما كان حبهما ، و إننا نعمل لنعيش ولا نعيش كي نعمل. ، ويعود ليعيش فرحة الرحلة وداليا تقول له بأن الأشياء التي نخاف منها لن تجد أحلى منها في الدنيا، تضايقه من بعض زبائن مطعم خوفا من المساس  بداليا ، وحين يدخل المطعم يأبى الأكل خوفا من التسمم أما داليا فأكلت بلامبالاة ، محاولة أحدهم معاكسة داليا فيسخر منه ، وتعاتبه داليا على لطفه ، فيشعر بالندم ، ويعود ليخاصم ثلاثة شبان وفي هذه المرة بكل شجاعة. ، خوضه تجربة العوم، بعد، خوضه تجربة الطيران عن طريق المنطاد،شعوره بأنه أصبح شخصا آخر ، ويتبادل نظرات الإعجاب مع داليا التي أنقدته من براتن الوساوس القاتلة،وفي مطعم يحاول أن يصارحها بحبه لهاويضاحكها وفي طريقهما  تلتقظ له صورا كي تعبر له عن إعجابها به ، يبدو منشرحا وهو يقف وسط السيارة فاتحا صدره للريح ، وفي مشهد مؤثر يجهش بالبكاء وهو يقول لداليا بأنه قضى أوقاتا وراء الشاشة والفيسبوك بعيدا عن معنى الحياة وجوهرها، وتعلن حبها له قائلة له بأنها أحبته قبل أن تراه …ويستفيد من أقوال العم بدر والعم سليمان وغيره بكون اليسر يأتي بعد العسر وأن كل يوم هدية من الله لا ينبغي إضاعتها…

يعود إبراهيم ـ وقد صار شخصا آخرـ إلى الشركة  فيشكره مدير الشركة على عمله الجميل الذي أعجب به الباشا،  و في حفل بهيج يحضره موظفو الشركة يرتبط بداليا التي أكملت نقصه وصارت رفيقة حياته تبادله مشاعر الحب والعشق ..

الفيلم مشوق رُكِّزَ فيه أكثر على داليا وابراهيم تركيزا واضحا يجعل المشاهد يقف على مختلف التغيرات التي طالت حياة إبراهيم الذي غادر جانبه السلبي فصار إيجابيا بفضل داليا التي يمكن اعتبارها بمثابة طبيبته النفسية التي رافقته وقبلت بنقائصه وصححتها بشكل متدرج وذكي ليصير زوجها في الأخير وقد تخلص من عقده ونقائصه.

والفيلم بذلك يحاول إيضاح فكرةِ يُسْر التغيير السلوكي انطلاقا من تفهم المحيط للمصدومين والانطوائيين والمعقدين باعتبارهم طبيعيين لا يحتاجون سوى التشجيع والتحفيز والتفكير المغاير للأشياء.

يستحوذ عليك الفيلم  بدراميته ورومانسيته خاصة وذلك عبر تركيزه على رحلة البطل بمشاعره التي تتأرجح بين الخوف والفشل والانطواء ومشاعر التحرر التدريجي من عقدته   ، فقد واجه بالكاد كثيرا من التقلبات السيكولوجية المؤثرة على أدائه الوظيفي وحياته الأسرية إلى حد تطليق امرأته وانفصاله عنها وابنه تحت رعايتها ، ليجعله ذلك ينخرط في دوامة من التأسف والمرارة على هدر الكثير من الفرص التي تفتح أمامه المجال للاستمتاع بحياته كالآخرين.

ولقد كان الفيلم واقعيا من حيث معالجته للظتهرة النفسية المشار إليها رغم أنه أحيانا قد”يروق لصناع الأفلام التلاعب بالسلوكيات المرتبطة بالمرض النفسي. فهم يعملون في مجال يقوم على الإثارة وبَيْع التذاكر، ويعرفون أن غالبية الجمهور ليسوا علماء نفس، ومن ثم لن يعترضوا على ما يشوب صور الأفلام من عدم الدقَّة، بَيْد أن عدم الدقة هذه تثير انزعاجا كبيرا بين المشاهدين المشتغلين بعلم النفس. لا يحتاج المرء إلى المضي ً بعيد َّ ا لكي يعثر على أمثلة للأفلام التي تتحرر من مقتضيات الواقع عندما يتعلَّق الأمر بالمرض النفسي. فالأفلام الكوميدية التي تتسم بالفجاجة والسوقية مثل «أنا ونفسي وآيرين» (مي، ماي-سيلف، آند آيرين) لديها رغبة شديدة في السخرية من كل صور الضعف البشري”،2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش :

1 ـ السلوك البشري في الأفلام ـ السينما وعلم النفس علاقة لا تنتهي ـ .” تأليف سكيب داين يونج ترجمة سامح سمري فرج مراجعة إيمان عبد الغني نجم ـ الطبعة الأولى ٢٠١٥م ـ ص 32 ـ 33]

2 ـ    نفسه ص :61

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here