في يوم الأرض: وداعا سلمان ناطور الروائي  المعجون بتربة الأرض              

nouha-khalaf-new

د. نهى خلف

 رحل سلمان ناطور الكاتب الروائي و المسرحي الفلسطيني في 15 شباط (فبراير)  من هذا العام في مسقط رأسه، دالية الكرمل، في مدينة حيفا الجميلة، التي كان ينتمي اليها و يمثلها  لدرجة  انه عندما كان يتحدث عنها  يشعر المستمع  و كأن  جبل الكرمل يهمس له بهدوء و كأن ظله ممتدا عبر البحر.

جاء سلمان ناطور الى باريس في السادس من كانون ألاول (ديسمبر)  2015 كسندباد بحري حاملا على ظهره اكياس مليئة بقصص من الذاكرة الفلسطينية التي كان يوزعها و كأنه يوزع أرغفة خبز ساخنة على الجياع من الجزء الآخر االضائع من فلسطين المبعثرين   عبرمدن الشتات. و كانت لهذه القصص نكهة جميلة غريبة تمزج  بين رائحة البحر و الأرض.

 عندما حضر سلمان ناطور لإلقاء محاضرة في احدى المعاهد الباريسية المرموقة  كانت المدينة لا تزال في حالة حزن و ظلام بعد الأحداث الدامية التي هزتها في 13 تشرين الثاني. التمت مجموعة من فلسطيني الشتات مع سلمان ناطور في ساحة ‘الجمهورية’ حيث كانت تتراكم باقات  الورود بأسماء الضحايا  تحت التمثال البرونزي الضخم المنصوب في وسط الميدان  و هو تمثال لإمرأة تحمل غصن الزيتون في اليد اليمنى كرمز للسلام و المصالحة و   الوفاء ، و على رأسها طقية ترمز الى الثورة الفرنسية و المواطنة و الحرية  و تستند بيدها اليسرى على إعلان حقوق الإنسان و المواطن، بينما تحيط التمثال الأول تماثيل لثلاث نساء أخريات تمثلن الحرية  و المساواة و الأخوة.   

وقف سلمان ناطور أمام هذا التمثال و هو يمزج في نظرته بين التواضع و الحزن و الشموخ : حزن حيث لا جمهورية في بلادنا  و لا حرية و لا مساواة  و لامواطنة ، و تواضع  لأنه كان يضع على رأسه طقيته القديمة رمزا  لثورته غير المكتملة، وشموخ لأنه يمثل جبل الكرمل و شجر الزيتون و أرض فلسطين .

 وعبر الحديث معه  عرض سلمان ناطور على ‘الشلة’ مشروعه  الذي سماه ‘آذار الثقافي’  و اقترح عليه الجميع أن يعود مرة أخرى  الى باريس في  شهر آذار و في يوم الأرض  بالذات  لعرض مسرحي في ذكرى هذه المناسبة،   و لكن  للأسف كانت رحلته الشتائية الي  باريس، التي  كان لا يزال يعتبرها  ‘مدينة الأنوار’،  متنفسه الأخير خارج السجن الثقافي و المعنوي المنصوب من قبل الإحتلال الإسرائيلي فوق رؤوس الفلسطينيين.

و كان سلمان الناطور قد  نشر في عام 2014 وثيقة حول  مشروع ‘آذار الثقافي’ مرددا ان شهر آذار هاما لأنه يشمل عدد من المناسبات الهامة قائلا:

“آذار الثقافة” هو استحداث بادرنا اليه في اطار مشروع “الثقافة الفلسطينية حقوق وفضاءات” في مركز مساواة عام 2012 ، احتفاء بالثقافة بشكل عام وبالعربية والفلسطينية بشكل خاص، اذ يكرس شهر اذار من كل عام تحت هذا العنوان لأنه يجمع عددا من الأحداث الثقافية الفلسطينية (13 اذار اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية و 30 اذار، يوم الارض) والعالمية (8 آذار يوم المرأة العالمي و 21 آذار يوم الأم)  وجميع هذه المناسبات تكتسب طابعا ثقافيا وحضاريا ونضاليا ايضا. ولا شك في أن تكثيف النشاطات الثقافية في كافة أنحاء الوطن من الجليل وحتى النقب يحدث حراكا يحفز على التنشيط  والمبادرة في كافة أيام السنة.”

 مضيفا “نحن نعتز بثقافتنا لأنها تطورت وارتقت رغم كل ظروف القهر والتمييز العنصري، ولكن الأهم من كل ذلك هو لأنها تقوم على أسس التعددية الثقافية والتعدد وفيها متسع لكافة التيارات والانتماءات وقدرة على الحوار مع الغير وهي متعددة المجالات وتشمل الأدب والمسرح والفنون الأدائية والتشكيلية والسينما وكل أنواع النتاج الابداعي”

و بالرغم من محاولاته العديدة لتطوير الثقافة الفلسطينية إلا أن موقف سلمان ناطور كان نقديا فيما يخص علاقة المثقفين و المبدعين بين بعضهم، قائلا في بداية سلسلة مقالاته في عام 2014 بعنوان” خمس رسائل وحالة ثقافية ناهضة” : “يشغلني سؤال ثقافي منذ بدأت أحمل الهم الجماعي في الحياة الثقافية وهو: أي المواقع أفضل للمبدع أن يكبر فيه ويبرز، أهو في حديقة مزدهرة ومتعددة الورود أم في صحراء قاحلة أو في أرض مهملة؟

 ثم يجيب على تساؤله “أعتقد بان الجواب واضح. الافضل في حديقة غناء، جمالا وقيمة وبراعة. إذن لماذا تكثر الصراعات الشخصية بين المبدعين وبدلا من أن يدعم أحدهم الآخر يعمل على تحطيمه كأنه “الشطارة” ان تلقي بزميلك على الارض داميا؟…”. هكذا و صف سلمان ناطور من وجهة نظر نقدية حالة الثقافة و المثقفين في فلسطين في رسالته الأولى.

                                                     أما في رسالته الثانية بعنوان “ثقافتنا بين ما كان وما يجب ان يكون” كتب  سلمان ناطور:” نتحدث بفخر واعتزاز عن ثقافتنا الفلسطينية بعد النكبة في ما يسمى “الداخل الفلسطيني”، او “مناطق ال 48” او “داخل الخط الأخضر”، وأنا أميل إلى تسميتها “غرب فلسطين” أو “فلسطين الغربية “، ومصدر هذا الفخر هو أننا امتداد لنهضة ثقافية ازدهرت قبل النكبة وكان لها أثر كبير على مجمل الثقافة العربية.  والسبب الآخر هو اننا رغم الحكم العسكري ومحاولات طمس هويتنا العربية الفلسطينية ، فقد نجحنا في الحفاظ على هذه الثقافة وفي انتاج ثقافة مقاومة، اصبحت مدرسة في النضال الوطني على أهم وأخطر الجبهات، ألا وهي الجبهة الفكرية والثقافية  وقد عزز هذا الانجاز تشبثنا بوطننا ومكن هويتنا الوطنية والأهم من كل ذلك أنه حدد دورنا النضالي على الخط الأمامي في مواجهة الصهيونية فكرا وثقافة وسياسة وايديولوجية.”

وبينما كان يؤكد سلمان ناطور ان”لنا موقعنا ولنا دورنا ولنا رصيدنا ولنا الوطن ولنا كل ما يلزم لإنتاج ثقافة انسانية راقية” إلا أنه كان  يتساءل: ” فهل ارتقينا حقا إلى مستوى التحديات؟”

 و يضيف سلمان ناطور”في قراءة سريعة لتجربتنا الثقافية في العقود الستة الماضية نتوقف عند عدد من العلامات الفارقة التي تبرز خصوصية هذه المرحلة :

أولا: انقسمت الثقافة الفلسطينية والأدب بشكل خاص بين تيارين متمايزين حتى منتصف السبعينيات ، تيار ثقافي مع السلطة الاسرائيلية وبرعايتها وتيار الثقافة الوطنية المناهضة للسلطة والتي أنتجت أدب المقاومة.

ثانيا: من منتصف السبعينيات وحتى بداية التسعينيات تراجعت ثقافة السلطة وتعززت الثقافة الوطنية وأصبحت هي الأكثر انتشارا وقبولا في الداخل والخارج.

ثالثا: نشأت وتطورت الثقافة الفلسطينية في الداخل بتياريها المتمايزين برعاية “حاضنة”، كانت السلطة الاسرائيلية الصهيونية (بمؤسساتها الرسمية والهستدروتية وجهاز التعليم وصحفها ومكتب مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية- جهاز المخابرات لتوجيه السياسة الحكومية ازاء المواطنين العرب) حاضنة التيار الاول وكانت الحركات الوطنية (حركة الأرض وتنظيمات التيار القومي، والحزب الشيوعي ومؤسساته الثقافية والجبهوية ) حاضنة التيار الثاني.

رابعا: في مطلع التسعينيات سقطت حاضنات الثقافة الفلسطينية، السلطوية والوطنية. الانهيارات التي أصابت المنظومة الاشتراكية وحركات التحرر في العالم كان لها تأثير مباشر على الثقافة الفلسطينية في الداخل والتي كان على مبدعيها أن يسبحوا في بحر عميق بعد تحطم قواربهم ومنهم من نجا وواصل ومنهم من غرق أو تعب وتوقف، ومن جهة أخرى ادركت السلطة الإسرائيلية وأجهزتها أن هذه فرصتها لاستعادة موقعها وتأثيرها لكن بأساليب جديدة وذكية فأقامت دائرة الثقافة العربية وخصصت الميزانيات وبدأت تبلور تيار الثقافة العربية الاسرائيلي. حالة مربكة جدا، فالتيار بأبطاله ومنتجيه اسرائيليون والثقافة عربية وحتى يمكن أن تعرف فلسطينية وضد الاحتلال لكنها لا تتجاوز خطاب اليسار الصهيوني الإسرائيلي.

خامسا: كان لتوقيع اتفاقات أوسلو (1993) ولمسار المفاوضات بين منظمة التحرير والحكومات الاسرائيلية واعتبار فلسطينيي الداخل شأنا اسرائيليا، تأثير كبير شكل صفعة أصابت بالأساس التيار الوطني في الثقافة وقد شعر ابطاله أنهم ضحية خيانة وأنهم فقدوا القضية التي دافعوا عنها في أدبهم وابداعهم وهي تحرير الوطن والعودة والسلام العادل، وبدأت تتبلور اتجاهات لفك ارتباط المبدع الفلسطيني بقضية شعبه التي صودرت منه، فمنهم من ذهب إلى “الثقافة من اجل الثقافة، والفن من اجل الفن” ومنهم من ذهب إلى الآخر الاسرائيلي والى مؤسساته وحتى لغته. وبقي عدد قليل متمسكا بثوابته يناطح طواحين الهواء ويصارع الريح.”

و هكذاانتمى سلمان ناطور الى هذا العدد القليل الذي بقي يناطح طواحين الهواء و يصارع الريح حتى آخر لحظة .

وقد ترك خلفه سلمان ناطورعددا كبيرا من المؤلفات الهامة  ومن اهمها ” الذاكرة … رحلة الصحراء”. و بمناسبة يوم الأرض أرى من الأهمية الإشارة الى ما كتبه سلمان ناطور واصفا  ما حدث  عندما احترق  جبل الكرمل في عام  2010   “هامات الشجر الاخضر تحولت الى لهب حارق و سرعان ما صارت حطبا و عيدانا سوداء ، وضعتنا نحن الناس العاديين أمام عجز قاتل ، كنا ندركه  تماما ، مقتنعين اننا لا شيء أمام الطبيعة حين تغضب  و لكنها وضعت هذه الدولة المنتفخة أيضا أمام حقيقتها ، و هي انها لا  شيء أمام الطبيعة حين تغضب . ” مضيفا “لا نشمت لاشتعال النار، فالأرض أرضنا و الشجرشجرنا و الطيور طيورنا و هكذا الثعالب و العقارب و النحل و الفراش و ما ليس منا و لنا هو ما يقيمونه  على هذه الأرض  الطيبة من هشاشة  و زيف و طقوس للموت و نصب للهمجية و كره لأصحاب البلاد  المقيمين عليها و المبعدين عنها”  مضيفا ” انهم منذ ستين عاما و أكثر تعاملوا مع طبيعة بلادنا بثقافة ليست ثقافتنا و فتحوها بمفاتيح الثقافة الأوروبية إستعلاء على الشرق و إمعانا بحق القوة  لا قوة الحق  … جعلوا شجرة الصنوبر الأوروبي بطلا ثقافيا فقلعوا أشجار الزيتون و السنديان و التين و الرمان التي زرعها أهلنا و زرعوا أشجار الصنوبر الإبرية و اليوم بعد الحريق ، اكتشف خبراِهم  ان هذا الشجر الأوروبي لايتناسب و طبيعة بلادنا لأنه سريع ألاشتعال ….”

هكذا و بهذه الدقة كان سلمان ناطور يراقب ما حدث لجبل الكرمل في عام 2010  كما كان يتابع بالتفصيل كل الكوارث الأخرى التي أصابت فلسطين منذ أكثرمن ستين عاما.,

عندما جاء سلمان ناطور الي باريس  في الشتاء الماضي كان يبدو مرهقا و لكن مكابرا و مثابرا  و مصمما على توصيل رسالة الكرمل الى العالم عبر باريس، التي لم يتمكن من زيارتها مر ة ثانية في الربيع حيث شاء القدر أن يبقى حتي الأبد ملتحما بأرضه و جبالها  في حديقة صغيرة مزدهرة متعددة الورود.   

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here