في “سوق الحلال”.. مسنّة بغزة تعتاش من تجارة المواشي

غزة- الأناضول-ببطءٍ شديد يمرّ الوقت على السيدة سهيلة النجار (61 عاما)، وهي تجلس برفقة زوجها حول عددٍ من رؤوس الغنم داخل سوق “الحلال”. تنتظر مرور مشترٍ راغب باقتناء إحداها، لتتفق وإياه على سعرٍ للبيع يوفر لها هامش ربح جيد.

صباح كلّ يوم أحد تكون الستينية، جاهزةً للنزول لسوق المواشي الأسبوعي الذي يعقد داخل بلدة عبسان الحدودية الواقعة إلى الشرق من محافظة خانيونس جنوبي القطاع، لتقف بين التجار الذين تعودوا على وجودها وخبرتها في التعامل.

** تفاصيل العمل

وتروي لمراسل الأناضول أنّها ومنذ بداية وصولها، تقضي وقتاً في مراقبة الأسعار والأصناف المعروضة، ثمّ تحدد ما تريد شراءه بالضبط، وتبدأ بمفاصلة البائعين حتّى تحصل عليه بمبلغٍ مناسب يوفر لها هامش ربح إذا ما رغبت بالتجارة به.

وفي حال كانت هي البائعة، تشير إلى أنّها تقف وسط السوق وحولها الأغنام، وتبدأ بعرضها على كلّ الأشخاص المارين، من خلال المناداة بكلماتٍ محفزة على الشراء، وتستمر هكذا حتّى تتم عملية البيع، أو ينتهي وقت السوق ويغادر الناس.

وتسرد: “بدأت هذا العمل منذ أربعين سنة، والأيام الخالية كانت وفيرة وخيرها لا حدود له، إذ أنّ أفراح الناس التي تحتاج لذبائح كانت كثيرة، وعلى عكس ذلك اليوم، فأحياناً تمرّ أسابيع طويلة، لا يكون فيها بيعٌ ولا شراء”.

وأحسن أيام العام بالنسبة للنجار، هي السابقة لعيد الأضحى، وتوضح أنّها تقضي السنة كاملة تربي أغناماً ومواشي خاصّة لتلك الأيام، التي يمكن أن تعوضها عن كلّ الأوقات التي تعرضت فيها لخسارة خلال السنة.

وتذكر أنّ عملها، هذا جاء بالدرجة الأولى، لأجل مساعدة أبنائها في إتمام حياتهم وتوفير المستلزمات الأساسية لهم، إلى جانب زوجها الذي يعمل فلاحاً في أرضه الواقع على مقربة من الحدود الإسرائيلية.

** مهنة موروثة

واستمدت الستينية حبّ تربية المواشي والطيور من والدها، الذي عمل في فترةٍ كتاجرٍ للأبقار ولحّام في سوق خانيونس المركزية، وتضيف: “كنت أرافق وأبي وأنا طفلة صغيرة، وأحلب الأبقار، وأبيع الحليب والأجبان الطازجة للجيران والسكان”.

في السادسة عشر من عمرها تزوجت السيدة، ومنذ ذلك الوقت قررت العمل فعلياً في التربية والتجارة، ووجدت تحفيزاً عالياً من زوجها، ومحيطها، كونها تعيش في منطقةٍ ريفية حدودية.

وعن الأسعار، تتحدث النجار أنّها تتفاوت بين الفترة والأخرى، بحسب العرض والطلب في السوق، ففي أيام الأعياد والمناسبات ترتفع الأسعار، ويصل سعر رأس الغنم الجيد لحوالي 350 دولار أمريكي، وفي الأيام العادية ينخفض ليصل لـ 300 أو أقل، وفقاً لكلامها.

وتنوه إلى أنّ أهل قطاع غزة في السنوات السابقة للانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انطلقت عام 2000، كانوا لا يشترون اللحوم المثلجة إلّا نادراً والمعظم كان يفضل الطازجة طالما امتلك المال الكافي.

وتلفت إلى أنّ الوضع اليوم تبّدل، وصار من النادر شراء اللحم الأحمر الطازج لدى الكثيرين، وذلك بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الناس، نتيجة الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم منذ عام 2006م.

“الإدارة الجيدة هي سر النجاح في العمل”، قالتها السيدة المُكناة بأم أنس بينما كانت تتناقش مع أحد رواد السوق حول أحد رؤوس الغنم، وتكمل: “أختار الأوقات المناسبة للبيع والشراء، وأهتم بتربية المواشي، حتّى أحقق الربح الجيد”.

** تأثيرات التطور

وعن تأثير التطور في الحياة على مهنتها التي صار الناس في غزة يصنفوها على أنّها من الأشغال البدائية القديمة، تقول: “المعظم اليوم يشترى الأجبان الجاهزة، واللحوم من المحلات بأكياسٍ مغلفة، والألبان كذلك”.

وتتابع: “ذلك كله قلل من معدلات البيع لديّ، فمن بقي مداوماً على الشراء، هم أبناء الجيل القديم الذين عاصروني في بداية عملي، ويعرفون جيداً جودة منتجاتي”.

ولدى الستينية خمسة أبناء يعانون من إعاقةٍ بصرية، وتؤكّد أنّهم يتطلبون احتياجات خاصّة كثيرة ومكلفة مالياً، وما كانت لتقدر على توفيرها لو لم تكن تمارس العمل في هذه المهنة

وتبيّن أنّها تخصص جزءاً من بيتها لتربية المواشي، وآخر لإعداد المنتجات المشتقة من الحليب، ويساعدها في عملها زوجها وأبنائها غير المكفوفين.

وتستطرد أنّ مهنتها صارت مع الوقت جزءاً من حياتها وتعوّدت عليها، ولا تتخيل يوماً أنّ أمراً ما سيمنعها عنها.

وتختم “أَلفت الشقاء والتعب، وصار نمط عيش بالنسبة لي، وما أرغب في تحقيقه في هذه الحياة، هو توفير حياة أفضل لأبنائي، وأتطلع كذلك لرؤية أهل غزة بحالٍ أفضل، دون حصار وإغلاق وقطع أرزاق”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here