قاسم علي فنجان: الانتحار بين الفهم الديني والسيكولوجيا المبتذلة

 

قاسم علي فنجان

 (( فإذا استسلم الفرد لأقل صدمة من صدمات الظروف المحيطة، فلأن الحالة التي يكون فيها المجتمع جعلت منه ضحية جاهزة للانتحار)) دوركهايم.

يدور الحديث عن حالات الانتحار التي تغزو المجتمع، وتتناول وسائل الاعلام هذه المشكلة الاجتماعية بكل تفاصيلها، عازية لها اسباباً عديدة، منها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية وحتى بيئية، وقد ساهم الكثير في بحث هذه المشكلة التي تتفاقم يوما بعد اخر، وبما اننا في مجتمع تحكمه وتتحكم به قوى الاسلام السياسي، فقد كانت لزعامات هذه القوى مساهمتها وقد ادلت بدلوها، وكان حديث مرجعية الحكم الاسلامي هو الذي اخذ اكبر صدى، صداه لم يتأت من حقيقة تحليله للظاهرة، بل من السلطة التي يمتلكها اولا، ومن تحليله الاستفزازي ثانيا، فعندما يقول مثلا بأن البطالة ليست شيئا قياسا بقربنا من الله، “عاطل عن العمل لا يهم المهم قربك من الله” او عندما يقول “ان الانتحار سببه الخواء الروحي”، فمثل هذه الصياغات في بلد يئن من وطأة الفقر والبطالة والتخلف والنهب المستمر لكل ثرواته، هذه الصياغات تكون مستفزة جدا للجمهور، الا انها ايضا تعبير عن المحتوى الإيديولوجي والطبقي للسلطة القائمة، فهذا الخطاب لا يلوم السلطة -لأنه هو السلطة- بل هو يرمي الكرة في ملعب المجتمع، لأنك عندما تقدم على قتل نفسك فالسبب هو ابتعادك عن الله، وليس لسبب اخر، او ان البطالة ليست بمشكلة كبيرة، ان هذا الخطاب لا يمتلك السلطة للإقناع عند المجتمع الا لأنه سلطة، ولو كانت السلطة في هذا المجتمع علمانية فان مثل خطابات كهذه سيكون مصيرها “recycle bin “، لأنها تعبر في اقصى حالاتها عن افلاس حقيقي بدأ يصيب هذه السلطة ورعاتها من رجال الدين، فهي لا تملك اجابات عن الواقع المؤلم الذي يعيشه المجتمع، والتي كانت ولا زالت هي السبب الرئيسي فيه.

من الملفت للانتباه ان هذا الخطاب ولأول مرة يكشف عن نفسه بانسجامه مع العملية السياسية، كان فيما مضى يخدع الجماهير وكأنه بعيد عن خطاب السلطة، الا انه هذه المرة كشف عن وجهه الحقيقي بالانسجام التام مع سلطته التنفيذية، هذا الانسجام جاء نتيجة الرفض الجماهيري الواسع للعملية السياسية، فبدأ رجال الدين بالدفاع عن هذه العملية وبلوم الناس عما يقع عليهم، فالبطالة المليونية التي تلف الشباب ليست بتلك المشكلة الكبيرة، المشكلة هي خسارة اخرتك، والطلاق والانتحار والتفكك الاسري كلها سببها الخواء الروحي. لكن اذا قلنا لرجال الدين “السلطة” هؤلاء بأن يقولوا كلاما اخر غير هذا، فهذا الكلام غير مقنع ترى ما الذي من الممكن ان يقولوه؟ نستطيع ان نجزم بأنهم لن يغيروا من خطابهم شيئا، لماذا؟ لان وجودهم وبقاءهم وديمومتهم تكمن في خطاب كهذا، وحتى اذا سلمنا بأنهم بعيدون عن السلطة فسيكون تحليلهم لظاهرات المجتمع نابعاً ايضا من افكارهم الدينية، التي تختزل وتعيد كل شيء الى قوة خارجية “الله”، فضيق فكرهم لا يمكن له ان يجعلهم في تساؤل عن ظاهرة الانتحار، فكيف اذا كانوا هم السلطة؟ عالم الاجتماع يتساءل ويتحرى ويحلل ويحصي كما فعل دوركهايم في كتابه “الانتحار”، هل النساء ينتحرن اكثر من الرجال؟ وما هي نسبة الانتحار بين العمال والمثقفين؟ وفي اي فصل من فصول السنه يكثر الانتحار؟ وهل تكثر نسب الانتحار في المدن ام في الارياف؟ وما هي الوسيلة الاكثر استعمالا في الانتحار؟ الى غير تلك الاسئلة التي يحفل بها كتابه القيم. عقل رجل الدين لا يمكن له ان يستوعب كل تلك الاسئلة، انه عقل خامل، هذا الخمول ليس بسبب نقص بيولوجي او فسلجي، انما هو الوسيلة الاكثر قوة لتأبيد سيطرته واستمراريتها، فالسؤال يعني معرفة، وعقل رجل الدين ينطلق من “لا تسألوا عن اشياء”، فهو يمنع المعرفة، اذن بقاء المجتمع على مستوى محدد من التفكير يعني المزيد من السيطرة.

لكن اين تقع المشكلة؟ تقع المشكلة في ان بعض المثقفين يروجون لخطابات كهذه، وهؤلاء هم بوق اخر لهذه السلطة الدينية، سنأخذ نموذجا ظهر بقوة في الفترة الاخيرة ممجدا لرجال الدين “السلطة” بل وداعيا لينالوا جائزة نوبل. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=637762.

كتب مهدي عامل يقول ((أول فعل للنقد اسقاط الحصانة عن النص. ليس من نص مقدس، ولتكن اللعبة مكشوفة)).

عندما يبدأ كاتب ما معنونا مقالته ((المرجعية الموقرة مع التحية)) تتساءل مع نفسك ترى كيف سيكون النص؟ العنوان يكشف عن قداسة مخيفة، لا يمكن التقرب منها او نقدها، لأنه يقول في بداية مقالته ((بدءأ.. انني أجلّ وأقدر المرجعية الموقرة في النجف الأشرف)) اذن هو توقير واجلال وتقدير، هل بقي شيء من القداسة لم يقله؟ وماذا سيقول؟ في مقالته تلك كأنه يسترضيهم او يستميلهم لاعتقاده بأنهم الهة عظمى في المجتمع، انه يتعب نفسه بالعتاب؟ عتاب الابن لأبيه، لأنه يطلب منهم –كأبن مخلص-ان يستمعوا اليه كما يستمع هو لهم، هذه البنوة تتأكد من كلمة “فضيلة الشيخ”، مفردتين تحويان على تفاصيل الاب، فهو كأبن يقدر الموعظة الدينية وليس كما يقول مخطئا نحن كسيكولوجيين، فهنالك الكثير من السيكولوجيين لا يعيرون اي اهتمام للموعظة الدينية، بل قسم كبير منهم يضعونها تحت مشرط التشريح والتحليل. وهو ايضا يقسّم المجتمعات على اساس ديني وغير ديني، اي ان المجتمع العراقي هو مجتمع ديني، فهو اذن مأزوم نفسيا، وهو اذن يعاني الأكتئاب، أو يشعر بانعدام المعنى من وجوده الذي يفضي الى اليأس وقتل النفس. هكذا اذن الموعظة الدينية تنقذ المجتمع من الانتحار، لكن رجال الدين هم القوة السياسية في البلد وهم الذين يقودون المجتمع منذ ستة عشر عاما، لماذا اذن كثرت حالات الانتحار، تمهلوا لا تحكموا على فشل منطق السايكولوجي، فالمنتحرون اغلبهم كانوا كفرة ولم يأخذوا جرعات من الموعظة الدينية المقدمة لهم، يتبين ذلك من قوله ((قد برع الشيخ الكربلائي في تبيان جوهر الصوم والصلاة في منح الأنسان الشعور بالطمأنينة وراحة النفس)) الصوم والصلاة تمنح الطمأنينة! هل صحيح ذلك؟ اذن لماذا المجتمع الديني مأزوم نفسيا؟ يصل السايكولوجي الى لب الموضوع بالقول(((أمس قالت المرجعية:” ان كثرة حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري سببها الخواء الروحي والمعنوي”.. فلماذا لم تقل من كان السبب في هذا الخواء). انه يسلم مع الاب –السلطة- بأن الانتحار سببه الخواء الروحي، لكنه يتساءل من كان السبب في هذا الخواء؟ لكن وبدون استفتاءاته الكثيرة ستقول له المرجعية – لو كان قد اتعب قدميه وذهب اليها- كانت ستقول له “”انهم السياسيون الفاسدون الذين اتعبونا كثيرا، وقد نصحناهم كثيرا لكن لم يتعظوا، ولهذا فقد اغلقنا ابوابنا بوجوههم”” هي ذي الكلمات التي ستسمعها والتي سمعناها على مدى ستة عشر عاما.

الانتحار لا يفسر بالدين لأنه احد اسبابه، ولا يمكن لسايكولوجي ان يعتمد على رجل الدين في تفسير ظاهرة ما، لأن رجل الدين هو ظاهرة تحت مجهر السايكولوجي، لا يمكن ان تقلب الامور وان نعطي الشرعية في تفسير الظواهر لمن هو ظاهرة.

ان التفكير بظواهر المجتمع على اساس هذا الفهم الديني او السايكولوجي الساذج والمبتذل انما هو تفكير بدائي جدا، فلا يمكن ان نحلل ظاهرة ما او نفسرها او نجد حلولا او علاجا لها وفق هذا التفكير، فهذا التفكير ينطلق من ان وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم. لماذا ينتحرون؟ لأنهم في حالة خواء روحي. ولماذا هم في حالة الخواء تلك؟ لأن وعيهم بعيد عن الله. هذا البعد جعلهم في حالة من الكآبة واليأس. وهكذا يلتقي رجل الدين –السلطة- بالسايكولوجي-المثقف- في تحليلهم لظاهرة اجتماعية، في منهج بدائي ومتخلف، انهم يتشاركون الفرحة في هذا الانجاز. اما الناس كما يقول دوركهايم فانهم ((يتشاركون في الكرب والشقاء حينما لا يعود ثمة شيء يتشاركون به)).

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. المقال رائع لكن أود أن ابين مسألة وهي ان الصورة المرفقة مع المقال ليست لقاسم علي فنجان ويبدو أنكم أجريتم بحث على الانترنيت عن صورة للكاتب وظهرت لكم هذه الصورة … نرجو من العاملين في الصحيفة إزالتها مع خالص التقدير لكم

  2. مقال جميل اكتر الله من امثالك كي يمحو ما زرعه العريفي وامتاله بافكار الشباب والشياب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here