في باطن الأرض تُذبح الأمم.. انها لعنة النفط

عبد الحكيم علي يزبك

“سوف أؤمم النحاس, أنا لن أخرج حياً من هنا”, بهذه الكلمات جمع “سلفادور الليندي” بين ارادة الكينونة وحتمية التضحية, أن تقول لا في تشيلي يعني القرار بالسيطرة على ما تملك, كما يعني أن النحاس والذهب والفضّة والليثيوم وكل ما تحويه الارض يقاوم سطوة الامبراطويّة الامريكية, التمرّد في الحديقة الخلفيّة لواشنطن خطير للغاية, لكل شيء ثمنه حكمة واشنطن الاساسية لم تتأخر كثيراً, ثلاثية “بينوشيه” و”فتيان شيكاغو” النيوليبراليون بدعم وتوجيه وكالة المخابرات المركزيّة الامريكية أطاحت بالليندي, معجزة تشيلي الاقتصاديّة رسمها “توماس فريدمان”, تحرير القيود الى ما لا نهاية, في متن خطته تتجلى كل البساطة المعادن في يدنا الفتات في يدكم, ملايين “الفائضين عن الحاجة” رددوا شعارهم الصامت خوفاً “لسنا على قيد الحياة”.

انقلاب بينوشيه أطاح بالحياة نفسها من 11 ايلول 1973 الى 11 ايلول 2001 تاريخ لا ينساه أحد لا في تشيلي ولا في أفغانستان, تشابه التوقيت التاريخي يعزز قدرية التوحش الامريكي من امريكا الجنوبية الى آسيا الوسطى, تحت جبال الافغان العنيدة الجواب الشافي عن تساؤلات البنتاغون, تريليون دولار من المعادن التي لا تحوي حرية ورخاء الشعب الافغاني كشفتها التقارير عن اسباب الحرب الحقيقية, اشلاءٌ في “كابل” حساباتٌ في “وول ستريت”, الكثير من الذهب والحديد والنحاس والليثيوم.

على الخط نفسه وفي كرة النار ذاتها وقع العراق, “النفط مقابل الغذاء” لم يكن الا تعبيراً ملطفاً عن “النفط مقابل الارواح”, الجائزة الكبرى هناك, من بوش الاب الى بوش الابن وما بينهما شهد العراق حقائق الهمجية العارية لبروز الاحاديّة الامريكية, من عاصفة الصحراء الى سقوط بغداد مروراً بسنوات “الكروز”, لم يشفع للعراق تقاريره المفصلة الى مجلس الامن, احدها تقرير من احدى عشرة الف صفحة مفصلة عن كل موارده ومعداته العسكرية, ولم يشفع له قبوله بالشروط الصعبة ولم يغفر له لا الحصار ولا فناء ما يملك من اسلحة نوعية, ولم يصفح عنه انهيار قدراته ولا الموت جوعاً, لعنة النفط اقوى.

لكن أي “جوكر” هو النفط حتى يظهر في لبنان, هذا البلد الاعجوبة المتفرد بنظام سياسي تهرب منه كل التصنيفات, بلد الفقاعات المالية والالغام المذهبية حيث يمكن ان تختلط فتوة الازقة بالزعامة الوطنية لتطرق ابواب الاقليم وربما العالم, يُتناقل الكلام في مراكز القرار عن نسخة جديدة ومريبة, “لبنان القلق” هو السلوك الجديد المطلوب, انهيار مع احتمال تفجير مستمر وبالبنية ذاتها حتى لو حصلت فيها تغييرات ظاهرية, في هذه الظروف التي تشابه غلياناً في قدرٍ مضغوط يصبح من السهل قبول الاصعب, خصخصة تامة لقطاع الطاقة تحرير مالي مخيفٌ يستبق العائدات النفطية وغيرها من الوصفات السامة لصندوق النقد الدولي, صندوق “باندورا” الامريكي مفتوح على كل الاحتمالات, قلق لبنان يتجلّى بمحاولات اسقاط المقاومة, النار التي دكت حصن “صهيون” قادرة على حماية الارض وباطنها, القبول او المواجهة عنوان المرحلة البترولية القادمة. إنّ عرضاً ملخّصاً لتجارب دول الاطراف الزاخرة بالثروات يجمع النقاط التالية:

ـ أوّلا: نحن أمام دول عالم ثالثية تحمل نسب نمو لا تنمية, يفرض عليها المركز الرأسمالي موقعها كأطراف وسياسات احادية وعدم التزامها يعني امكانية انهيارها.

ـ ثانياً: تتبع بعض هذه الدول سياسات مستقلة عن جبروت شركات النفط العالميّة الكبرى وعن مقتضيات التوسع الرأسمالي في سوق الطاقة.

ـ ثالثاً: لا تمتلك هذه الدول شبكة امان عالمي تخلّصها من القيود المفروضة, السياسات الاقليميّة قد تكون مفتاحاً مناسباً للتحرر من هذه القيود, لكنّها تبقى غير متبلورة وغير كافية لأسباب عديدة.

ـ رابعاً: تخوض هذه الدول في تجارب شعبيّة وإن كانت بعض الاحيان خارج اطار السلطة الرسميّة, نقاط القوة هذه لا تتلائم مع تصورات قوى المركز عن دول قلقة لا تملك قرارها ولا ارادة الاستقلالية في ادارة ثرواتها.

“أتمنى لو أنّكم عثرتم على مياه”, قالها “ادريس السنوسي” ملك ليبيا عند اعلامه ان الشركات الامريكيّة اكتشفت النفط في بلاده, جنسيات متعددة غزت اعماق ليبيا, استسلام السنوسي جاء في ما بعد كاملاً دون شروط. جنون الثروات لا يكبحه أحد, لا تسألوا”ليبيا” إسألوا كم أصبحت قسماً, كم مذهباً أصبح العراق, أي نفط يموّل قصف اليمن, كي نعرف ما يجري في لبنان قد يكون من الأفضل أن نعرف من يجثم على حقول النفط في سوريا.

كاتب عربي من لبنان

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اللهم إنصر المظلومين بمشرق الأرض ومغربها. توحدوا على كتاب الله وسنة رسوله والنصر أت عاجل غير آجل.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here