في ظل سباق المبادرات المقدمة لتأمين الملاحة في الخليج.. هل  تذهب المنطقة إلى تدويل الحماية أم إلى اعتماد الرؤية الايرانية؟

الدكتورة حسناء نصر الحسين

عديدة هي العوامل التي أدت إلى تحويل منطقة الخليج الى ساحة توتر وتصعيد دولي، لكن يبقى الحضور الأمريكي العسكري منه على وجه الخصوص هو العامل الرئيسي الذي انبثقت منه بقية العوامل، ولهذا الحضور تاريخه الذي يبدأ من حرب اكتوبر 73 والذي اُستخدم فيه النفط لأول مرة كسلاح في وجه الولايات المتحدة الامريكية بجانب سلاح المضايق المائية والتي اُغلقت أمام ناقلات النفط، مما اعتبره الامريكيون تهديداً خطيراً لمصالحهم يفرض عليهم اتباع استرايتجية جديدة تضمن لهم عدم المساس بمصالحهم الموجودة في منطقة الخليج وفي صدارتها أمن الكيان الاسرائيلي وحركة النفط التجارية، وهذا الأمر جرّ وراءه ما تراه امريكا ضرورة حتمية لتحقيق تلك الاستراتيجية وهو حماية الانظمة المحتضنة لتلك المصالح الامريكية والمتمثلة بالانظمة الخليجية .

العديد من الاحداث في المنطقة كانت مفتعلة أمريكياً وتصنف ضمن قوائم الذرائع الامريكية وصناعة المبررات لتهيئة الحضور العسكري الامريكي  الكبير في المنطقة، ومن أبرز تلك الاحداث هو انهيار الاتحاد السوفيتي وصناعة الإرهاب وما ترتب عليه من حروب امريكية بدأت بافغانستان والعراق وصولاً الى سوريا، لتتوالى الاحداث بالشكل الذي هيأ لامريكا الحضور العسكري في مناطق ودول عدة في المنطقة، من هنا بدأت منطقة الخليج باحتضان القواعد العسكرية الامريكية بذلك الكم الهائل، لتتحول تلك القواعد الى منصات استهداف للدول التي لا تتماهى مع الرؤية الامريكية وتنتهج خطاً مغايراً لامريكا، ومن الاحداث التي عززت الحضور الامريكي في الخليج هو سقوط نظام شاه ايران وانتصار الثورة الاسلامية الايرانية، بما دفع الانظمة الخليجية وعبر الخوف الغير المبرر الى التصالح مع فكرة أنّها لا تستطيع الدفاع عن نفسها بمفردها، وأنها بحاجة إلى قوة أكبر تحتمي خلفها، عسكرة هذه الدول ووجود العديد من القواعد العسكرية الامريكية الضخمة، أحدث العديد من المتغيرات الكبرى في هذه المنطقة، دفعت المنطقة لأن تتحول الى بؤرة للتوتر والتصعيد الدولي، كل هذا تحت عناوين أمريكية عدة في مقدمتها الوضع المالي والاقتصادي المنحسر لأمريكا، والذي دفعها لتوظيف وجودها في منطقة الخليج عبر جباية ما تعتبره حماية أمريكية لأنظمة هذه الدول، وهذا ما يصنعه الرئيس الامريكي دونالد ترامب في المرحلة الراهنة .

كل ماسبق يقدم رؤية واضحة عن وضع الملاحة الدولية في الخليج ..كيف كان قبل الحضور الامريكي والى اين صار بعد هذا الحضور ؟

القول بأن الحضور العسكري الامريكي بالشكل الذي أسست له في منطقة الخيلج، شكل التهديد الأكبر لأمن الملاحة الدولية في هذه المنطقة هو صائب، وليس ببعيد الحلم الأمريكي الكبير والذي أعلن عنه قائد القوات البحرية الامريكية الادميرال ألفريد ماهان في العام 1840م .

جملة من الأزمات التي افتعلتها امريكا في المرحلة الحالية، شكلت سبباً رئيسياً لأن تتعرض الملاحة الدولية في منطقة الخليج إلى تهديدات في أمنها، فانسحاب امريكا من الاتفاق النووي مع ايران وما تلى ذلك من انتهاج سياسة العقوبات على طهران دفع ايران الى استخدام ما لديها من اسلحة يجيزها القانون الدولي من ذلك التهديد باعلان مضيق هرمز بعد الحديث الامريكي عن تصفير صادرات النفط الايرانية، وكذا الحرب والعدوان على اليمن والذي جاء بضوء أخضر أمريكي ودعم واسناد امريكي بريطاني اسرائيلي وبتنفيذ عبر حلفاء امريكا الاقليميين ( السعودية والامارات )، ليخرج تحالف الحرب على اليمن بعد خمس سنوات بهزيمة مدوية، أوصلت السعودية ومن وراءها امريكا واسرائيل الى البحث عن الأمن والذي فقدته بعد أن وصلت الصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية الى عمق عاصمتها الرياض، لتبقى ضربة أرامكو القشة التي قصمت ظهر امريكا قبل السعودية، وليس من الغريب بعد خمس سنوات عدوان وحصار مستمرين حتى كتابة هذا المقال على هذا البلد العربي المسلم أن يذهب بتهديداته في الحالة الانسانية التي أوصلها اليه هذا التحالف العدواني بأن يرفع ورقة التهديد بإغلاق باب المندب وضرب مصالح كل من تلطخت يداه بدماء هذا الشعب .

من هنا تشكل مشهد التهديدات لأمن الملاحة الدولية في منطقة الخليج، ليُحيل الامريكي تأمين هذه الملاحة الى ورقة ابتزاز للاطراف الدولية الكبرى، والتي لم تقبل بالوضع القائم على التهديد لأهم الممرات المائية الدولية في العالم وهما مضيق هرمز ومضيق باب المندب، أمام هذا  المشهد يواصل الامريكي النفخ والتضخيم بما بات يسمى فزاعة ايران في وجهة الأنظمة الخليجية ، حاصداً المزيد من مليارات الدولارات ضمن منظومة الحماية الامريكية لتلك الأنظمة التي باتت تخشى على نفسها من الخذلان الامريكي .

من المسلمات التي لا يتم الأخذ بها خاصة من قبل الأمريكيين هو أن أمن وسلامة الممرات المائية الدولية وهذا الفضاء المائي هو من أمن الدول الواقعة في مجالها الحيوي وأنه لن يتحقق إلا بأمن واستقرار الدول الواقعة في مجالها الحيوي والاقليمي، ولذا فالحديث عن مباردات وصناعة تحالفات تُعنى بتأمين الملاحة الدولية في الخليج لا معنى ولاقيمة لها بدون صناعة الأمن والاستقرار في الدول الشاطئية والساحلية الواقع على هذه الممرات المائية الدولية، والذهاب إلى أي مبادرات دولية في سياق تأمين الملاحة الدولية في الخليج دون التفكير في تحقيق الأمن والسلام بين دول هذه المنطقة هو ضرب من السخافة، ونوعٌ من أنواع العبث .

في هذا الجو المشحون بالتصعيد تتوارد المبادرات وتصنع التحالفات ، فالولايات المتحدة الامريكية سارعت الى ما تراه  تحالفاً دولياً أسمته بالحارس برؤية ومقاييس أمريكية من أجل ما تصفه بتعزيز جهود تأمين المياه الاستراتيجية قبالة إيران واليمن، والذي فشلت فيه أمريكا فشلا فاضحاً في تشكيله حتى الآن، ومن خلفيات هذا  الفشل هو غياب القدرات العسكرية البحرية لدول الخليج واقتصار المساهمة في التمويلات المالية وجوانب المراقبة، لتكون أولى المبادارت في سياق تأمين الملاحة في الخليج هي المبادرة الامريكية، ومقابل هذا الفشل الأمريكي تأتي مبادرات من أطراف دولية أخرى كروسيا وإيران وبريطانيا، فالمبادرة البريطانية طُرحت بمقاييس أوروبية واغفلت كل الاطراف الدوليين الآخرين، مما يعني حصر المبادرة في صناعة تحالف أوروبي وتدويل تأمين الملاحة أوروبياً وهذا يضعها في خانة الرفض الدولي، أما المبادرة الايرانية والتي تحمل تسمية هرمز للسلام فحواها أن أمن الخليج عامة ومضيق هرمز خاصة، من مسؤولية الدول التي تنضوي مبدئياً  تحت لواء مجلس التعاون الخليجي إضافة الى إيران، مع إمكانية ضمّ اليمن متى توقَّف العدوان السعودي على هذا البلد، وتفردت المبادرة الايرانية بتجاوز تدويل الحماية للملاحة في الخليج ووضع المسؤولية على الدول الشاطئية للممرات الدولية والبحار المرتبطة بها، وهذه الرؤية الايرانية تستند الى الموقف الايراني الرافض لتدويل الحماية للملاحة الدولية في الخليج، باعتبار أن ما أوصل الوضع الى حالته الراهنة من التوتر والتصعيد الدولي في مياه الملاحة الدولية في هذه المنطقة هو التواجد الامريكي الغربي الغير مشروع والذي تسعى  المبادرتين الامريكية والبريطانية الى تكريسه، لتختم روسيا هذا التسابق الدولي في طرح المبادرات المتعلقة بمقترحات تأمين الملاحة في الخليج، وخلاصة المبادرة الروسية إنشاء منظمة للأمن والتعاون بالخليج تشمل الدول الإقليمية وروسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، وغيرها من الأطراف الدولية المعنية بصفة مراقبين أو أعضاء منتسبين، وما تفردت به المبادرة الروسية هو الإشارة إلى ضرورة إطلاق حوار تدريجي حول تقليص الوجود العسكري الأجنبي بالمنطقة، ووضع تدابير مشتركة لبناء الثقة بين دول الخليج ودول أخرى، مع إحراز تقدم في إنشاء هيكل نظام أمن خليج ، وهو الأمر الذي لن يلقى له ترحيب ولا رضاً امريكي وغربي .

تظل كل المبادرات المطروحة داعية لتدويل حماية الملاحة الدولية في منطقة الخليج بما يعني المزيد من الحضور الدولي بأشكاله العسكرية وغير العسكرية الى هذه المنطقة، فيما عدا المبادرة الايرانية التي ترتكز على فكرة عدم التدويل لتأمين الملاحة في المنطقة واعتماد الدول الشاطئية المعنية بتأمين الملاحة في هذه المنطقة على نفسها، ومع ما تحمله المبادرة الايرانية  من رسائل سلام لجيرانها تضع للعالم فرصة الخروج من مشهد التصعيد الحاصل في الخليج عبر اعتماد الرؤية الايرانية والتي لا تصادر حق الجيران بالمشاركة في الحماية وحق الآخرين بالمرور الآمن .

علاقات دولية – دمشق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. أتفق مع ما طرحتي دكتواره لكن يظل التعاون الاقليمي في سياق صناعة تكتل اقليمي ممثل بدول الشاطئ الساحلية للمضايق وما يربطها من بحار يتعارض مع الرغبة والمصالح الكبرى للدول الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا وهذا يعني صعوبة إن لم يكن استحالة تحقق ذلك التعاون مما يعني بقاء حالة التوتر والتصعيد كوضع تفرضه الاطماع الاستعمارية المستدامة إن صح التعبير .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here