في سبيل عقد وطني جديد وواعد

الأستاذ علي بن فليس

إن ما نُجْمِع عليه كلّنا هو أن بلدنا يواجه أزمة نظام بكامل أركانها ومواصفاتها وأبعادها السياسية والمؤسساتية والدستورية. فبُعدها السياسي يتجلى في عزم الشعب على إسقاط النظام القائم واستبداله بنظام سياسي جديد. وبعدها المؤسساتي يؤكده افتقاد المؤسسات السياسية القائمة – من رئاسة دولة ومن حكومة ومن مجلس وطني شعبي ومن مجلس دستوري- افتقادها للحد الأدنى من الصدق والمصداقية والشرعية والثقة إلى درجة أن هذه المؤسسات لم تعد قادرة على ضمان السير الحسن للدولة، وأنها لم تقو على الإسهام، ولو بالقسط القليل في حل الأزمة الراهنة. وأخيرا، يظهر البُعد الدستوري للأزمة في تعطل أسمى قانون للجمهورية عن تقديم وصفة علاجية فعالة أو عرض تدابير ناجعة يمكن اللجوء إليها والتعويل عليها لتسوية الأزمة القائمة تسوية سريعة ونهائية.

لم تنبثق أزمة النظام هذه بأبعادها الثلاثة – السياسية والمؤسساتية والدستورية – من العدم. وهي ليست حادثة حوكمة عابرة كالتي يمكن أن تتعرض لها حوكمة أي دولة أخرى. و ليست اختلالا محدودا في نظام حكم كالذي يمكن أن يصاب به أي نظام حكم في بلد آخر.

إن الخاصية الكبرى للأزمة التي يعيشها البلد تكمن في الطابع المنظوماتي الأكيد.  والأمر يتعلق، حقا، بانهيار منظومة حكم بأكملها. و بالفعل، فإن منظومة الحكم هذه قد بُنيت على رمال متحركة وشيدت على جرف هار، وبمجرد أن سقط رأس الهرم تداعى الهرم كله بالانهيار. واليوم، انكشف المستور وظهر للعيان أن البلد لم يكن له بتاتا منظومة حكم، ولم يكن له نظام سياسي، ولم يكن يتمتع بحوكمة دولة، فالعشريتان الماضيتان كرستا ابتكار نمط تسيير وطريقة تصرف في شؤون الدولة مُخالفين لكل المراجع والقواعد والأعراف السياسية والدستورية المعروفة عالميا.

إن إرث شبه النظام السياسي الذي ابتلي به البلد شر البلية ثقيل وثقيل جدا، ويشبه إلى حد بعيد ما تخلفه حروب حقيقية من خراب ودمار وتأخر، فهو الذي صحر المشهد السياسي، وحول الفضاء الاقتصادي إلى أنقاض. و هو الذي صيّر المشهد الاجتماعي إلى مواطن للهشاشة والفقر والغبن والحرمان.

لن يرحم التاريخ شبه النظام هذا، وسيسجل عليه أنه خان أمانة شعب وغدر بثقة أمة وعبث أيما عبث بحرمة ومصير دولة أعادها أهلها إلى الحياة بأبهظ الأثمان وأجسم التضحيات. فالكارثة السياسية والدمار الاقتصادي والخراب الاجتماعي هي المخرجات الحقيقية لتركة شبه النظام السياسي هذا. وهي التركة التي وضعت البلد كله في سباق ضد الساعة لاحتواء الأزمة السياسية ومعالجتها على أحسن وجه، ولمنع تفاقمها بتلاقيها بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تلوح في الأفق، والتي يزداد احتدامها مع مرور كل يوم.

لقد دخلت الأزمة السياسية شهرها السادس؛ لأن كل الفرص التي أتيحت لفضها لم تستغل في وقتها على أحسن وجه، و لأن الانسداد السياسي – الدستوري بات عصيا أمام المقاربات والمبادرات، ولأن المؤسسات السياسية القائمة – كما كان متوقعا – لم يكن بوسعها ولا في مقدورها التكفل بالأزمة ومعالجتها على النحو المطلوب.

لقد حان وقت تدارك ما فات عنا من وقت وما فوتناه عن أنفسنا من فرص، ولا يمكن الجزم بأن الانفراج قد حصل، لكن ملامحه وبوادره بدأت تتشكل بصفة لا يمكن التقليل من شأنها. ومن بين هذه الملامح والبوادر التي تُستبشر فيها إمكانية تجاوز الانسداد السياسي الدستوري الحاصل وشق الطريق القويم نحو تسوية سريعة ونهائية للأزمة هناك الرسالة الموجهة إلى الأمة يوم 3 يوليو الجاري، وهناك الأرضية التي تقدم بها المنتدى الوطني للحوار في السادس من نفس الشهر، وهناك مقترح المنتدى المدني للتغيير الذي عرض تشكيلة ممكنة لمجموعة الشخصيات الوطنية التي تُعهد إليها قيادةُ و تسيير الحوار الوطني المنشود.

صحيح أن الرسالة الموجهة إلى الأمة قد غضت الطرف عن عدد هام من المشكلات الخلافية، وصحيح أيضا أنه لا يمكن اعتبارها قاعدة كاملة ومكتملة للحوار، وصحيح كذلك أنها تضمنت الكثير من اللبس والغموض حول إشكاليات جوهرية تقتضي المزيد من الدقة والوضوح. غير أن هذه الرسالة الموجهة إلى الأمة جاءت بجملة من التغييرات يتوجب تسجيلها. فهذه الرسالة حوت تعهدا برفع أيدي المؤسسات القائمة عن الحوار الوطني كلية، وضمت التزاما بوضع الحوار تحت قيادة وتسيير مجموعة من الشخصيات الوطنية ذات الاستقلالية والمصداقية، وتجاوبت مع المطلب القاضي بإحداث سلطة يعهد إليها تسيير كل المسار الانتخابي الرئاسي تحضيرا وتنظيما وإشرافا ومراقبة، وتكيفت مع المطلب الآخر المتمثل في تعديل التشريع الخاص بالنظام الانتخابي. وأخيرا، اعترفت بحق الحوار الوطني في تناول و معالجة كل الشروط – بما في ذلك الشروط السياسية – الواجب توفيرها من أجل ضمان النجاح للاستحقاق الرئاسي القادم.

تُملي الواقعية والموضوعية واجب ملاحظة تقاطع مضمون الرسالة الموجهة إلى الأمة مع عدد من مطالب الثورة الديمقراطية السلمية التي ركزت عليها الأرضية الصادرة عن المنتدى الوطني للحوار. وتتمثل نقاط التقاطع هذه في تخلي المؤسسات القائمة عن قيادة وتسيير الحوار الوطني ووضعه تحت الإشراف الحصري لمجموعة من الشخصيات الوطنية، وإقامة سلطة مستقلة وذات استقلالية كاملة تُعهد لها دون سواها قيادة سائر العملية الانتخابية الرئاسية، وكذا تعديل القانون الانتخابي في كل تدابيره المتعلقة بالاستحقاق الرئاسي.

من جهته، وفي بحر الأسبوع الماضي بادر المنتدى المدني للتغيير باقتراح قائمة من الشخصيات يمكن أن تتولى المهمة النبيلة والتاريخية المتمثلة في قيادة وتسيير الحوار الوطني. إنني أرحب شخصيا بهذا الاقتراح البناء والمسؤول وذلك لعدة اعتبارات:

ـ الاعتبار الأول: هو أن هذا المقترح جاء في وقته المناسب لإعطاء طابع عملي يُسهم في إعداد العدة لانطلاقة فعلية للحوار الوطني،

ـ الاعتبار الثاني: هو أن هذه المبادرة تتسم بالشجاعة السياسية والجرأة الأدبية في زمن يسوده الطعن في النوايا وزرع الشكوك والتخوين من دون وجه حق. أقول قولي هذا، لأنني مثلكم لاحظت أن بعض الوسطاء الاجتماعيين قد نصبوا أنفسهم، وبصفة لاغية وباطلة، مراكز للاستقصاء والتحريات، وأصبحوا يوزعون التهم وينطقون بالأحكام. وما اعتبرت أن رؤوسا قد أينعت إلا وسارعت لاقتطافها،

ـ الاعتبار الثالث: هو أن لكل واحد من هذه الشخصيات المقترحة رصيد وطني ومسار شخصي ومؤهلات أكيدة، وهي كلها عوامل تجعلها أهلا للثقة الموضوعة فيهم وبالمصداقية المعترف بها لكل واحد منهم،

ـ الاعتبار الرابع: هو أن هذه الشخصيات المقترحة كانت دعما للثورة الديمقراطية السلمية، وهو ما يضمن أنها ستضع الحوار الوطني في إطاره الطبيعي المتمثل في تلبية المطالب والاستجابة للتطلعات الشعبية العادلة والمشروعة.

مع تأكد هذه البوادر وثبوت هذه الملامح إن حصلت، ومع بداية تجسد وعودها إن حدثت، يمكن أن يجد الحوار الوطني لنفسه قاعدة انطلاق. ولكن قاعدة الانطلاق هذه لا تكفي لوحدها؛ فالحوار الوطني بحاجة ماسة لتنقية الأجواء وبناء الثقة وتبديد مواطن الشك والتشكيك والريب والارتياب. فلا بد من إجراءات وتدابير للتهدئة والتطمين. وهذه الإجراءات والتدابير المطلوبة بإصرار وإلحاح معروفة، فهي تنطوي على إخلاء سبيل المعتقلين من الثورة الديمقراطية السلمية، والكف عن عمليات المضايقة التي تتعرض إليها، واحترام حق التظاهر وإبداء الرأي والتعبير والسماح للنشطاء السياسيين بحضور اللقاءات والجلسات المخصصة لمناقشة أوضاع البلد وتقديم وجهة النظر فيها، و فتح المجال السمعي البصري على محيطه السياسي.

لقد أضحى الحوار الوطني أكثر من خيار وأبلغ من حاجة. فهو اليوم ضرورة حيوية تكمن فيها المصلحة العليا للوطن. فلا بديل لنا ولا ملاذ ولا منفذ لنا غيره.

إننا اليوم أقرب إلى عتبة حل الأزمة مما كنا عليه في أي وقت مضى. وشروط وظروف تخطي هذه العتبة في متناولنا أكثر مما كانت في كل المراحل السابقة. فالحوار بداية مشوار و ليس نهايته. وإن أحْسنا التقدير والتصرف والتدبير، فسينطلق الحوار الوطني وسيأتي بثماره اليانعة، وسينتج عنه شق الطريق نحو تسوية مرضية ونهائية ومريحة للأزمة. وحينها سيُواجه البلد التحديات الحقيقية التي تنتظره وتحمله ثقل إرث النظام السياسي القديم الواجب التخلص منه. وسيكون التخلص من هذا الإرث الثقيل في منتهى الصعوبة والتعقيد. فهناك منظومة حكم برمتها يتوجب عصرنتها، وهناك نموذج اقتصادي يجب تسليح البلد به لضمان نموه وتطوره، وهناك منوال اجتماعي يتوجب إرساء قواعده لتمكين شعبنا من سبل الرفاهية والازدهار والهناء.

هذا هو معنى ومضمون وعلة وجود العقد الوطني الجديد الذي يليق بشعبنا، ويرقى إلى مستوى طموحات أمتنا ويستجيب لمقتضيات الدولة الديمقراطية والاجتماعية التي لم يختم ولم يطو كتابها.

(*) ـ رئيس حكومة أسبق، ورئيس حزب “طلائع الحريات” ـ الجزائر

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. نعم أوافق في كثير مما تفضلت به و خاصة الحوار الصريح و البناء و كل الاجتماعات تصب في هذا الاتجاه و الكل ينصب شخصيات مستقلةوطنية و نزيهة و أحيانا تذكر بعض الأسماء و هي الأكثر و ترشح لقيادة الحوار الذي تهدف السلطة الحالية بعدم تدخلها فيه الا ان الأشكال الذي وقعنا فيه هو رفض هولاء الشخصيات الوطنية رفضا تاما المشاركة في قيادة الحوار المنتظر و الذي طال انتظاره .إذا كانت النخب و الشخصيات الوطنية لا تملك الشجاع لقيادة المرحلة و لا حتي بذل الجهد لإنقاذ البلد من الانزلاق الي المجهول فهذه هي الطامة الكبري .أن معظم الشخصيات التي تحدث عنها منتدي الحوار و ندوة المجتمع المدني ترفض المشاركة في لجنة الحوار و الوساطة .فما العمل إذا.

  2. الرمال المتحركة التي بني عليها الحكم كنت يا ىأستاذ احد الاشخاص الذي وضع هذه الرمال المتحركة وشيد النظام البوتفليقي على جرف هاري انتم احد الاعمدة التي اوصلت بوتفليقة الحكم وكنتمومن بين الذين ساهموا بقسط كبير في وصوله الى السلطة واول شخص قد يسأل عن تأسيس النظام على رمال متحركة وجرف هار هو الذين ساهموا في الحملة الانتخابية لوصول العصابة الى سدة الحكم واول شخص يحاسب هو رئيس الحملة او الرأس المدبر ،من هنا ظهرت الرمال المتحركة التي اسس عليها النظام ،التلون بالالوان لا يحول الاسود الى الابض. ولن يبض وجوه مسودة ،الجزائريون لن ينسو أبدا من وقع اول قرار في تاريخ الجزائر يمنع التظاهر في العاصمة ،،

  3. ____ التصريح الموقف الذي يعاد التذكير به من عديد المحللين و السياسيين المتابعين للشأن هو كلام الراحل عبد الحميد مهري الذي قال / ’’ بهكذا حياة سياسية فإن النظام سيبحث غدا عن معارضة تتمتع بمصداقية الشعب و لن يجدها ’’ . كلام نعيش حقائقه و نتائجه و كأن المعني قرأ المستقبل جيدا . تشكيلة المنتدى المدني لن تسلم من هكذا تصور ، و الراسخ في الاذهان أن كل شخصية وراها محرك آمر و ناه .. إنه حساب المصالح ، و يخطئ من يعتقد بأن أوراقه هي الرابحة ، الحوار ليس أوراق ، بل واجب وطني و أكتفي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here