في هجاء الوعي العربي.. بين صفين وموقعة الجمل

 abdalla zeid salah

د.عبد الله زيد صلاح

لم نعد نحتمل تسيد الماضي وضجيجه وحضوره العنيف وسيطرته على الحاضر في سياقه الفكري والثقافي والسياسي، لقد خلَّف اجترار الماضي حيرة الذهن وشتاته وامتدت آثاره السالبة إلى صميم وعي الإنسان العربي وشعوره، مما ترتب عليه وجود خلل كبير في ملكة القراءة والتفكير وتحليل نواتج تمثل الماضي المعرفية والسياسية، واستيعاب حركة الواقع المعاصر وإفرازاته المتعددة.

كيف لهذا الذهن العالق برقبة أوزار الماضي أن يدرك أبعاد فعل ناقة جرباء “البسوس” أشعلت حرباً ضروساً أمتدت أربعين عاماً ؟!، وأنّ نتيجة مارثون سباق بين فرسين “داحس والغبراء” كانت الخصومة والقتل والحقد لمدة أربعين عاما أيضاً، وأنى له أن يدرك مقتل عشرة آلاف مسلم في موقعة واحدة “الجمل”، وكذلك مقتل ثلاثين ألف في موقعة أخرى “صفين”.

لقد علق الوعي العربي بجناية الماضي … مضينا في جلد صفحاته ومضى هو أيضاً في جلد وعينا وذواتنا دون شفقة أو رحمة؛ وكانت المحصلة استمرار نزيف الدم العربي وتبلد إنسانه وتعطيل كافة طاقاته وإمكاناته؛ لتطغى عليه سمة الغباء والنفاق والكفر والخيانة والقتل والتدمير حتى صدقت فيه مقولة ابن خلدون الشهيرة: “العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب”.

هكذا تسربت ثقافة السيف والنزال محل ثقافة الفكر والحوار والنقاش الجاد والمسئول في وعي الإنسان العربي، فكان عاثر الحظ في الوعي الجمعي من لا يتزين جسده بالطعنات أو لا يقتل بطعنة أو رمية أو في أقل تقدير ألا يدع حمل السيف في جسده الآثار والندوب، كما يقول الشاعر ابن الدمينة:

وَطُولُ احتِضانِ السَّيفِ حَتَّى بِمَنكِبى       أَخادِيدُ مِن آثَارِهِ وَنُدُوبُ

بل إن الأبعد من هذه الرؤية أنه تمكن من تسخير القلم والفكر والشعر والنثر في مديح السيف وصولاته وجولاته، فإذا  نحن أمام سيد القوم وفارسهم وشاعرهم ينتشي في حديثه ويفاخر بالسيف أكثر مما يفاخر بنسبه وعلمه وعشيرته كما يبدو من قول عنترة:

إِذا ذُكِرَ الفَخارُ بِأَرضِ قَومٍ       فَضَربُ السَيفِ في الهَيجاءِ فَخري

ولعل الحديث عن الفخار بـ “أرض قوم” بصيغة التنكير بمثابة الدلالة على شيوع الفكرة وتسربها في ذاكرة الإنسان العربي ووجدانه في فترة ما قبل الإسلام وما بعد؛ الأمر الذي سمح لقول بعض المفكرين بأن فاعلية هذه الثقافة كان لها الفضل الكبير في الفتوحات الإسلامية، وأنها كانت القول الفصل أو المرجعية التي تقف وراء إشعال الحرائق بعد عهد الخلافة الراشدة، إذ عملت على تهييج غريزة العربي القتالية وأثارت حنينه ليرجع إلى سيرته الأولى .

ثمة أسئلة كثيرة تتوالى في ذم الوعي العربي وخاصة في تمثله السالب للماضي والإعلاء من رأيته على نحو مستمر؟؛ ليصبح خطيئة من خطايا الماضي وعقوبة من عقوباته، أليس جميع الناس اليوم أو في أقل تقدير الغالبية العظمى يقفون على منصة “صفين” و”موقعة الجمل”؟ أليس ما يحدث في سوريا وبقية الدول العربية والإسلامية يستند في مرجعيته الفكرية والعقدية والسياسية إلى أحداث الماضي ومآسيه؟ ألم تطل  علينا الأحداث وتتوالى تحت يافطة علي ومعاوية والحسين ويزيد؟! .

إن ما يحدث اليوم ليس بدعاً مطلقاً ولكنه تناسل ثقافي وفكري عقيم تتوارثه الأجيال العربية والإسلامية، وهو ما جعل أعداء الدين والأمة يستغلون فراغه لتمرير مشاريعهم الخبيثة، واستنزاف مقدرات وطاقات الأمة الإسلامية العظيمة وتصويرها أمة إرهابية تؤمن بالقتل والتنكيل، يعينهم أكثر في تحقيق هذه المآرب خطابنا الديني والسياسي الكاشف عن إيمان عميق بثقافة القتل والإقصاء والإلغاء، وفعلنا السلوكي الذي لا يراعي حقوق الإنسان في طفولته وشيخوخته وحقوق الحيوان والشجر والحجر.

إن ثمة خللاً يسكن البنية العقلية العربية يتجسد في خلط الأمور الصحيحة بالأمور الزائفة ولعل ذلك يرجع من جانب إلى تقديس الذات الفردية والجمعية وإتباع الميول والأهواء والتشيع للرأي والمذهب، ومن جانب آخر يرجع إلى الجهل وتناول الخبر أو الرواية دون تمحيص أو قراءة واعية.

ليست الغاية من إبداء هذه الرؤية سوى الإشارة إلى أن ما  يعتمل اليوم من شحن طائفي ومذهبي هو نتاج حتمي وطبيعي لحقيقة الخلل المزمن في الوعي الجمعي، والإشارة أيضاً إلى أن هذا الشحن قد بلغ مرتبة عليا من الخطورة، إذ أنه يهدد وجود الأمة العربية والإسلامية برمتها في لحظة الانزلاق إلى اتون حرب طائفية تبدو ملامحها بوضوح في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر، وهو ما يعني بالتأكيد أن آثار هذه الحرب المأسوية إن وقعت لا قدر الله ستمتد إلى كل دولة إسلامية ومدينة وقرية وبيت، وأنها لن تصمت إلا بصوت الصرخة الكبرى.

وفي الأخير لا سبيل للإنسان العربي للخروج من هذا المأزق سوى التجرد من الهوى والميل والرأي والمذهب أو الطائفة أو الحزب، والنظر إلى بعض من منظور الإمام علي كرم الله وجهه الناس صنفان: “إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here