في تونس: الريّ التأسيسي دمعة… دمعة

mouhamad saleh majeed

 

محمد صالح مجيّد

 

صادق نواب تونس ،النوّام في أغلبهم، على دستور تونس الجديد الذي رأى النور بعد مخاض عسير تصارع فيه الخطاب الديني مع خطاب الدولة والمؤسسات الدستورية ،وانتهى إلى توافق محمود على علاته التي يمكن أن تُتَجاوز في قادم الأيام.وكان التونسيون قد تابعوا داخل المجلس التأسيسي على مدى ثلاث سنوات عجاف، مداخلات سريالية، ورأوا النواب يأتون من الأفعال ما جعل عقلاءهم يندمون على اختيار هؤلاء لبناء دستور الجمهورية الثانية بعد أن أمعن بعضهم في التباكي واستدرار الانتباه والشفقة

ربما لا تعرف إلا قلة قليلة،في زمن الغباء المستشري والمسوَّق على أنّه فطنة وذكاء، أنّ البكاء وذَرْفَ الدموع أمام الملإ، سلاح كان قد اعتمده الرئيس “الحبيب بورقيبة” من بين أساليب تواصليّة أخرى، لاستدرار العطف ،وتحميل الخطاب السياسيّ-أحيانا- شحنة عاطفية تعطّل العقل المتوثب للسؤال دائما ،وتَحمِل الشّعب المسكون بفيروس الانبهار ،على الإذعان لخطاب الرئيس /الزعيم حتّى وإن لم يُقنع مَنْ ابتلاه الله بداء التثبت والتمحيص !!.ويبدو أنّ البكاء أصبح حالةَ حكم، وطريقةً في سياسة الناس سلكها سياسيو ما بعد الحداثة الثورية في تونس الفارّة من براثن الديكتاتوريّة بحثا عن مشهديّة ثوريّة منتفخة انتفاخ الهرّ يحكي صولة الأسد.

لقد شاهد التونسيّ الانبهاري بالطبع والانفعالي بالقوة والانتظاري بالفعل، “الغنوشي” الأصغر وهو يبكي ،ويذرف الدموع لأنه لم يكن على علم بحجم الفساد الذي عرفته البلاد زمن حكم الرئيس السابق رغم أنّه لم يفارقه منذ أن تولى السلطة سنة 1987.كما تابع بانسياق تام وراء المشاهد التلفزية المتتالية والمختارة بحرفيّة،ذلك الشيخ المسكين الذي التقته قناة “الجزيرة” بالصدفة في شارع “الحبيب بورقيبة”وانفطر قلبه لرؤية دموع الحرقة والألم وهي تمنع صاحبها الموجوع من أن يسترسل في تأكيد الهرم لبلوغ اللحظة التاريخية.خلاصة القول،تحوّل البكاء من لحظة انفجارية عاطفية تنتاب صاحبها إزاء المحن فلا يملك لها رادا، إلى حالة وجدانية واعية موظفة توقيتا وغاية يحرص السياسي على كشفها أمام الناس من باب استثمار الحاضر في آت يظل أبدا في علم الغيب السياسي مجرّد بحث عن التموقع بعد أن تعدّدت الرؤوس ،وقلت الأماكن.

في المجلس التأسيس الموقّر نائب عن تياّر المحبّة ينفجر باكيا وهو يرى صورا مسيئة للرسول.ولم يفلح زملاؤه في إسكاته وإبعاد دموعه الحارّة عن كاميرا التلفزة…وبعيدا عن الخوض في الضمائر لا يخال العاقل أن السيد النائب كان خالي الذهن من فتنة نقل  بكائه على المباشر إلى التونسيين داخل البلاد أو المقيمين في لندن… الطريف أن ذات النائب الباكي على مشهد الصور المسيئة للرسول هو نفسه الذي كاد يذرف الدموع-ولعلّه فعلها-عندما عاد  ذات يوم بعد عمل شاق في المجلس التأسيسي ولم يجد عشاء، فاحتج بصوت عال على غلق المطعم في وجه نائب اختاره الشعب ليصوغ دستورا يقيه من الجوع والبرد .والسؤال الملح هو هل يمكن لدموع النائب أن تمنع المحظور؟ وهل يمكن لمكانة الرسول –عليه الصلاة والسلام- في قلوب المؤمنبن أن تتأثر بهذه الصور التي لا قيمة لها؟؟ألم يعلم السيّد النائب أن تجاهل مثل هذه الصور وعدم تضخيمها إعلاميّا هما السبيل لزوالها؟وكيف تبنى تونس الجديدة المحصنة من الشعوذة والخرافات بمثل هذه الشعبوية المقيتة “والدروشة” التأسيسيّة؟؟؟

ثمة نوّاب يريدون إقناع العامّة في كل مرّة بأنهم سدنة الإسلام ،وحافظوه. فتناسوا لغايات سياسويّة ،ما قاله الله تعالى في تبكيت كلّ مَنْ يزعم أنّ الإسلام بدونه في خطر :”إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون”(سورة الحجر)

 من باب أولى وأحرى أن يهتم  هؤلاء الساقطون بالصدفة الانتخابيّة بما كلفهم به الشعب، وأن يسرعوا في كتابة أسطر هذا الدستور الأخيرة بعد أن بدأ دافع الضرائب يتأكّد بأنّه سيكون باهظا ثمنا ومحتوى.أليس من الحكمة الابتعاد عن هذه المعارك”الفهلوية” وإبقاؤها خارج المجلس حيثُ أطرُها الصحيحة وطرقُها العلمية البعيدة عن السينما. وليكن النواب على ثقة بأنّ الإسلام السمح الذي صمد على مرّ القرون، لن يتأثر بصور مسيئة للرسول وإن ظهرت كلَّ يوم ،ولن تغيب تعاليمه عن هذه البلاد حتى وإن ضاعت فيها شعرة الرسول التي ظل قدومها من تركيا حديث الناس لأيام !!!! .

نائب آخر من المشرب السياسي نفسه لم يتوقف عن أمرين:التهديد بكشف المستور في البدء، وأخيرا ذرف الدموع دفاعا عن المقدّسات ،رغم أنه تخير الإقامة في مكان يجعله في تناقض مع مضمون ما يصرّح به في المجلس.على أنّ مَنْ يعرف عن قرب أهلنا في “قبلي” لا شكّ مدرك أنه لا يوجد بينهم مَنْ يأكل “الضلف”..إن هي إلا جملة سياسيوية لا قاع لها ولا سند عند الذين رسموا على الرمال قصة حب وصمود طويلة.

وإنّه لَيُخيَّلُ لمتابع ارتفاع منسوب الدموع داخل المجلس التأسيسي وما جاوَرَهُ من فصول العبث الأكبر، أنّ النائب المتباكي الحزين يُجازَى على قدر ما يظهره من براعة في استدار عطف الناس،ومن تطاير الدموع حتى تبدو صافية براقة على الشاشات المتوثبة لرصد الحالة التأسيسية العصيبة !!!.

يُكْتَبُ الدستور هذه الأيام دمعة.. دمعة مُوَقَّعا على نغمة “ببم ببم”… وما بين الدمعة والدمعة ألف”فصعة وفصعة” تفضحها الكراسي الخاوية في أحلك فصول الدستور…وما يُخْشىَ هو أن يكون بعضُ النواب قد استلهم حصص الدموع المتلفزة من أغنية شعبية مصريّة”ديما دموع″ حرصا على الإيقاع الدستوري…والشعب الحائر في هذه المسرحيّة المدهشة يريد ريّا تأسيسيا كلمة كلمة لا دمعة دمعة بعد أن ذاق من المرّ ألوانا وعانى من سياسيي النكبة ما عانى.

 

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لقد ميز الله الإنسان عن بقية المخلوقات بالعقل والضحك والبكاء!
    واين هذا من حرية الضمير وحرية التعبير حتى البكاء؟
    واخيرا شكرا” للأستاذ”(فهو في الأول والآخر استاذ فلسفة) راشد الغنوشي الذي جنب تونس ،بحكمته ودهائه،حكما عسكريا او فوضى لا تحتملها البلاد!
    مبروك لتونس دستور الجمهورية الثانية…
    لقد تابع التونسيون بشغف مناقشة النواب للدستور فصلا فصلا وصارت لهم معرفة تامة بما يضمنه لهم الدستورمن حقوق وواجبات…
    ولقد شارك في سن هذا الدستور ليس فقط نواب المجلس التأسيسي بل كذالك خبراء في القانون الدستوري للصياغة وخاصة الشعب ممثلا في عماله ومحاميه وقضاته واطبائه ومهندسيه و اعلامييه من خلال مسيراتهم ووقفاتهم امام التاسيسي للإحتجاج مثلا ضد فصل من الفصول …
    لذالك جاء التصويت بأغلبية ساحقة من طرف اسلاميين وعلمانيين، اشتراكيين وليبرليين وقوميين…

  2. نشاطر الكاتب في بعض أفكاره التي تميزت بالتشائم فقرة … فقرة ، لنكن متفائلين و نقول /: البناء التأسيسي طوبة … طوبة ، نتمنى أن تزول الأحزاب ” التمساحية ” اليد قصيرة .. و الفك عريض ، جففوا المستنقعات .. تزول تلقائيا .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here