في ذكرى الهزيمة: قصيدة نزار قباني “هوامش على دفتر النكسة” هل يعاقب النازف على نزيفه؟

 nouha-khalaf-new

 

 

د.نهى خلف

في عالم يشوبه الظلام و أصوات القنابل  الغارات و الضجيج المزعج ، على الباحث و الكاتب و الشاعر العربي االيوم ألا ينسي ولا يمحو عن الذاكرة التاريخ العربي الأليم و كلمات و أشعار من سبقوه، قبل ان يقفز في محاولات  بعضها كاريكاتورية تهدف فقط إضافة صوت جديد لا يقول شيئا جديدا، بل ربما يكتسب شيئا من الشهرة أو المال، مقابل الرقص فوق جثث الشعوب.

إن ما أصاب العالم العربي منذ عام 1967 يوضح أن المثقفون العرب  و النخب الفكرية و السياسية لم تستوحي العبر من المفكرين و الشعراء السابقين . فعلى الإنسان الذي ينتمي إلى هذه المنطقة المذبوحة منذ عقود و الذي يقف  اليوم على هوامش التاريخ،  أن ينبش في تاريخ المأساة عبر الوثائق و الكتب   وأن لا يكون ذيلا منساقا خلف صرخات الإعلام العربي الذي  ينتعش  ماليا على أصوات القنابل و الغارات ليصنع”نجوم إعلامية جديدة” و يلتقط من يريد ان يلتقط من فئة ‘المحللين الجدد”  و من بين”المعارضين الجدد”  المنتظرون على الأرصفة  في طوابير و  قوافل العاطلين على العمل  من أجل حشو البرامج  المكلفون بها  الإعلاميون مقابل مبالغ هائلة . فاليوم يضاف الى أصوات الموت و القنابل  أصوات بعض المحللين و المذيعين لتزداد الصورة بشاعة و يزداد الصوت نشازا ، حتى أصبحت بعض  الأصوات ألمزعجة تعمل و كأنها حليفة و شريكة في الدمار وأصبح المتفرج و المستمع يبحث  عن برامج و مقالات لا لكي يستفيد أو يفهم أي شيء، بل لكي يشطبها أو يلغيها أو يرميها  في المزابل المكدسة في الشوارع.

     في عالم ما بعد الحداثة لا نسمع شيء جميل و لا يطرح شيء بديل و لا صوت عذب  و علينا أن نحاول أن ننبش  بين الأنقاض عن  أصوات  البلابل الصادقة .

ففي الذكرى المأسوية التاسعة و الأربعون لنكسة  عام 1967  وجدنا من الأهمية الإشارة ليس فقط إلى قصيدة نزار قباني النقدية للوضع العربي الذي أدي الى النكسة :”هوامش على دفتر النكسة ” بل أيضا على الرقابة التي فرضت على قصيدته حيث منعت من دخول مصر، مما أدى بنزار قباني إلى توجيه رسالة  لبقة إلى الرئيس جمال عبد الناصر,

فقبل الإشارة الى  بعض النقد الوارد في قصيدته نري من الضروري إعادة  نشر الرسالة التي سجلها نزار قباني بصوته الجميل قائلا :

سيادة الرئيس جمال عبد الناصر،

في هذه الايام التي أصبحت فيها أعصابنا رمادا و طوقتنا الأحزان من كل مكان يكتب إليك شاعر عربي

 يتعرض اليوم من قبل السلطات الرسمية في  الجمهورية العربية المتحدة  لنوع من الظلم لا مثيل له في تاريخ الظلم، و تفصيل القصة: إنني نشرت في أعقاب نكسة الخامس من حزيران قصيدة عنوانها ‘هوامش على دفتر النكسة’أوضعتها خلاصة ألمي و تمزقي وكشفت فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي العربية لاقتناعي إن ما  انتهينا إليه لا يعالج بالتواري و الهروب و انما بالمواجهة الكاملة لعيوبنا و سياستنا و إذا كانت صرختي  حادة و جارحة و أنا اعترف إنها كذلك لأن الصرخة تكون بحجم الطعنة ولأن النزيف يكون بمساحة الجرح ،من منا يا سيادة الرئيس لم يصرخ بعد خمس حزيران؟

من منا لم يخبش السماء بأظافره؟ من منا لم يكره نفسه و ثيابه و  ظله على الأرض؟ إن قصيدتي كانت محاولة لإعادة تقييم أنفسنا كما نحن بعيدا عن  التبجح و الموالاة و الانفعال و بالتالي  كانت محاولة

لبناء فكر عربي جديد  يختلف بملامحه و تكوينه عن فكرما قبل خمس حزيران انني لم اقل اكثر مما قاله غيري  و لم اغضب أكثر مما غضب  غيري و كل ما فعلته انني

صغت بأسلوب شعري ما صاغه غيري بأسلوب سياسي أو صحفي و إذا اسمح لي أن أكون أكثر وضوحا و صراحة ، قلت إنني لم أتجاوز نطاق أفكارك في النقد الذاتي يوم وقفت بعد النكسة تكشف بشرف و أمانة   حساب المعركة و تعطي ما لقيصر لقيصر، و ما لله لله.

إنني لم اخترع شيء من عندي، فأخطاء العرب  و  السياسية و السلوكية مكشوفة كالكتاب المفتوح.

و ماذا تكون قيمة الأدب يوم يجبر عن  مواجهة الحياة بوجهها الأبيض و الأسود معا ومن يكون الشاعر يوم يتحول   الى مهرج يمسح أذيال المجتمع و ينافق له؟ لذلك  أوجعني يا سيادة الرئيس أن تمنع قصيدتي من دخول مصر و أن يفرض حصارا رسميا   علي اسمي و شعري  في إذاعة مصر و صحافتها. القضية ليست مصادرة شعر أو مصادرة شاعر و لكن القضية أعمق و أبعد، القضية أن نحدد موقفنا من الفكر العربي: كيف نريده؟ حرا أم نصف حر؟ شجاعا أم جبانا ؟ نبيا أو مهرجا؟           ألقضية  هي  أن يسقط  أي شاعر تحت حوافل الفكر الغوغائي لأنه تفوه بالحقيقة،القضية أخيرا هي أن نعرف ما إذا كان تاريخ خمس من يونيو  سيكون تاريخ نولد فيه من جديد بجلود جديدة و أفكار  جديدة و منطق جديد؟

 قصيدتي أمامك يا سيادة الرئيس:  أرجو منك أن تقراها بكل ما عرفناه عنك من سعة أفق و بعد رؤية و لسوف تقتنع و رغم ملوحة  الكلمات و مرارتها إنني كنت انقل  الواقع بأمانة و صدق ،أرسم صورة طبق الأصل لوجوهنا الشاحبة و المرهقة، لم يكن بوسعي  و بلادي تحترق أن أقف موقف الحياد، حياد الأدب موت له، لم يمكن بوسعي أمام جسد أمتي المريض أن أعالجه بالأدعية  والحجابات و الصراعات. الذي يحب  أمته يجب أن يطهر جراحها بالكحول و يكوي ا ذا لزم الأمر المناطق  المصابة   بالنار.إني أشكو لك المواقف المعادية مني التي تقفها مني السلطات الرسمية في مصر متأثرة بمرتزقة الكلمة  و المتاجرين بها و أنا لا اطلب شيئا أكثر من أن يسمع صوتي، فمن ابسط قواعد العدالة ان  يسمح للكاتب ان يفسر ما كتبه وللمصلوب أن يسأل  عن سبب صلبه ، لقد دخلت قصيدتي  كل البلدان العربية و أثارت جدلا واسعا بين المثقفين إيجابا وسلبا فلماذا احرم أنا من هذا الحق في مصر وحدها؟ ومتى كانت مصر تغلق أبوابها في وجه الكلمة و تضيق بها؟

يا سيادة الرئيس لا أريد ن اصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه و المجروح على جرحه و يسمح باضطهاد شاعرا عربيا أراد أن يكون شريفا و شجاعا في مواجهة نفسه و أمته،  فدفع  ثمن صدقه وشجاعته، لا اصدق ان يحصل هذا في عهدك. ؟. [بيروت اكتوبر1967

إن هذه الرسالة توضح ان حرية النقد و التعبير عن الرأي الصادق معرضة منذ زمن بعيد للرقابة و ان الكاتب و الشاعر معرض للتهميش و الإقصاء في العالم العربي ان لم يكن من “مرتزقة الكلمة  و المتاجرين بها”  ؟    فمن “يكون الشاعر يوم يتحول   الى مهرج يمسح أذيال المجتمع و ينافق له؟”

أما القصيدة نفسها “هوامش على دفتر النكسة ” ،فقد جاء فيها نقدا لاذعا  لأسباب الهزيمة ومن أهمه:

” أنعي لكم.. أنعي لكم

نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمه  “

“إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ

لأننا ندخُلها..

بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابهْ

بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ

لأننا ندخلها..

بمنطقِ الطبلةِ والربابهْ

السرُّ في مأساتنا

صراخنا أضخمُ من أصواتنا

وسيفُنا أطولُ من قاماتنا

خلاصةُ القضيّهْ

توجزُ في عبارهْ

لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ

والروحُ جاهليّهْ…

بالنّايِ والمزمار..

لا يحدثُ انتصار

كلّفَنا ارتجالُنا

خمسينَ ألفَ خيمةٍ جديدهْ”

إن العودة إلى قصيدة نزار قباني كاملة  توضح مدى الجرح الذي أصاب العرب منذ نكبة عام 1948 مرورا يهزيمة 1967 ، كما توضح للأسف أن الثقافة العربية و السياسات العربية التي  تسير من نكبة إلى نكسة  ثم إلى نكبة   أخرى، تسير نحو الأسوأ    في حلقة مفرغة و مؤذية،  فأين الفكر العربي الجديد؟؟؟ وكأن أحدا لم يقرأ وكأن الجميع لم يفهم  و لم يتعلم…

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ماذا تقول وما قولك لو عشت بيننا وتعلقت بالسحاب ؟ ماذا تقول أيها الشاعر المدوي أيها العملاق، أيها المدوي في بطحاء يملأها الأسي يملأ الخراب ، أمة هائجة تترنح شراب، تشرب حتي الثمالة تعشق العذاب هائمة ألف خيمة وألف عذاب، قوارب موت في لجي بحر أخري غاصت في التراب ، أخري لاوجود إلا السراب، جهابذة هم مشائخنا يرتلون يترنون يومياـ دمر الكافرين انصرنا عليهم ـ ، يلتقطون الآيات المنزلات، الناجيا ت المهلكات انتظار تخليصنا حز الرؤوس لايمل منه الأعداء …..

  2. بسم الله الرحمن الرحيم
    أسعدت مساءا الدكتورة نهي خلف ، و أ سعدت حروفك الناضجة في عنفوان الحقيقة !!!
    نعم فنسبة تسعة و تسعين فاصلة تسعة و تسعين من كتابنا و شعرائنا يتسابقىن في
    ( الفهاهة) كتابة و لفظا ، و لن تجدين وقتا للنبش في الأ نقاض و لا في أ نقاض الأ نقاض ؟؟؟
    و دعكي من الحمية لشاعر دمشق ( نزار قباني) الرجل ( الحاذق) حين ما بالرقابة منعوه !!!
    فكلمات ( هوامش علي دفتر النكسة ) محفورة علي أ لسنة السواد. الأ عظم من الأ مة ، أ كثر مما كتب و أ لف ( كتاب) و ( شعراء ) ملاك القصور !!!
    و دعينا نستمتع بما كتبتي أنتي لنا في مقالك. هذا مشكورة ، و أ لف تحية و ألف سلام .

  3. كلام سليم ولو كان نزار قباني حيا وشاهد جاهلية العرب الجديدة لانتحر

  4. مقال رائع بكل المقاييس فاقصى التقدير للكاتبة الكريمة و آمل ان يُعاد نشر المقال في صحيفتكم إذ ان الكثير من الصحافيين المعاصرين لا يعرفون الكثير عن الشعور القومي العربي قبل النكسة و الاحباط بعد الهزيمة٠

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here