في كيفية الخلاص من الطاغية … نظرة تأريخية

سيف ابراهيم

لا احد يستطيع ان ينكر ان كل شيء يخضع وبمرور الزمن للتغيير، ولعله يبتدأ تغيرا كميا، حتى ما ان يبلغ ذروته وقمته، يتحول نوعيا . وبذلك نعايش حينها التغيير الفعلي، لذلك فالمنطق يجبرنا على حقيقة الايمان، بأن هناك حتمية واقعية في هذا الوجود، لا مناص منها ولا مفر, هي من تقود التباين بين الفينة والاخرى، ولكن الامر قد يطول، لذلك لا نستطيع ان نشكك بقيمة الانسان العليا، في التغيير ان شاء وتوكل ووعى وادرك, دونما انتظار الحتمية، فإضاءة شمعة من اجل انهاء الظلام، خير من انتظار الفجر، الذي قد يستمر قرونا . وما دعم قيام الانسان هوبالتغيير, دون انتظار القدريات والحتميات، الوضع السيء الذي يعيشه، والذي لا يتناسب مع آدميته، فالظلم ينذر بالخراب.

فما ادى الى قيام الناس بالثورة على الكنيسة حينها مثلا، هوانحرافها عن دورها الحقيقي في خدمة الناس، وابتداعها لصكوك الغفران، وموقفها المتزمت والمعادي للعلم والعلماء، وايجادها لمحاكم التفتيش، واحتكارها تفسير الكتاب المقدس، وبما يتلائم ومصالحها .

 وغيرها من التشوهات التي جعلت الكثير من العلماء والمفكرين، يحاولون القيام باصلاحات وثورات على هذا الوضع اللانساني المتردي، والذي يتخذ من الدين غطاء وحجة ولكن مما زاد الوضع سوءا، هوظهور الاقطاع فأصبح المواطن خاضعا لاكثر من سيد، وهكذا كادت الديمقراطية التي كان يتغنى بها اليونان والرومان ان تنعدم ولكن ما ان بدأ عصر النهضة، حتى بدأ النظام الاقطاعي والسيطرة الدينية بالترنح وعدم الاستقرار، مع ظهور بعض المفكرين على شاكلة ميكافيلي الذي عالج السياسة بمعزل عن الاخلاق والدين، ليدعوالحاكم الى الاهتمام بالغاية بغض النظر عن الوسيلة، وهنا هونعم قد عضد موقف الحاكم، لكنه في ذات الوقت وقف بالضد من سطوة الكنيسة، وهذا يعكس تطورا وان كان بالمنظور المستقبلي . ان هذا الامر عزز من نشأة الدولة القومية على حساب الدين، فظهرت بذلك سلطة الملوك المطلقة.

ولكن بحكم تجارب الامم والشعوب هذه، وتوارثها للمفاهيم الديمقراطية وعدم اعتيادها الخضوع والاستسلام، اجبر الملك وحتى في ظل النظام الاقطاعي السائد الى الاجتماع بأمراء الاقطاع، وطلب المشورة وتطور الحال حتى وصل الى التشريع، ورغم هذه التسهيلات والتعاون بين الحكام والاقطاعيين والفرسان الا ان الامر لم يخلومن صدامات وصراعات، وصلت في انكلترا الى حد الحرب الاهلية . وفي ظل هذه التجاذبات ظهر اتجاهين، احدهما يؤيد الحكم المطلق والاخر يعارضه، ولعل اهم الاطروحات التي قد ظهرت والتي تعارض الحكم المطلق ايآ كان هي فكرة العقد الاجتماعي، والتي تفسر نشأة الدولة على اساس تعاقد يتم بين الافراد كجماعة اوبينهم وبين الحاكم.

وبذلك ووفق هذا المنظور الجديد للدولة قد تم سحب البساط من تحت اقدام الملوك، وتفنيد حججهم التي كانت قائمة على اساس انهم يستمدون سلطانهم وسلطاتهم من عند الله وانهم يحكمون بإسمه، وبالتالي لا يحق لاحد محاسبتهم . بهذا اصبح مفهوم العقد الاجتماعي، هومن اهم الوسائل الفعالة لرفض مثل هكذا مزاعم مزيفة، واعتمادا على هذا التصور تم انكار الصفة الدينية التي كانت تحيط بالحكام والوصول الى حقيقة مفادها ان الناس ولدوا احرارا متساويين امام الله، وامام القانون الوضعي كلآ حسب مسؤوليته، والحقوق التي يتمتع بها والواجبات الملقاة على عاتقه، هذا الكلام ينطبق على الجميع، ومن ضمنهم الملوك فالكل سواسية .

رغم ان هذه الاسهامات للمفكرين كانت فردية ولم يشكلوا جماعة منظمة لدعم الديمقراطية ومحاربة الطغيان، الا انهم استطاعوا ان يدعموا هذا المنحى الديمقراطي، ويوجهونه الوجهة التي تعزز من هذا الفكر التنويري، الذي يبدد وينهي الى حد كبير جدا مسألة قيام الطغيان بإسم الدين، اوبأي ادعاء اخر مجددا كما في العصور الوسطى . فنحن نرى مونتسكيوكمثال على الرغم من دعمه للنظام الطبقي، وضرورة تمييز الافراد تبعا للنسب اوالثروة، الا اننا نجد له افكار مهمة ومؤثرة، على صعيد حث التوجه نحوالديمقراطية وانهاء الاستبداد، ومنها محاربة الرق وعدم القبول بالتصنيف الذي اوجده ارسطوانذاك فهويرى ان الناس جميعا ولدوا احرارا اضف الى مساهمته في ايجاد مفهوم الفصل بين السلطات والتي كان لها عظيم الاثر في انتاج نماذج حكم بعيدة كل البعد عن حصر السلطات بيد جهة واحدة تنذر بقيام طاغية.

ان بهذه الاسهامات المختلفة للمفكرين والفلاسفة استطاعت الديمقراطية ان تعمق من وجودها في وجدان المواطن وتعرفه بحقوقه وحرياته، وتجعله قويا في مواجهة الاستبداد الذي من الممكن ان يطل برأسه بين الحين والاخر، فمتى ما غاب الوعي، ساد الظلم والطغيان فالحكم الفاشي الذي كان يدعي نقاء الدم وعلوالمقام، والذي استخدم السلطة بتعسف، لخير واقع على عدم امكانية ديمومة هكذا فكر، يتسم بالعلوية واضطهاد الغير لذلك نراه قد خسر واندحر، فالشعوب ما عادت تؤمن بالخوف والخضوع، وخاصة تلك لها تاريخ حافل بالممارسات الديمقراطية .

اما على مستوى الشرق فالامر مختلف والظروف متباينة، فهناك من المفكرين من حاول ان يعزز من سطوة الحاكم المطلقة ويدعوالناس للتحمل، عسى ان يرحمهم الله ويلقي في قلبه الخير والرشاد، فنرى الطهطاوي يدعوالى طاعة ولي الامر حتى وان ثقل عليهم، فما عليهم الا الصبر وان يسالوا الله ان يرزقه بطانة اهل حكمة وشجاعة وعفة وعدالة، مستندا على قول سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ )، فهويرى ان حساب الحاكم على ربه وعدم خضوع الحاكم للحساب المادي من قبل الشعب، والذي قد يتمثل بإحالته للمحاكمة بل يحق لهم الحساب المعنوي فقط فهذا امر قائم لا اعتراض عليه !!! .

وهوليس الوحيد الذي يحمل هكذا فكر هزيل، فهناك على شاكلته وبطرح اشد عمقا، حيث نجد ابن الازرق يطرح رؤيته التي يقول فيها، ان جور الحاكم لا يسقط وجوب تقديم الطاعة له ذلك ان مفسدة عصيانه تتربى على مفسدة اعانته بالطاعة له !! ان هذه الافكار التي يتبناها هؤلاء المفكرين قد عكست الكثير من الافعال والسلوكيات الشاذة، والتي ادت الى التراجع والتدهور، حيث نجد ان الحاكم الطاغية يؤدي الى افساد الاخلاق لدى الرعية، ذلك ان اقوى ضابط للاخلاق، هوالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالنصيحة والتوبيخ، وهوفي عهد الاستبداد غير مقدور عليه، الا لقلة من ذوي المنعة، وهذه القلة لن تصنع ذاك الاثر الكبير، لذلك نرى تهاومستمر للاخلاق في عهد هكذا حكم .

وهذا ينسحب بأثره على الدين بكل تأكيد ايضا، فيؤدي الى افساده والذي ما ان اسقط عنه الاخلاق، حتى اصبح دينا خاويا لا يضر ولا ينفع لا بل يضر احيانا فقط . ليس ذلك فقط فأن وجود هكذا حاكم، يجعل الناس في عهده يغوصون في عالم من ظلمات الجهل والفقر, وانعدام العلوم والمعرفة والثقافة ايا كان نوعها، فليس من مصلحته ان تتنور الرعية ولكن لا بأس بالعلوم الدينية، وهذا يؤدي الى افساد التربية، لانه يظطر الناس الى الكذب والتحايل والخداع والنفاق لكن ورغم ذلك، نرى كما قلنا سلفا بعض المفكرين قد أيَد مسألة الرضوخ للحاكم وان اخطأ وعدم الخروج عليه على عكس غيرهم .

لكن بقبالة ذلك هناك قسم آخر منهم ممن ناهض الطاغية ولكن كلآ حسب وجهة نظره في كيفية الخلاص من هذا الجوالقاتم والمليء بالظلم والجور، فمنهم من كانت دعوته خجولة، تركن في الاصلاح والخلاص نحوالسير على دأب الجهاد على منهاج الحكمة، والعمل الطويل ولولعدة قرون كما يرى محمد عبده . وهنا قسم اخر كان اكثر تحمل، وشعور بالمسؤولية واكثر واقعية في نظرته للقضاء على الطاغية حيث كان يرى ان للرعية حق الثورة، فالافغاني كان يحمل فكرا يتسم بالثورية، لذلك كان ينقلب على كل حاكم يخيب امله فيه، وقد ساعدت مقاومته هذه على تقوية الحركات الدستورية، وهنا نجد تعارض كبير بين افكار الافغاني وتلميذه عبده، ولعل ابرز فكرة ناضجة بارزة للخلاص من الاستبداد والطاغوتية، هي تلك التي كان يحملها الكواكبي، فهوكان يتخذ وبالاستدلال بفكرة التوحيد ( لا اله الا الله )، حجة ضد الاستبداد الذي يعتمد على الطاعة العمياء لسيده، تلك الطاعة التي لا يستحقها الا الله، لقد كان الكواكبي يرى ان التغيير انما يبدأ بالتبشير والتوعية، والا لما سيتغير الحال بحال افضل وان تم الخلاص من الحاكم، فسيأتي اخر مثله . لذلك فالوسيلة الوحيدة لقطع دابر الاستبداد هوترقي الامة في الادراك والاحساس بمعنى اخر يتوجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يستبدل به .

والسنهوري يدعم هذا التوجه المعتدل فهوينظر للخليفة كأي حاكم في الاسلام، ليس ممثلا للسلطة الالهية ولا يستمد سلطانه من السيادة الالهية، وانما هويمثل الامة التي اختارته ويستمد منها سلطته المحدودة . اما بخصوص اغتيال الطاغية فأيضا الاراء منقسمة بين معارض ومؤيد، ولكن مما يثير السخرية هي تلك الاراء التي تعارض اغتياله رغم فسقه، لان الامام اذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه، ولا يجوز الخروج عليه لما يترتب من اثارة للفتنة ونهب للاموال وفعل الفواحش !، كأن كل هذه الافعال الشاذة المنحرفة لا تحصل اثناء حكم الطاغية !! .

من كل ذلك يتبين لنا ان جزء كبير جدا من المفكرين والفلاسفة كانوا يحملون افكار واراء، تدعم تسلط الطغيان بشكل وبآخر لذلك لم تستطع الافكار التي تخالفهم احداث اثر ظاهر في وعي الشعب، من اجل تعريفهم بحقوقهم وحرياتهم المسلوبة من قبل الحكام . هذا يجعلنا نسقط في المقارنات من اجل تبيان المفارقات، فالذي مر على اليونان قديما من مرحلة طغاة استمرت لاكثر من قرن, وما مر على اوروبا من قرون وسطى مظلمة، انما كانت حالات استثنائية وان طالت، فالاصل هوالحالة الديمقراطية سواءا البدائية منها اوالحديثة التي كان يعيشها الغرب، ما قبل وبعد هذه القرون .

هذا بالعكس مما موجود عند الشرق والعرب تحديدا فالحالة الديمقراطية التي عاشها العرب، اثناء بعثة الرسول والخلفاء الراشدين في جزء منها، ما كانت الا حالة استثنائية، فالاصل هي الحالة الشمولية التسلطية التعسفية، التي كان يعيشونها ما قبل وما بعد الرسالة الالهية، لذلك نجد ما عدا عهد الرسول والراشدين، كان العرب محكومين من قبل حكام جائرين ولم يقوى احد على الوقوف ضدهم، الا ما رحم ربي وهذا الذي كان يقف بوجه الطاغية من اسباب هزيمته المادية لانه قد ينتصر معنويا، اما ان يكون وحيدا اويكون مناصرا من قبل جمع قليل، لذلك قلما نجد ثورات شعبية بالمعنى الفعلي قد انتصرت ومن المهم ان نعي حقيقة مهمة، الا وهي ان الطاغية قد تغيرت اسباب بقاءه ففي السابق كان الطاغية يستمد وجوده من الدين، المتمثلة بالتفسيرات والروايات والاحاديث والنسب الشريف بالرسول، وتفصيل الوعاظ لكل قراراته اللباس الديني المؤيد والمسدد من عند الله، وهذه فترة زمنية طويلة قد اخذت من الرعية، على مر القرون كل مأخذ وعززت بالوجدان مفهوم الخوف والخشية، فأصبح متأصلا بالوعي واللا وعي . لكن بعد افول هذا الزيف الديني ولانعدام اثره الكبير، فقد حل محله سبب وكأنه اعظم مذ بدأ عصر الاستعمار، فبعد جلاؤهم من الاراضي المحتلة قاموا بتنصيب ملوك ورؤساء تابعين لهم، ومنفذين لاوامرهم حفاظا على مصالحهم وهذا يعني ان الاستعمار لم يختفي بل تغيرت صورته فلقد غادر وابقى ظله وذنبه.

فاصبح الطاغية معتمدا بقاءه في الحكم، على مدى تنفيذه لاوامر الدول المستعمرة، بمعنى ان الاسباب هي التي اختلفت، لكن النتيجة واحدة، فمن الاساطير والخرافات التي كانت تجعل الحاكم يبقى ابد العمر، الى الغطاء الديني المزيف، وحتى وصولنا الى واقع يجعل الحاكم الطاغية مؤتمرا بأمر اسياده الغرب، نعم لم يختلف الحال بقدر ما هومستمرا بالتخلف . فالشعب يعاني الويلات والمآسي من فقر وجوع وجهل وامية وانعدام وعي، في حين الحاكم وطغمته بلذات الدنيا ونعيمها منغمسون، ولا مناص من الخلاص.

لذلك نجد اغلب العامة قد وكلوا امرهم الى منقذ عسى ان يأتي يوما !، ولعلها فكرة مزيفة افيونية قد قام عليها اصحاب الدين المزيف ورجالاته التجار واقرانهم الحكام، من اجل جعل الامر يمر على الناس اهون، واقل احساس بالجزع والثبور، لان هذه الفكرة الافيونية تدعوهم لعدم التفكير بهذه الحياة الدنيا، لانها منتهية فانية، وغدا بعد الموت سيظفرون بكل اشكال الراحة من خمر وحور عين !!، انها طريقة الخلاص الوحيدة حيث لا خلاص والتي يؤمن بها معظم الناس ايمانا عميقا . وكأنهم مجبولين على حكم الطاغية فبدونه لا يعرفون قيمة العيش !!! .

باحث سياسي عراقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here