في الخلاف السعودي القطري: لهذه الأسباب نستبعد الحل العسكري

ashraf mousa.jpg 44

د. اشرف موسى

يأتي الخلاف السعودي- القطري في سياق انحيازات و اصطفافات جديدة بدأت تتبلور ملامحها أكثر فأكثر مع الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية منذ 2011 , وبات واضحاً أن هذه الاحداث أسهمت في تظهير أوضح لملامح ثلاثة دول تتنافس على لعب دور ” الدولة القائد في منطقة الشرق الاوسط ” . المشروع القومي العربي الذي بدأ هزيلاً في خمسينيات القرن الماضي أُعدم واقعياً في بغداد و تم دفنه على أبواب دمشق . المشروع الإيراني  كان صاحب الحظ الأوفر في التركة , فاستطالت طهران نحو دمشق و بغداد بالاضافة لحصص وازنة في لبنان و اليمن . تركيا التي لم تتوفر لها فرصة أن تكون مذيّلة بالاتحاد الأوروبي كان خيارها الآخر أن تكون رأساً في المنطقة العربية في ظل انعدام المشروع , وكان الاسلام السياسي كلمة السر , مترافقاً بعدم وجود حاضنة سياسية للكثير من السنة , الأمر الذي مكنها من حضور قوي في الكثير من أماكن وجودهم, فاحتوت الاخوان ووجدت في قطر وصيفتها لتمرير مشروعها الذي كاد أن ينجح  لولا أن السعودية دفعت بكل ثقلها لتكون مصر من حصتها بعد ثورة مضادة ناجحة حتى تاريخه دفعت لأجلها المليارات . في طريقها للاستحواذ بما يمكن الحصول عليه من بقايا مشروع قومي عربي نافسته و قاتلت ضده لعقود , وجدت السعودية نفسها أمام مشروعين غير عربيين يستحوذان النصيب الأكبر من الكتف العربي , الأمر الذي جعلها لتكون ثالثاً في قوة الحضور الإقليمي .

و إن بدا أن محوري كل من أنقرة و طهران مُعنونَان بلبوسٍ مذهبي  إلا أن ذلك لا ينفي أن الحامل الأساس لكلا المشروعين قائم على فكرة القومية, على العكس من السعودية التي لم يتجاوز مشروعها حدود الانتماء العائلي بعيداً عن أي فكرة جامعة سواء اسلامية أو حتى قومية .

أمام هذا المشهد الإقليمي و في ظل تزاحم و تنافس في أكثر من جغرافيا و ملف , وخلال السنوات القليلة الماضية أرادت السعودية أن تدير علاقتها مع قطر بطريقة الابن الضال الذي يجب هدايته , على أمل أن لا تكون قطر الخاصرة الرخوة لمشروع سعودي غير مكتمل شروط النجاح بالأساس , إلا أنها وبعد محاولات فاشلة وجدت أن قطر ليس فقط ولداً عاقاً , بل وجدت فيه ولدا ينكر شرعية الانتماء على اعتبار أن أصول القبائل المؤُسِّسة لدولة قطر تعود إلى  نجد , وما يزعج السعودية  أكثر هو انخفاض سقف مطالبها بضم قطر لها في بداية القرن العشرين  باعتبارها جزءاً من إقليم الأحساء , إلى دعوتها لتكون عضواً منضبطاً بالحدود الدنيا في مجلس التعاون الخليجي , هذا من حيث المبدأ , وفي التفاصيل , يأتي الانزعاج السعودي من قطر ليس في كونها تغرد خارج السرب الخليجي بقدر ما أنها تسعى لتكون بديلاً عن المظلة السعودية , فقد استطاعت أن تبني التحالفات و تخلق الأدوات التي تمكنها من تحقيق قوة ناعمة ذات وقع عند الحديث عن رصيد القوة , و بلا شك أن استقلالية القرار القطري بعيداً عن الوصايا السعودية و خاصة في ملفات حيوية ,كالتحالف مع تركيا في دعم الاخوان وظهورها كامتداد للمحور التركي أكثر منه عضواً في مجلس التعاون الخليجي أسهم في جعل الانزعاج السعودي يبلغ ذروته .

لم تعبر السعودية عن سخطها تجاه سلطنة عمان حول بعض الملفات الخلافية وخاصة من جهة علاقتها بايران وكذلك عدم مشاركتها بعاصفة الحزم ,  وكذا الحال بالنسبة للامارات التي لم تعكر قضية الجزر صفو العلاقات أمام تنامي حجم التبادل التجاري بين الطرفين ليبلغ في العام الماضي قرابة 16 مليار دولار . فكلتا الدولتين لا تمارسان دوراً استبدالياً بل يقرّان بالعباءة السعودية كقاطرة لمجلس التعاون الخليجي , و يؤكدان أنهما امتداد لهذا المحور ويمارسان سياستهما الخارجية من تحت العباءة لا من خارجها  , على العكس من قطر التي تمارس دوراً تنافسياً يرتقي لدرجة الاستفزاز في كثير من الأحيان , الأمر الذي دفع السعودية لجملة الاجرءات الأخيرة .

 لقد بدا واضحا أن البيان السعودي يهدف إلى التحشيد و التأييد المحلي أولاً, بتأكيده على أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة للانتهاكات الجسيمة التي تمارسها السلطات في الدوحة ، سراً وعلناً ، طوال السنوات الماضية بهدف شق الصف الداخلي السعودي ، وثانياً , لكسب التأييد  الدولي و خاصة الولايات المتحدة الامريكية باتهام قطر باحتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة ، ومنها جماعة (الإخوان المسلمين) و (داعش) و(القاعدة) ، وقد تم استتباع ذلك بحماس من قبل الجبير و ذلك تماشيا مع تصريحات ترامب في السعودية بتوصيفه حماس كحركة ارهابية وهذا سقوط أخلاقي أكثر منه سياسي .

أغلب الظن أن ردة فعل السعودية الخشنة تجاه قطر لم تأت لتُستكمل بفعل عسكري فيما لو لم تستجب الدوحة لجدول طويل من المطالبات السعودية , بل أن رفع مستوى ما هو مطلوب قطرياً جاء بهدف الوصول لتسويات مقبولة سعودياً تكون في حدها الأدنى أعلى مما تم التوافق عليه في 2014, و بضوابط ومعايير يلزم الدوحة بعدم التحلل من التزاماتها , و يأتي استبعاد خيار العمل العسكري لأسباب عديدة , أهمها أن الأسر الحاكمة في الخليج تدرك بأن أنظمتها السياسية هشة بما لا يجعلها تحتمل حروباً في ظل موجة الحراكات العربية في السنوات الأخيرة , كما أن ردة الفعل التركية جاءت كرسالة واضحة للرياض بأن العمل العسكري خيار غير مسموح به و أيضا جاءت كإقرارٍ منها أن قطر أحد اركان محورها و لا عودة عن ذلك ,  و الأهم من هذا و ذاك هو أن أي عمل عسكري في هذه المنطقة بالذات من العالم يستوجب توافقات و موافقات دولية و إقليمة و هو غير متوفر بحده الأدنى , فتصريحات الامريكان المتناقضة تأتي بهدف الاستثمار السياسي و الاقتصادي , أكثر منه تجاوباً مع رغبات الرياض بالضغط على الدوحة , و الشغل الشاغل لترامب هو البحث عن توقيت مناسب لابتزاز جديد للمال الخليجي و كم هو عدد المرات التي سيعاود فيها تكراره لتغريدته على تويتر ليردد ما قاله  للأمريكيين:” أحضرت مئات مليارات الدولارات من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة يعني وظائف، وظائف، وظائف”.

أغلب الظن أن الأمور ستتجه نحو مساومات بتدخلات إقليمية و دولية تتنازل بموجبه قطر بما يحفظ ماء وجه السعودية , و كلا الطرفين مدرك تماماً أن هذه الجولة ليست الاخيرة , فجولات جديدة للخلاف قادمة , فإقرار الدوحة بعدم صلة القربى كان علناً , و اصرار السعودية بعدم خلع عبائتها كان واضحا , و بين اقرار و اصرار ستبقى التجاذبات قائمة ما لم يحدّثهم القدر بخطر يحّيد الخلاف جانباً , مع القناعة بأن استخدام السعودية لأسلوب العصا الغليظة لاحقاً لن يجدي نفعاً باعتبار أنها استنفدت هذه المرة كل ما تملك من أدوات ضاغطة , وفي ذات الوقت فإن استمرار استخدام قطر لقوتها الناعمة أيضاً لن تجدي نفعاً لأن تكون بديلاً طالما أنها تفتقر لقوة خشنة فاعلة .

– اكاديمي  فلسطيني – باحث في جامعة سانت اندروس – قسم العلاقات الدولية – المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يقول المقال : لملامح ثلاثة دول تتنافس على لعب دور ” الدولة القائد في منطقة الشرق الاوسط ” .

    هذا الامر محسوم بوضوح . هناك دولتين – قائدتين – لمنطقة الشرق الاوسط وهما ايران ويتبعها العراق وسوريا وقريبا لبنان والاخرى اسرائيل ويتبعها السعودية والامارات ومصر ودول – لا شعوب – عربية اخرى .
    فكيف تكون السعودية قائدة اذا لا تستطيع الحفاظ على ارواح المسلمين في الحج او اعطاء المرأة حقوقها او تتبني ولو
    بلمحة اية مظاهر ديمقراطية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here